-
مقدمة المصنف
-
الكلام على البسملة
-
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلعم
-
كتاب الإيمان
-
كتاب العلم
-
كتاب الوضوء
-
كتاب الغسل
-
كتاب الحيض
-
باب كيف كان بدء الحيض
-
باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله
-
باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض
-
باب من سمى النفاس حيضًا
-
باب مباشرة الحائض
-
باب ترك الحائض الصوم
-
باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت
-
باب الاستحاضة
-
باب غسل دم المحيض
-
باب الاعتكاف للمستحاضة
-
باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه؟
-
باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض
-
باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض
-
باب غسل المحيض
-
باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض
-
باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض
-
باب: {مخلقة وغير مخلقة}
-
باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة
-
باب إقبال المحيض وإدباره
-
باب لا تقضي الحائض الصلاة
-
باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها
-
باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر
-
باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى
-
باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
-
باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض
-
باب عرق الاستحاضة
-
باب المرأة تحيض بعد الإفاضة
-
باب إذا رأت المستحاضة الطهر
-
باب الصلاة على النفساء وسنتها
-
باب
-
باب كيف كان بدء الحيض
-
كتاب التيمم
-
كتاب الصلاة
-
كتاب مواقيت الصلاة
░19▒ هذا (باب) بيان (إقبال الحيض وإدباره) وعلامة ذلك الزمان والعادة، فإذا أقبلت عادتها؛ تحرت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور، وقال مالك: إقبال الحيض: هو الدفعة من الدم، وإدباره: إقبال الطهر، والمناسبة بين البابين من حيث وجود حكم الحيض في كل منهما، ثم أورد الأثر الذي ذكره مالك في «الموطأ» عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة ♦ أنها قالت: (وكن)؛ بصيغة جمع المؤنث، وفيه ضمير يرجع إلى النساء، ويسمى هذا الضمير بالضمير المبهم، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعرًا بما بعده، فإذا كان كذلك؛ لا يقال: إنه إضمار قبل الذكر (نساء) بالرفع؛ لأنَّه بدل من الضمير الذي في (كن)، وهذا على لغة (أكلوني البراغيث)، وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ (كن) إشارة إلى التنويع والتنوين فيه يدل عليه، والمراد: أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن، كذا في «عمدة القاري»، وزعم ابن حجر أن التنكير في النساء للتنويع، انتهى.
قلت: ورد هذا إمام الشارحين؛ حيث قال: قلت: إن لم يكن هذا مصحفًا من الناسخ؛ فهو غلط؛ لأنَّه ما ثَمَّ(1) كسر في النساء وإنما فيه الرفع، كما ذكر، أو النصب على الاختصاص، لا يقال: إنه نكرة، وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة؛ لأنا نقول: قد جاء نكرة كما جاء في معرفة، وقال الهذلي:
ويأوي إلى نسوة عطل وشعثًا مراضيع مثل السعالي
انتهى كلامه، رحمه الباري.
وفي رواية مالك في «الموطأ»: (كان النساء) (يبعثن إلى عائشة) أي: الصديقة زوجة النبي الأعظم صلعم ورضي عنها (بالدُّرْجة) بضمِّ الدال، وسكون الراء المهملتين، قاله ابن قرقول، قال: (وقيل: بكسر الدال، وفتح الراء)، وعند الباجي: بفتح الدال والراء، وقال ابن قرقول: (وهي بعيدة عن الصواب)، وقال أبو المعالي: (والدرْج؛ بالتسكين: حفش النساء، والدرجة: شيء يدرج فيدخل في حياء الناقة، ثم تشمه فيقطعه ولدها قدام أمه)، وكذا ذكره القزاز، وصاحب «الصحاح»، وابن سيده، وزاد: (والدرجة أيضًا: خرقة توضع فيها دواء، ثم تدخل في حياء الناقة، وذلك إذا اشتكت منه)، وفي «الباهر»: (الدرجة؛ بالكسر، والإدراج جمع الدرج؛ وهو سقط صغير، والدرجة مثل رطبة)، وقال ابن دريد: (الدرج: سقط صغير تجعل فيه المرأة طيبها وما أشبهه)، وقال ابن قرقول: (ومن قال بكسر الدال، وفتح الراء؛ فهو عنده جمع درج؛ وهو سقط صغير؛ نحو: جرح وجرحه، ونحو: ترس وترسه)، كذا قرره إمام الشارحين، (فيها الكُرْسُف)؛ بضمِّ الكاف، وإسكان الراء، وضم السين المهملة، آخره فاء؛ وهو: القطن، كذا قاله أبو عبيد، وقال الدينوري: وزعم بعض الرواة أنه يقال له: (الكرفس، على القلب، ويجمع الكرسف على كراسيف) (فيه) أي: في القطن (الصُفْرَة)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وسكون الفاء، وفتح الراء، وهي علامة حاصلة من أثر دم الحيض بعد وضع ذلك في الفرج؛ لاختبار الطهر، وقال في «المحكم»: (وإنما اختير القطن لبياضه، ولأنَّه ينشف الرطوبة فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره)، كذا في «عمدة القاري».
(فتقول)؛ أي: عائشة ♦، وفي الكلام حذف دل عليه رواية مالك، ولفظه: (فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهن: ) (لا تعجلْن) بسكون اللام، والمثناة التحتية، نهي لجمع المؤنث المخاطبة، ويأتي كذلك للجمع المؤنث الغائبة، ويجوز هنا الوجهان، وكذا في (ترين)؛ فافهم أفاده إمام الشارحين؛ والمعنى: لا تعجلن بإقدامكنَّ على الصَّلاة بظن الطهر، بل (حتى ترين) صيغة جمع المؤنث المخاطبة، وأصلها: (ترييين) على وزن (تفعلين)؛ لأنَّها من رأى يرأى: رؤية بالعين، وتقول للمرأة: أنت ترين، وللجماعة: أنتن ترين؛ لأنَّ الفعل للواحدة، والجماعة سواء في المواجهة في خبر المرأة من بنات الياء(2)، إلا أن النون التي في الواحدة علامة الرفع، والتي في الجمع نون الجمع.
فإن قلت: إذا كان أصل (ترين) تريين، كيف فعل به حتى صار ترين؟
قلت: نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت ألفا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصار (ترين) على وزن (تفلن)؛ لأنَّ المحذوف منه عين الفعل وهو الهمزة فقط، ووزن الواحدة تفين؛ لأنَّ المحذوف منه عين الفعل ولامه، كذا قرره إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري. /
(القَصَّة البيضاء)؛ بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة، وفي تفسيرها أقوال؛ قال ابن سيده: (القصة والقص: الجص، وقيل: الحجارة من الجص)، وقال الجوهري: (هي لغة حجازية، يقال: قصص داره؛ أي: جصصها، ويقال: القصة: القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض)، وقال القزاز: (القصة: الجص، هكذا قرأته بالقاف، وحكيت بالكسر)، وفي «المغرب»، و«الجامع»، و«الغريبين»: (القصة: شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله)، وقال في «المحيط»: (من كتب الأئمَّة الحنفية: القصة: الطين الذي تغسل به الرأس، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة، وجاء في الحديث: «الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء» أي: التي تخرج القطنة البيضاء التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة) .
قال إمام الشارحين: (قلت: أريد بها: التشبيه بالجصة في البياض والصفاء، وأنث؛ لأنَّه ذهب إلى المطابقة، كما حكى سيبويه من قولهم: لبنة وعسلة) انتهى.
وقال ابن قرقول: قد بين [ذلك] مالك القصة بقوله: (تريد)؛ أي: عائشة ♦ (بذلك) أي: بقولها حتى ترى القصة البيضاء (الطهر من الحيضة) وفسره الخطابي: (بالبياض التام)، وقال ابن وهب: (رأت القطن الأبيض كأنه هو)، قال مالك: (سألت النساء عن القصة البيضاء، فإذا ذلك أمر معلوم عندهن يرينه عند الطهر)، وروى البيهقي من حديث ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن فاطمة بنت محمَّد وكانت في حجر عمرة، فقالت: أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كرسفة قطن(3) فيها: أظنه أراد الصفرة، تسألها(4) إذا لم ترين الحيضة إلا هذا؛ طهرت، قال: فقالت: لا، حتى ترى البياض خالصًا، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وبه قال مالك والشافعي؛ فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء؛ فهو حيض عندهم، وقال الإمام أبو يوسف: (ليس بحيض حتى يتقدمها دم)، كذا في «عمدة القاري».
وقال الهروي: (معنى القصة: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا؛ كالقصة، كأنه ذهب إلى الجفوف(5) )، وقال القاضي عياض: (وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرق بيِّن)، وقال في «المصابيح»: (وسببه أن الجفوف عدم، والقصة وجود، والوجود أبلغ دلالة على أن الرحم قد يجف في أثناء الحيض، وقد تنظف الحائض فيجف رحمها ساعة، والقصة لا تكون إلا طهرًا) انتهى.
وفي ذلك دليل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، ومطابقة هذا الأثر للترجمة في قولها: (حتى ترى القصة البيضاء) فإنها علامة إدبار الحيض، قاله إمام الشارحين، ثم قال: (وهذا الأثر رواه مالك في «الموطأ»، فقال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت...) إلخ.
وقال ابن حزم: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها، واسم علقمة مرجانة، سماها ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي: (مدنية تابعية ثقة)، وفي «التلويح»: كذا ذكر البخاري هذا معلقًا مجزومًا به، وبه تعلق النووي، فقال: هذا تعليق صحيح؛ لأنَّ البخاري ذكره بصيغة الجزم، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق في بيانه في كثير من التعاليق المجزوم بها عند البخاري، ولو نظر كتاب «الموطأ» لمالك بن أنس؛ لوجده قد قال: عن علقمة...إلى آخره، ولو وجد ابن حزم؛ لما ذكره، قال: خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها.
قال إمام الشارحين: (قلت: حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به، ولهذا قال ابن الحصار: هذا حديث خرجه البخاري من غير تقييد) انتهى.
وفي ختام جمادى أول سنة ثمان وسبعين جاءت وزارة الصدارة لفؤاد باشا، وصارت زينة في ديارنا ثلاثة أيام، والله الكريم أسأل أن يفرج عنا ما أهمنا برحمته وكرمه وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه.
(وبلغ) بالغين المعجمة (بنت) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية: (ابنة) (زيد بن ثابت) وهي أم سعد، بسكون العين المهملة، قال إمام الشارحين: هكذا وقع هنا ذكر (بنت زيد) مبهمًا، وكذا وقع في «موطأ مالك» فإنه أخرجه في «موطَّئه»: (عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت)؛ فذكره، وعمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم، واختلف في بنت زيد المذكورة، وقال الحافظ الدمياطي: (لزيد بن ثابت من البنات أم إسحاق وحسنة، وعمرة، وأم كلثوم، وأم حسن، وأم محمَّد، وفزيبة، وأم سعد)، وقال في «التوضيح»: (ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم مسعد؛ فقد ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات) انتهى.
وزعم ابن حجر أنه لم ير للواحدة منهن؛ يعني: من بنات زيد رواية إلا لأم كلثوم، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر ☻، فكأنها هي المبهمة ههنا، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد، قال: لأنَّ ابن عبد البر ذكرها في الصحابة، ثم قال ابن حجر: (وليس في ذكره لها دليل على المدعى؛ لأنَّه لم يقل: إنها صاحبة هذه القصة، بل لم يأت لها ذكر عنده ولا عند غيره إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن، وقد كذبوه وكان مع ذلك يضطرب فيها، فتارة يقول: بنت زيد، وتارة يقول: امرأة زيد، ولم يذكر أحد من أهل الحديث بالنسب في أولاد زيد من يقال لها: أم سعد) انتهى.
قلت: وكلام هذا القائل قريب الفساد، وقد رده إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» حيث قال: قلت: قد ذكره الذهبي فقال: أم سعد بنت زيد بن ثابت، وقيل: امرأته، وأيضًا عدم رؤية هذا القائل رواية لواحدة من بنات زيد إلا لأم كلثوم لا ينافي رواية غيرها من بناته؛ لأنَّه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات.
وقوله: (وزعم بعض الشراح) أراد به: صاحب «التوضيح» فليت شعري؛ ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو؟ حيث قال: (فكأنها هي المبهمة)؛ أي: أم كلثوم هي المبهمة في هذا الأثر؛ على أن صاحب «التوضيح» ما جزم بما قاله، بل قال: ( ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد) انتهى.
قلت: والحق أن هذه المبهمة هنا هي أم سعد، فإنها صحابية، ولا يلزم أن تكون صاحبة هذه القصة، كما زعمه ابن حجر ردًّا على صاحب «التوضيح»؛ لأنَّ بنت زيد هذه بلغها هذه القصة، كما هو صريح عبارة البخاري ومالك في «الموطأ»؛ فلا يلزم حضورها، بل بلوغها ذلك كاف على أنه قد جاءت الرواية عنها من طرق متعددة، وإن زعم ابن حجر التكذيب في بعضها؛ لأنَّها قد تقوت باختلافها، وقوله هذا تعصُّب وعناد؛ لأنَّه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الرواة، بل شأنه ينظر لكلام الفحول من الرجال، وليس هو رجلًا يعد، بين هذهالرجال؛ فإنه قد نفى أم سعد من بنات زيد وقد أثبتها الحافظ الذهبي، كما سمعت كلامه، وما هذا إلا لعدم اطِّلاعه على ما ذكره أهل الحديث من الحفاظ، وهذا يدل على فساد من يدعي أن ابن حجر حافظ، بل ليس بشارح كما ينبغي، فكيف يدعى أنه حافظ؟!؛ لأنَّ الحفاظ لا يصدر منهم كذب ونفي واختلال، وهذا قد صدر من هذا القائل؛ فهو ليس / بشيء يعبأ به؛ فافهم.
(أَن) بفتح الهمزة (نساء) بالتنكير في أكثر الروايات، وفي رواية بالتعريف، والأول أعم، والمراد من التعريف: العهد، وهو نساء الصحابة ╢، أفاده إمام الشارحين (يدعون) بلفظ الجمع المؤنث، ويشترك في هذه المادة الجمع المذكر والمؤنث، وفي التقدير يختلف، فوزن الجمع المذكر: يفعون، ووزن الجمع المؤنث: يفعلن، أفاده في «عمدة القاري» (بالمصابيح) : جمع مِصباح_بكسر الميم_؛ وهو النور في الوعاء؛ والمعنى: يطلبن المصابيح (من جوف)؛ أي: وسط (الليل) أي: في جوفه، فـ (من) بمعنى في؛ لأنَّ حروف الجر يستعار بعضها لبعض (ينظرن) أي: بالمصابيح (إلى) ماء الكراسيف حتى يقفن على ما يدل على (الطهر) أي: من القطنة، وفي رواية الكشميهني: (يدعين)، زعم ابن حجر أن في نسبة هذا إليه نظر لا يخفى، وقال صاحب «القاموس»: (تكلم فيه) انتهى.
قلت: انظر إلى هذا الكلام المتناقض، ونظر هذا القائل مردود عليه، فإن توجيه هذه الرواية ممكن بأن يكون المراد كل فرد من أفراد النساء تدعى المصباح؛ لتنظر إلى الطهر، على أن أصل تدعين تدعون، كما هو مقرر في كتب التصريف؛ فافهم.
(فقالت) أي: أم سعد بنت زيد لهنَّ: (ما كان النساء) أي: الصحابيات (يضعن هذا) أي: طلب المصابيح؛ لينظرن إلى الطهر في جوف الليل، (وعابت) أي: أم سعد المذكورة (عليهنَّ) أي: على النساء المذكورة، وهذا يعين رواية التنكير، وأن المراد: الأعم؛ فافهم، قال إمام الشارحين: (وإنما عابت عليهن؛ لأنَّ ذلك يقتضي الحرج وهو مذموم، وكيف لا وجوف الليل ليس إلا وقت الاستراحة؟! أو لكون ذلك كان في غير وقت الصَّلاة، وهو جوف الليل) انتهى.
وزعم ابن حجر أن فيه نظر؛ لأنَّه وقت العشاء، ورده صاحب «عمدة القاري» إمام الشارحين، حيث قال: (قلت: فيه نظر؛ لأنَّه لم يدل شيء أنه كان وقت العشاء؛ لأنَّ طلب المصابيح لأمر غالبًا لا يكون إلا في شدة الظلمة، وهي لا تكون إلا في جوف الليل)، وروى البيهقي من حديث عباد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرة عن عائشة: (أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهنَّ ليلًا في الحيض، وتقول: إنها قد تكون الصفرة والكدرة)، وعن مالك: لا يعجبني ذلك، ولم يكن للناس مصابيح، وعنه: (أنهن كن لا يقمن بالليل) انتهى كلامه
قلت: ونظر ابن حجر غير وارد، وهو مردود عليه؛ لأنَّ المقصود من عيبها عليهن ليلًا؛ لوجود الظلمة التي تؤدي إلى اختلاف ألوان الدم وليس هو؛ لكون الوقت وقت العشاء، يدل لهذا حديث عائشة الذي ذكره إمام الشارحين، فإنه بيَّن فيه أن علة ذلك خوف عدم بيان الصفرة والكدرة، وكأن ابن حجر لم يطلع على حديث عائشة فقال ما قال؛ فافهم.
وفي «عمدة القاري»: (وقال صاحب «التوضيح»: يشبه أن تكون ابنة زيد عابت على النساء كان في أيام الصوم لينظرن الطهر لنية الصوم؛ لأنَّ الصَّلاة لا تحتاج لذلك؛ لأنَّ وجوبها عليهن إنَّما يكون بعد طلوع الفجر.
واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر، ولا تغتسل حتى يطلع الفجر؛ فقال الإمام الأعظم رأس المجتهدين ☺: إن كانت أيامها أقل من عشرة؛ صامت وقضت، وإن كانت عشرة؛ صامت ولم تقض، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم، ويجزئها صوم ذلك اليوم، وعن ابن الماجشون: يوم ذلك يوم فطر، وقال الأوزاعي: تصومه وتقضيه، وفي «القواعد» لابن رشد: اختلفوا في علامة الطهر؛ فقال قوم: إن علامته القصة أو الجفوف، وقال ابن حبيب: سواء كانت المرأة من عادتها أن تطهر بهذه أو بهذه، وفرق قوم فقالوا: إن كانت ممن لا تراها؛ فطهرها الجفوف، وقال ابن حبيب: الحيض أوله دم، ثم يصير صفرة، ثم تُربيَّة، ثم كدرة، ثم يكون ريقًا كالقصة؛ ثم ينقطع، فإذا انقطع قبل هذه المنازل وخفي أصلًا؛ فذلك إبراء الرحم، وفي «المنصف»: عن عطاء: الطهر الأبيض: الجفوف الذي ليس معه صفرة ولا ماء، الجفوف الأبيض، وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ☻: وسئلت عن الصفرة اليسيرة، فقالت: اعتزلن الصَّلاة ما رأين ذلك حتى لا ترين إلا لبنًا خالصًا) انتهى.
والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم، إنَّه تواب كريم.
[1] في الأصل: (تم)، وهو تصحيف.
[2] في الأصل: (الهاء)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (قلن) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (تسأله) ، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (الجفوق)، وهو تصحيف.
