مشارق الأنوار على صحاح الآثار

فصل في الاختلاف والوهم

          فصل في الاختلاف والوهم
          قوله: «لا تُصَرُّوا الإبلَ» [خ¦2148] كذا صحيحُ الرِّوايةِ، والضَّبطُ في هذا الحرفِ: بضمِّ التَّاءِ وفتحِ الصَّادِ وفتحِ لامِ الإبلِ من صرَّى: إذا جمَعَ، مثقَّلٌ ومخفَّفٌ، وهو تفسيرُ مالكٍ والكافَّةِ له من أهلِ اللُّغةِ والفقهِ، وبعضُ الرُّواة يحذِفُ واوَ الجمعِ ويضمُّ لامَ الإبلِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وهو خطأٌ على هذا التَّفسيرِ، لكنَّه يُخرَّجُ على تفسيرِ من فسَّرَه بالرَّبطِ والشَّدِّ، من صرَّ يَصُرُّ، وقال فيه: المَصْرورة، وهو تفسيرُ الشَّافعيِّ لهذه اللفظةِ، كأنَّه بحبسِه فيها ربطَ أخلافَها وشدَّها لذلك، وبعضُهم يقوله: «تَصُرُّوا» بفتحِ التَّاءِ وضمِّ الصَّادِ ونصبِ اللَّامِ وإثباتِ واوِ الجمعِ، ولا يصحُّ أيضاً إلَّا على التَّفسيرِ الآخرِ من الصَّرِّ، وكان شيخُنا أبو محمَّد ابن عتَّابٍ يقول للقارئِ عليه والسَّامعين: اجعلُوا أصلَكم في هذا الحرفِ متى أشكلَ عليكم ضبطُه قولَه تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32] واضبِطوه على هذا المثالِ فيرتفعُ الإشكالُ، ويحكي ذلك لنا عن أبيه، لأنَّه من صرَّى مثل: زكَّى. /
          وقوله في حديثِ ابن عبَّاسٍ في الرَّكعتَين بعدَ العصرِ: «كنتُ أصرِفُ النَّاسَ عليها» كذا للسَّمرقنديِّ: بالصَّاد المهمَلةِ والفاءِ، وللكافَّةِ: «أضرِبُ» [خ¦1233] وهو الصَّوابُ، وفي «الموطَّأ» ومسلمٍ أيضاً: «كان عمرُ يضربُ الأيدي عليها»
          وفي (بابِ ركعتَي الفجرِ): «فلمَّا انصرمنا» كذا عن مسلمٍ، وللكافَّةِ: «انصَرَفْنا» وهما قريبا المعنى؛ أي: انفصلَنا عن الصَّلاةِ، وانقطَعْنا منها، وانصرَفْنا عنها.
          وفي الرُّكوبِ في الطَّوافِ: «كراهةَ لا يُصرَفُ النَّاسُ بينَ يدَيه» ويروى: «يُضْربُ» وهما بمعنًى، وهذا أوجَهُ.
          وفي حديثِ الصَّدقةِ وإخراجِ فضلِ الماءِ: «إذ جاءَ رجلٌ على راحلتِه فجعلَ يصرِفُ بصرَه يميناً وشِمالاً _فقال النَّبيُّ صلعم:_ مَنْ كان عندَه فضلُ ظهرٍ فليَعُدْ به على مَنْ لا ظهرَ له...» الحديثَ، كذا رويناه من طريقِ السِّجزيِّ والسَّمرقنديِّ، وسقطَ «بصره» للباقين، وعندَ العُذريِّ وابنِ ماهانَ: «يضرِبُ» بالضَّادِ والباءِ، وضبَطْناه عن بعضِهم: بضمِّ الياءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وبعضُهم يفتحُها، وهو أَولى وأشبَهُ بالقصَّةِ وباقي الحديثِ.
          وقد روى أبو داودَ وغيرُه هذا الحديثِ، وقال: «فجعلَ يصرِفُها يميناً وشِمالاً» يعني: الرَّاحلةَ، وهو بمعنى: يضرِبُ؛ أي: يسيرُ بها يسألُ. قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} [النِّساء:101].
          وفي إسلامِ أبي ذرٍّ: «لَأصرُخَنَّ بها بين أظهُرِهم» [خ¦3522] وعندَ الهَوزنيِّ: «لأضرِبَنَّ» والوجهُ والمعروفُ الأوَّلُ، إلَّا أن يُخرجَه على مثلِ قولِ أبي ذرٍّ: «لأرميَنَّ بها بينَ أكتافِكُم» [خ¦2463] .