نجاح القاري لصحيح البخاري

قول الله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم}

          ░1▒ (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وفي نسخة: <وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا}> ({كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}) أي: من مستلَّذاته ومن حلالاته. والحلالُ المأذون فيه ضدُّ الحرام الممنوع، والطَّيِّبُ في اللُّغة: الطَّاهر، والحلال يوصف بأنَّه طَيِّبٌ.
          والطِّيب في الأصل: ما يُسْتَلذُّ ويُستَطاب، ووُصِفَ به الطَّاهر والحلال على جهة التَّشبيه؛ لأنَّ الشَّرعَ زَجَرَ عنه، فالمراد بالطَّيِّب: أن لا يكون متعلق حق الغير، فإنَّ أكلَ الحرامِ وإن استطابه الآكل فمن حيثُ يؤدي إلى العقاب يصير مضراً، ولا يكون مستطاباً. وآخر الآية: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172].
          قال المفسِّرون: أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيِّبات ما رزقهم الله، وأن يشكروه على ذلك إن كانوا يعبدون إيَّاه، والأكل من الحلال سبب لتقبُّل الدُّعاء والعبادة، كما أنَّ الأكلَ من الحرام يمنع قبول الدُّعاء والعبادة.
          (وقوله) تعالى ({أَنْفِقُوامِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}) / أي: من جياد مكسوباتكُم، كذا في رواية أبي ذرٍّ، وهي موافقة للتِّلاوة، وفي أكثر الرِّوايات: <كلوا من طيبات ما كسبتم> وهي رواية النَّسَفِي أيضاً. وقال ابن بطَّال: وقع في النُّسخ: <كلوا من طيبات ما كسبتم> وهو وهم من الكاتب، وصوابه: {أَنْفِقُوا} كما في التَّنزيل، وأوَّل الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} وآخرها: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة:267].
          (وَقَوْلِهِ) تعالى ({كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}) وأوَّل الآية: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ} [المؤمنون:51] وليس النِّداء والخطاب على ظاهرهما؛ لأنَّهم أُرْسِلوا متفرِّقين في أزمنة مختلفة.
          وإنَّما المعنى الإعلام بأنَّ كلَّ رسول في زمانه نوديَ بذلك، ووصَّى به؛ ليعتقد السَّامع أنَّه أَمْرٌ نودي به جميع الرُّسل، وخُوطبوا به حقيق أن يُؤخذ به، ويعوَّل عليه، ويمكن أن يكون خطاباً لنبيِّنا محمد صلعم لفضله، وقيامه مقام الكلّ في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى ◙ لاتِّصال الآية بذكره، وكان يأكلُ من غزل أمه، كما قاله أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي ميسرة عَمرو بن شرحبيل، وهو أطيب الطَّيبات. وفي «الصَّحيح» أنَّ داود ◙ كان يأكلُ من عَمَلِ يده.
          ({وَاعْمَلُوا صَالِحاً}) موافقة للشَّريعة ({إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]) فيُجازيكم على أعمالكم.