-
المقدمة
- كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
كتاب الإيمان
-
كتاب العلم
-
كتاب الوضوء
-
كتاب الغسل
-
كتاب الحيض
-
كتاب التيمم
-
كتاب الصلاة
-
أبواب ستر العورة
-
أبواب استقبال القبلة وما يتبعها من آداب المساجد
-
أبواب سترة المصلي
-
كتاب مواقيت الصلاة
-
أبواب الأذان
-
أبواب الجماعة والإمامة
-
أبواب صفة الصلاة
-
كتاب الجمعة
-
أبواب صلاة الخوف
-
كتاب العيدين
-
أبواب الوتر
-
أبواب الاستسقاء
-
أبواب الكسوف
-
أبواب سجود القرآن
-
أبواب التقصير
-
باب التهجد
-
ابواب التطوع
-
باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
-
أبواب العمل في الصلاة
-
باب ما جاء في السهو
-
كتاب الجنائز
-
كتاب الزكاة
-
أبواب صدقة الفطر
-
كتاب الحج
-
أبواب العمرة
-
أبواب المحصر
-
كتاب جزاء الصيد
-
أبواب فضائل المدينة
-
كتاب الصوم
-
كتاب صلاة التراويح
-
أبواب الاعتكاف
-
كتاب البيوع
-
كتاب السلم
-
كتاب الشفعة
-
كتاب الإجارة
-
كتاب الحوالة
-
كتاب الكفالة
-
كتاب الوكالة
-
كتاب المزارعة
-
كتاب المساقاة
-
كتاب الاستقراض
-
باب ما يذكر في الاشخاص والخصومة
-
كتاب في اللقطة
-
كتاب المظالم
-
كتاب الشركة
-
كتاب الرهن
-
كتاب العتق
-
كتاب المكاتب
-
كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
-
كتاب الشهادات
-
كتاب الصلح
-
كتاب الشروط
-
كتاب الوصايا
-
كتاب الجهاد والسير
-
كتاب فرض الخمس
-
كتاب الجزية والموادعة
-
كتاب بدء الخلق
-
كتاب أحاديث الأنبياء
-
باب المناقب
-
باب فضائل الصحابة
-
كتاب مناقب الأنصار
-
كتاب المغازي
-
كتاب التفسير
-
كتاب فضائل القرآن
-
كتاب النكاح
-
كتاب الطلاق
-
كتاب النفقات
-
كتاب الأطعمة
-
كتاب العقيقة
-
كتاب الذبائح والصيد
-
كتاب الأضاحي
-
كتاب الأشربة
-
كتاب المرضى
-
كتاب الطب
-
كتاب اللباس
-
كتاب الأدب
-
باب بدء السلام
-
كتاب الدعوات
-
كتاب الرقاق
-
كتاب القدر
-
كتاب الأيمان والنذور
-
باب كفارات الأيمان
-
كتاب الفرائض
-
كتاب الحدود
-
كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة
-
كتاب الديات
-
كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم
-
كتاب الإكراه
-
كتاب الحيل
-
كتاب التعبير
-
كتاب الفتن
-
كتاب الأحكام
-
كتاب التمني
-
باب ما جاء في إجاز خبر الواحد
-
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
-
كتاب التوحيد
-
عدد احاديث الصحيح
-
خاتمة الكتاب
1- قوله (حدثنا الحميدي) هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى حميد ابن أسامة بطن من بني أسد بن عبد العزى بن قصي رهط خديجة زوج النبي صلعم يجتمع معها في أسد ويجتمع مع النبي صلعم في قصي وهو إمام كبير مصنف رافق الشافعي في الطلب عن ابن عيينة وطبقته وأخذ عنه الفقه ورحل معه إلى مصر ورجع بعد وفاته إلى مكة إلى أن مات بها سنة تسع عشرة ومئتين.
فكأن البخاري امتثل قوله صلعم «قدموا قريشًا» فافتتح كتابه بالرواية عن الحميدي لكونه أفقه قرشي أخذ عنه وله مناسبة أخرى لأنه مكي كشيخه فناسب أن يذكر في أول ترجمة بدء الوحي لأن ابتداءه كان بمكة ومن ثم ثنى بالرواية عن مالك لأنه شيخ أهل المدينة وهي تالية لمكة في نزول الوحي وفي جميع الفضل ومالك وابن عيينة قرينان قال الشافعي لولاهما لذهب العلم من الحجاز.
قوله (حدثنا سفيان) هو ابن عيينة بن أبي عمران الهلالي أبو محمد المكي أصله ومولده الكوفة / شارك مالكًا في كثير من شيوخه وعاش بعده عشرين سنةً وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين.
قوله (عن يحيى بن سعيد) في رواية غير أبي ذر حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري اسم جده قيس بن عمرو وهو صحابي ويحيى من صغار التابعين وشيخه محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي من أوساط التابعين وشيخ محمد علقمة ابن وقاص الليثي من كبارهم ففي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق وفي «المعرفة» لابن منده ما ظاهره أن علقمة صحابي فلو ثبت لكان فيه تابعيان وصحابيان وعلى رواية أبي ذر يكون قد اجتمع في هذا الإسناد أكثر الصيغ التي يستعملها المحدثون وهي التحديث والإخبار والسماع والعنعنة والله أعلم.
وقد اعترض على المصنف في إدخاله حديث الأعمال هذا في ترجمة بدء الوحي وأنه لا تعلق له به أصلًا بحيث إن الخطابي في «شرحه» والإسماعيلي في «مستخرجه» أخرجاه قبل الترجمة لاعتقادهما أنه إنما أورده للتبرك به فقط واستصوب أبو القاسم بن منده صنيع الإسماعيلي في ذلك وقال ابن رشيد لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف وقد تكلفت مناسبته للترجمة فقال كل بحسب ما ظهر له انتهى وقد قيل إنه أراد أن يقيمه مقام الخطبة للكتاب لأن في سياقه أن عمر قاله على المنبر بمحضر الصحابة فإذا صلح أن يكون في خطبة المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتاب.
وحكى المهلب أن النبي صلعم خطب به حين قدم المدينة مهاجرًا فناسب إيراده في بدء الوحي لأن الأحوال التي كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها لأن بالهجرة افتتح الإذن في قتال المشركين وتعقبه النصر والظفر والفتح انتهى وهذا وجه حسن إلا أنني لم أر ما ذكره _من كونه صلعم خطب به أول ما هاجر_ منقولًا وقد وقع في باب ترك الحيل بلفظ سمعت النبي صلعم يقول «يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية» الحديث ففي هذا إيماء إلى أنه كان في حال الخطبة أما كونه كان في ابتداء قدومه إلى المدينة فلم أر ما يدل عليه ولعل قائله استند إلى ما روي في قصة مهاجر أم قيس قال ابن دقيق العيد نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امرأةً تسمى أم قيس فلهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به انتهى وهذا لو صح لم يستلزم البداءة بذكره أول الهجرة النبوية.
وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور قال أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله _هو ابن مسعود_ قال من هاجر يبتغي شيئًا فإنما له ذلك هاجر رجل ليتزوج امرأةً يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ كان فينا رجل خطب امرأةً يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك.
وأيضًا فلو أراد البخاري إقامته مقام الخطبة فقط أو الابتداء به تيمنًا وترغيبًا في الإخلاص لكان ساقه قبل الترجمة كما قال الإسماعيلي وغيره.
ونقل ابن بطال عن أبي عبد الله بن الفخار قال التبويب يتعلق بالآية والحديث معًا لأن الله تعالى أوحى إلى الأنبياء ثم إلى محمد صلعم أن الأعمال بالنيات لقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وقال أبو العالية في قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى:13] قال وصاهم بالإخلاص في عبادته وعن أبي عبد الملك البوني قال مناسبة الحديث للترجمة أن بدء الوحي كان بالنية لأن الله تعالى فطر محمدًا / على التوحيد وبغض إليه الأوثان ووهب له أول أسباب النبوة _وهي الرؤيا الصالحة_ فلما رأى ذلك أخلص إلى الله في ذلك فكان يتعبد بغار حراء فقبل الله عمله وأتم له النعمة وقال المهلب ما محصله قصد البخاري الإخبار عن حال النبي صلعم في منشئه وأن الله بغض إليه الأوثان وحبب إليه خلال الخير ولزوم الوحدة فرارًا من قرناء السوء فلما التزم ذلك أعطاه الله على قدر نيته فوهب له النبوة كما يقال الفواتح عنوان الخواتم ولخصه بنحو من هذا القاضي أبو بكر بن العربي وقال ابن المنير في أول التراجم كانت مقدمة النبوة في حق النبي صلعم الهجرة إلى الله تعالى بالخلوة في غار حراء فناسب الافتتاح بحديث الهجرة ومن المناسبات البديعة الوجيزة ما تقدمت الإشارة إليه أن الكتاب لما كان موضوعًا لجمع وحي السنة صدره ببدء الوحي ولما كان الوحي لبيان الأعمال الشرعية صدره بحديث الأعمال.
ومع هذه المناسبات لا يليق الجزم بأنه لا تعلق له بالترجمة أصلًا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث قال أبو عبيد ليس في أخبار النبي صلعم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدةً من هذا الحديث واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي _فيما نقله البويطي عنه_ وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والدارقطني وحمزة الكناني على أنه ثلث العلم ومنهم من قال ربعه واختلفوا في تعيين الباقي وقال ابن مهدي أيضًا يدخل في ثلاثين بابًا من العلم وقال الشافعي يدخل في سبعين بابًا _ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة_ وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب ووجه البيهقي كونه ثلث الإسلام بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون عبادةً مستقلةً وغيرها يحتاج إليها ومن ثم ورد «نية المؤمن خير من عمله» وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده وهي هذا و«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» و«الحلال بين والحرام بين» الحديث.
ثم إن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون إلا «الموطأ» ووهم من زعم أنه في «الموطأ» مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك وقال أبو جعفر الطبري في «تهذيبه» قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا لكونه فردًا لأنه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد وهو كما قال فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرد به من فوقه وبذلك جزم الترمذي والنسائي والبزار وابن السكن وحمزة بن محمد الكناني وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في ذلك وهو كما قال لكن بقيدين:
أحدهما الصحة لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وأبو القاسم ابن منده وغيرهما.
ثانيهما السياق لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية كحديث عائشة وأم سلمة عند مسلم «يبعثون على نياتهم» وحديث ابن عباس «ولكن جهاد ونية» وحديث أبي موسى «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» متفق عليهما وحديث ابن مسعود «رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته» أخرجه أحمد وحديث عبادة «من غزا وهو لا ينوي إلا عقالًا فله ما نوى» أخرجه النسائي إلى غير ذلك مما يتعسر حصره.
وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر إلا إن حمل على / التواتر المعنوي فيحتمل نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد فحكى محمد بن علي الحافظ أنه رواه عن يحيى مئتان وخمسون نفسًا وسرد أسماءهم أبو القاسم ابن منده فجاوز الثلاثمئة وروى أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرةً عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي قال كتبته من حديث سبعمئة من أصحاب يحيى قلت وأنا أستبعد صحة هذا فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة وقد تتبعت طرق غيره فزادت على ما نقل عمن تقدم كما سيأتي مثال لذلك في الكلام على حديث ابن عمر في غسل الجمعة إن شاء الله تعالى.
قوله (على المنبر) بكسر الميم واللام للعهد أي منبر المسجد النبوي ووقع في رواية حماد بن زيد عن يحيى في ترك الحيل «سمعت عمر يخطب».
قوله (إنما الأعمال بالنيات) كذا ورد هنا وهو من مقابلة الجميع بالجميع أي كل عمل بنيته وقال الجويني كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الاتقاء لوعيده ووقع في معظم الروايات بإفراد النية ووجهه أن محل النية القلب _وهو متحد_ فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر _وهي متعددة_ فناسب جمعها ولأن النية ترجع إلى الإخلاص _وهو واحد_ للواحد الذي لا شريك له ووقع في «صحيح ابن حبان» بلفظ «الأعمال بالنيات» _بحذف «إنما» وجمع «الأعمال» و«النيات»_ وهي ما وقع في كتاب «الشهاب» للقضاعي ووصله في «مسنده» كذلك وأنكره أبو موسى المديني _كما نقله النووي وأقره_ وهو متعقب برواية ابن حبان بل وقع في رواية مالك عن يحيى عند البخاري في كتاب الإيمان بلفظ «الأعمال بالنية» وكذا في العتق من رواية الثوري وفي الهجرة من رواية حماد بن زيد ووقع عنده في النكاح بلفظ «العمل بالنية» بإفراد كل منهما
والنية بكسر النون وتشديد التحتانية على المشهور وفي بعض اللغات بتخفيفها.
قال الكرماني قوله (إنما الأعمال بالنيات) هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين واختلف في وجه إفادته فقيل لأن «الأعمال» جمع محلى بالألف واللام مفيد للاستغراق وهو مستلزم للقصر لأن معناه كل عمل بنية فلا عمل إلا بنية وقيل لأن «إنما» للحصر وهل إفادتها له بالمنطوق أو بالمفهوم أو تفيد الحصر بالوضع أو العرف أو تفيده بالحقيقة أو بالمجاز انتهى ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيا بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير كالآمدي وعلى العكس من ذلك أهل العربية واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن إنما قام زيد في جواب هل قام عمرو وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب ما قام إلا زيد وهي للحصر اتفاقًا وقيل لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد مع ما قام إلا زيد ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفي الحصر فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع كسوف والسين.
وقد وقع استعمال «إنما» موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور:16] وقوله {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الصافات:39] وقوله {إِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن:12] وقوله {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ} [المائدة:99] ومن شواهده قول الأعشى
ولست بالأكثر منهم حصًى وإنما العزة للكاثر /
يعني ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصًى.
واختلفوا هل هي بسيطة أو مركبة فرجحوا الأول وقد يرجح الثاني ويجاب عما أورد عليه من قولهم إن «إن» للإثبات و«ما» للنفي فيستلزم اجتماع المتضادين على صدر واحد بأن يقال مثلًا أصلهما كان للإثبات والنفي لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما بل أفادا شيئًا آخر أشار إلى ذلك الكرماني قال وأما قول من قال إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدًا بعد تأكيد _وهو المستفاد من «إنما» ومن الجمع_ فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس لأن قائله لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر وقال ابن دقيق العيد استدل على إفادة «إنما» للحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث «إنما الربا في النسيئة» وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم ولم يخالفوه في فهمه فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر وتعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلًا وأما من قال يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله «لا ربا إلا في النسيئة» لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه وأوضح من ذلك حديث «إنما الماء من الماء» فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهمهم الحصر منه وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى كحديث «إذا التقى الختانان» وقال ابن عطية «إنما» لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه فجعل وروده للحصر مجازًا يحتاج إلى قرينة وكلام غيره على العكس من ذلك وأن أصل ورودها للحصر لكن قد يكون في شيء مخصوص كقوله تعالى {إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ} [النساء:171] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية وإلا فلله سبحانه وتعالى صفات أخرى كالعلم والقدرة وكقوله تعالى {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ} [الرعد:7] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة وإلا فله صلعم صفات أخرى كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة وهي _فيما يقال_ السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقًا.
تكميل الأعمال تقتضي عاملين والتقدير الأعمال الصادرة من المكلفين وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار الظاهر الإخراج لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر وإن كان مخاطبًا بها معاقبًا على تركها ولا يرد العتق والصدقة لأنهما بدليل آخر.
قوله (بالنيات) الباء للمصاحبة ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل فكأنها سبب في إيجاده وعلى الأول فهي من نفس العمل فيشترط ألا تتخلف عن أوله.
قال النووي النية القصد وهو عزيمة القلب وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد.
واختلف الفقهاء هل هي ركن أو شرط والمرجح أن إيجادها ذكرًا في أول العمل ركن واستصحابها حكمًا _بمعنى ألا يأتي بمناف_ شرط.
ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور فقيل تعتبر وقيل تكمل وقيل تصح وقيل تحصل وقيل تستقر قال الطيبي كلام الشارع محمول على بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي وقال البيضاوي النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا أو مآلًا والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل والحديث متروك / الظاهر لأن الذوات غير منتفية إذ التقدير لا عمل إلا بالنية فليس المراد نفي ذات العمل _لأنه قد يوجد بغير نية_ بل المراد نفي أحكامها كالصحة والكمال لكن الحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتبع فلما منع الدليل نفي الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرةً وقال شيخنا شيخ الإسلام الأحسن تقدير ما يقتضي أن الأعمال تتبع النية لقوله في الحديث «فمن كانت هجرته» إلى آخره وعلى هذا يقدر المحذوف كونًا مطلقًا من اسم فاعل أو فعل.
ثم لفظ العمل يتناول فعل الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال قال ابن دقيق العيد وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد ولا تردد عندي في أن الحديث يتناولها.
وأما التروك فهي وإن كانت فعل كف لكن لا يطلق عليها لفظ العمل.
وقد تعقب على من سمى القول عملًا _لكونه عمل اللسان_ بأن من حلف لا يعمل عملًا فقال قولًا لا يحنث وأجيب بأن مرجع اليمين إلى العرف والقول لا يسمى عملًا في العرف ولهذا يعطف عليه والتحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقةً ويدخل مجازًا وكذا الفعل لقوله تعالى {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} بعد قوله {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} [الأنعام:112] .
وأما عمل القلب فالنية _ولا يتناولها الحديث لئلا يلزم التسلسل_ والمعرفة وفي تناولها نظر قال بعضهم هو محال لأن النية قصد المنوي وإنما يقصد المرء ما يعرف فيلزم أن يكون عارفًا قبل المعرفة وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني بما حاصله إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلم وإن كان المراد النظر في الدليل فلا لأن كل ذي عقل يشعر مثلًا بأن له من يدبره فإذا أخذ في النظر في الدليل عليه ليتحققه لم تكن النية حينئذ محالًا.
وقال ابن دقيق العيد الذين اشترطوا النية قدروه صحة الأعمال والذين لم يشترطوها قدروه كمال الأعمال ورجح الأول بأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال فالحمل عليها أولى وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى باشتراط النية وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية لها ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها للوضوء وخالف الأوزاعي في اشتراطها في التيمم أيضًا نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل كما هو معروف في مبسوطات الفقه.
تكميل الظاهر أن الألف واللام في «النيات» معاقبة للضمير والتقدير الأعمال بنياتها وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلًا صلاةً أو غيرها ومن كونها فرضًا أو نفلًا ظهرًا مثلًا أو عصرًا مقصورةً أو غير مقصورة وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد فيه بحث والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين كالمسافر مثلًا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر والله أعلم.
قوله (وإنما لكل امرئ ما نوى) قال القرطبي فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال فجنح إلى أنها مؤكدة وقال غيره بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها فيترتب الحكم على ذلك والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه وقال ابن دقيق العيد الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له _يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما يعذر شرعًا بعدم عمله_ وكل ما لم ينوه لم يحصل له ومراده بقوله «ما لم ينوه» أي لا خصوصًا ولا عمومًا أما إذا لم ينو شيئًا مخصوصًا لكن كانت هناك نية عامة تشمله فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى وقد يحصل / غير المنوي لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها لأن القصد بالتحية شغل البقعة بالصلاة وقد حصل وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظف فلا بد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد والله أعلم وقال النووي أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها ظهرًا مثلًا أو عصرًا ولا يخفى أن محله ما إذا لم تنحصر الفائتة وقال ابن السمعاني في «أماليه» أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة وقال غيره أفادت أن النيابة لا تدخل في النية فإن ذلك هو الأصل فلا يرد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره فإنها على خلاف الأصل وقال ابن عبد السلام الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال والثانية لبيان ما يترتب عليها وأفاد أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأدعية والتلاوة لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع أما ما حدث فيه عرف _كالتسبيح للتعجب_ فلا ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابًا ومن ثم قال الغزالي حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يحصل الثواب لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة بل هو خير من السكوت مطلقًا _أي المجرد عن التفكر_ قال وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب انتهى ويؤيده قوله صلعم «في بضع أحدكم صدقة» ثم قال في الجواب عن قولهم أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر «أرأيت لو وضعها في حرام» وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل المباح لأنه خير من فعل الحرام وليس ذلك مراده.
وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه كتحية المسجد _كما تقدم_ وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة فإن عدتها تنقضي لأن المقصود حصول براءة الرحم وقد وجدت ومن ثم لم تحتج التروك إلى نية.
ونازع الكرماني في إطلاق الشيخ محيي الدين كون التروك لا تحتاج إلى نية بأن الترك فعل _وهو كف النفس_ وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلا بد فيها من قصد الترك وتعقب بأن قوله «الترك فعل» مختلف فيه ومن حق المستدل على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المورد لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العصيان بتركها والذي أورده هل يحصل الثواب بدونها والتفاوت بين المقامين ظاهر والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس فمن لم تخطر المعصية بباله أصلًا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفًا من الله فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه لا الترك المجرد والله أعلم.
تنبيه قال الكرماني إذا قلنا إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر ففي قوله (وإنما لكل امرئ ما نوى) نوعان من الحصر قصر المسند على المسند إليه _إذ المراد إنما لعمل كل امرئ ما نواه_ والتقديم المذكور.
قوله (فمن كانت هجرته إلى دنيا) كذا وقع في جميع الأصول التي اتصلت لنا عن البخاري بحذف أحد وجهي التقسيم وهو قوله «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» إلى آخره قال الخطابي وقع هذا الحديث في / روايتنا وجميع نسخ أصحابنا مخرومًا قد ذهب شطره ولست أدري كيف وقع هذا الإغفال ومن جهة من عرض من رواته فقد ذكره البخاري من غير طريق الحميدي مستوفًى وقد رواه لنا الأثبات من طريق الحميدي تاما ونقل ابن التين كلام الخطابي مختصرًا وفهم من قوله «مخرومًا» أنه يريد أن في السند انقطاعًا فقال من قبل نفسه لأن البخاري لم يلق الحميدي وهو مما يتعجب من إطلاقه مع قول البخاري «حدثنا الحميدي» وتكرار ذلك منه في هذا الكتاب وجزم كل من ترجمه بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث وقال ابن العربي في «مشيخته» لا عذر للبخاري في إسقاطه لأن الحميدي شيخه فيه قد رواه في «مسنده» على التمام قال وذكر قوم أنه لعله استملاه من حفظ الحميدي فحدثه هكذا فحدث عنه كما سمع أو حدثه به تاما فسقط من حفظ البخاري قال وهو أمر مستبعد جدا عند من اطلع على أحوال القوم وقال الداودي الشارح الإسقاط فيه من البخاري فوجوده في رواية شيخه وشيخ شيخه يدل على ذلك انتهى وقد رويناه من طريق بشر بن موسى وأبي إسماعيل الترمذي وغير واحد عن الحميدي تاما وهو في «مصنف قاسم بن أصبغ» ومستخرجي أبي نعيم على الصحيحين و«صحيح أبي عوانة» من طريق الحميدي فإن كان الإسقاط من غير البخاري فقد يقال لم اختار الابتداء بهذا السياق الناقص والجواب قد تقدمت الإشارة إليه وأنه اختار الحميدي لكونه أجل مشايخه المكيين إلى آخر ما تقدم في ذلك من المناسبة وإن كان الإسقاط منه فالجواب ما قاله أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على البخاري إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدرًا يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف فكأنه ابتدأ كتابه بنية رد علمها إلى الله فإن علم منه أنه أراد الدنيا أو عرض إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته ونكب عن أحد وجهي التقسيم مجانبةً للتزكية التي لا يناسبه ذكرها في ذلك المقام انتهى ملخصًا وحاصله أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة والجملة المبقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة أو لا فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث حذف الجملة المشعرة بالقربة المحضة فرارًا من التزكية وبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضًا للأمر إلى ربه المطلع على سريرته المجازي له بمقتضى نيته.
ولما كانت عادة المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم في مذاهبهم واختياراتهم وكان من رأي المصنف جواز اختصار الحديث والرواية بالمعنى والتدقيق في الاستنباط وإيثار الأغمض على الأجلى وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره استعمل جميع ذلك في هذا الموضع بعبارة هذا الحديث متنًا وإسنادًا.
وقد وقع في رواية حماد بن زيد في باب الهجرة تأخر قوله (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) عن قوله (فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها) فيحتمل أن تكون رواية الحميدي وقعت عند البخاري كذلك فتكون الجملة المحذوفة هي الأخيرة _كما جرت به عادة من يقتصر على بعض الحديث_ وعلى تقدير أن لا يكون ذلك فهو مصير من البخاري إلى جواز الاختصار من الحديث _ولو من أثنائه_ وهذا هو الراجح والله أعلم.
وقال الكرماني في غير هذا الموضع إن كان الحديث عند البخاري تاما لم خرمه في صدر الكتاب مع أن الخرم مختلف في جوازه قلت لا جزم بالخرم لأن المقامات مختلفة فلعله في مقام بيان أن الإيمان بالنية واعتقاد القلب سمع الحديث تاما وفي مقام أن الشروع في / الأعمال إنما يصح بالنية سمع ذلك القدر الذي روى ثم الخرم يحتمل أن يكون من بعض شيوخ البخاري لا منه ثم إن كان منه فخرمه ثم لأن المقصود يتم بذلك المقدار فإن قلت فكان المناسب أن يذكر عند الخرم الشق الذي يتعلق بمقصوده وهو أن النية ينبغي أن تكون لله ورسوله قلت لعله نظر إلى ما هو الغالب الكثير بين الناس انتهى وهو كلام من لم يطلع على شيء من أقوال من قدمت ذكره من الأئمة على هذا الحديث ولا سيما كلام ابن العربي.
وقال في موضع آخر إن إيراد الحديث تاما تارةً وغير تام تارةً إنما هو من اختلاف الرواة فكل منهم قد روى ما سمعه فلا خرم من أحد ولكن البخاري يذكرها في المواضع التي يناسب كلا منها بحسب الباب الذي يضعه ترجمةً له انتهى وكأنه لم يطلع على حديث أخرجه البخاري بسند واحد من ابتدائه إلى انتهائه فساقه في موضع تاما وفي موضع مقتصرًا على بعضه وهو كثير جدا في «الجامع الصحيح» ولا يرتاب من يكون الحديث صناعته أن ذلك من تصرفه لأنه عرف بالاستقراء من صنيعه أنه لا يذكر الحديث الواحد في موضعين على وجهه بل إن كان له أكثر من سند على شرطه ذكره في الموضع الثاني بالسند الثاني وهكذا ما بعده وما لم يكن على شرطه يعلقه في الموضع الآخر تارةً بالجزم إن كان صحيحًا وتارةً بغيره إن كان فيه شيء وما ليس له إلا سند واحد يتصرف في متنه بالاقتصار على بعضه بحسب ما يتفق ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندًا ومتنًا في موضعين أو أكثر إلا نادرًا وقد عني بعض من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعًا.
قوله (هجرته) الهجرة الترك والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه وقد وقعت في الإسلام على وجهين:
الأول الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر صلعم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيًا.
فإن قيل الأصل تغاير الشرط والجزاء فلا يقال مثلًا من أطاع أطاع وإنما يقال مثلًا من أطاع نجا وقد وقعا في هذا الحديث متحدين فالجواب أن التغاير يقع تارةً باللفظ _وهو الأكثر_ وتارةً بالمعنى ويفهم ذلك من السياق ومن أمثلته قوله تعالى {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا} [الفرقان:71] وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم أنت أنت أي الصديق الخالص وقولهم هم هم أي الذين لا يقدر قدرهم وقول الشاعر من الرجز
أنا أبو النجم وشعري شعري
أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب وقال ابن مالك قد يقصد بالخبر المفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظًا كقول الشاعر من الطويل
خليلي خليلي دون ريب وربما ألان امرؤ قولًا فظن خليلا
أي خليلي من لا أشك في خلته قال وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك من قصدني فقد قصدني أي فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده وقال غيره إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر أوالشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم وإما في التحقير.
قوله (إلى دنيا) بضم الدال وحكى ابن قتيبة كسرها وهي فعلى من الدنو أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى وقيل سميت دنيا لدنوها إلى الزوال.
واختلف في حقيقتها فقيل ما على الأرض من الهواء والجو وقيل كل المخلوقات من الجواهر والأعراض والأول أولى لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة / ويطلق على كل جزء منها مجازًا.
ثم إن دنيا لفظها مقصور غير منون وحكي تنوينها وعزاه ابن دحية إلى رواية أبي الهيثم الكشميهني وضعفها وحكى عن ابن مفوز أن أبا ذر الهروي في آخر أمره كان يحذف كثيرًا من رواية أبي الهيثم حيث ينفرد لأنه لم يكن من أهل العلم وهذا ليس على إطلاقه فإن في رواية أبي الهيثم مواضع كثيرةً أصوب من رواية غيره كما سيأتي مبينًا في مواضعه.
وقال التيمي في «شرحه» قوله (دنيا) هو تأنيث الأدنى ليس بمصروف لاجتماع الوصفية ولزوم حرف التأنيث وتعقب بأن لزوم التأنيث للألف المقصورة كاف في عدم الصرف وأما الوصفية فقال ابن مالك استعمال دنيا منكرًا فيه إشكال لأنها أفعل التفضيل فكان من حقها أن تستعمل باللام كالكبرى والحسنى قال إلا أنها خلعت عنها الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفًا قط ومثله قول الشاعر من البسيط
وإن دعوت إلى جلى ومكرمة يومًا سراة كرام الناس فادعينا
وقال الكرماني قوله (إلى) يتعلق بالهجرة إن كان لفظ (كانت) تامةً أو هو خبر لـ (كانت) إن كانت ناقصةً.
ثم أورد ما محصله أن لفظ «كان» للأمر الماضي فلا يعلم ما الحكم بعد صدور هذا القول في ذلك وأجاب بأنه يجوز أن يراد بلفظ «كان» الوجود من غير تقييد بزمان أو يقاس المستقبل على الماضي أو من جهة أن حكم المكلفين سواء.
قوله (يصيبها) أي يحصلها لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود.
قوله (أو امرأة) قيل التنصيص عليها من الخاص بعد العام للاهتمام به وتعقبه النووي بأن لفظ (دنيا) نكرة وهي لا تعم في الإثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها وتعقب بكونها في سياق الشرط فتعم ونكتة الاهتمام الزيادة في التحذير لأن الافتتان بها أشد _وقد تقدم النقل عمن حكى أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس ولم نقف على تسميته ونقل ابن دحية أن اسمها قيلة بقاف مفتوحة ثم تحتانية ساكنة_ وحكى ابن بطال عن ابن سراج أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون المولى العربية ويراعون الكفاءة في النسب فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها من كان لا يصل قبل ذلك إليها انتهى ويحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان مولًى وكانت المرأة عربيةً وليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه بل قد زوج خلق كثير منهم جماعةً من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع.
قوله (فهجرته إلى ما هاجر إليه) يحتمل أن يكون ذكره بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها وإنما أبرز الضمير في الجملة التي قبلها _وهي المحذوفة_ لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما بخلاف الدنيا والمرأة فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنهما.
وقال الكرماني يحتمل أن يكون قوله (إلى ما هاجر إليه) متعلقًا بالهجرة فيكون الخبر محذوفًا والتقدير قبيحة أو غير صحيحة مثلًا ويحتمل أن يكون خبر (فهجرته) والجملة خبر المبتدأ الذي هو (من كانت) انتهى وهذا الثاني هو الراجح لأن الأول يقتضي أن تلك الهجرة مذمومة مطلقًا وليس كذلك إلا إن حمل على تقدير شيء يقتضي التردد أو القصور عن الهجرة الخالصة كمن ينوي بهجرته مفارقة دار الكفر وتزوج المرأة معًا فلا تكون قبيحةً ولا غير صحيحة بل هي ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصةً وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب / المرأة بصورة الهجرة الخالصة فأما من طلبها مضمومةً إلى الهجرة فإنه يثاب على قصد الهجرة لكن دون ثواب من أخلص وكذا من طلب التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله لأنه من الأمر المباح الذي قد يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف ومن أمثلة ذلك ما وقع في قصة إسلام أبي طلحة فيما رواه النسائي عن أنس قال تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت إني قد أسلمت فإن أسلمت تزوجتك فأسلم فتزوجته وهو محمول على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجهه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية أو بطوافه العبادة وملازمة الغريم واختار الغزالي فيما يتعلق بالثواب أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر أو الديني أجر بقدره وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين فلا أجر وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء فإن كان في ابتدائه لله خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره والله أعلم.
واستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم لأن فيه أن العمل يكون منتفيًا إذا خلا عن النية ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة حكمه.
وعلى أن الغافل لا تكليف عليه لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود والغافل غير قاصد.
وعلى أن من صام تطوعًا بنية قبل الزوال ألا يحسب له إلا من وقت النية _وهو مقتضى الحديث_ لكن تمسك من قال بانعطافها بدليل آخر ونظيره حديث «من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها» أي أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.
وعلى أن الواحد الثقة إذا كان في مجلس جماعة ثم ذكر عن ذلك المجلس شيئًا لا يمكن غفلتهم عنه ولم يذكره غيره أن ذلك لا يقدح في صدقه خلافًا لمن أعل بذلك لأن علقمة ذكر أن عمر خطب به على المنبر ثم لم يصح من جهة أحد عنه غير علقمة.
واستدل بمفهومه على أن ما ليس بعمل لا تشترط النية فيه ومن أمثلة ذلك جمع التقديم فإن الراجح من حيث النظر أنه لا يشترط له نية بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام وقال الجمع ليس بعمل وإنما العمل الصلاة ويقوي ذلك أنه عليه الصلاة والسلام جمع في غزوة تبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين خلفه ولو كان شرطًا لأعلمهم به.
واستدل به على أن العمل إذا كان مضافًا إلى سبب ويجمع متعدده جنس أن نية الجنس تكفي كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره لأن معنى الحديث أن الأعمال بنياتها والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب وعلى هذا لو كانت عليه كفارة وشك في سببها أجزأه إخراجها بغير تعيين.
وفيه زيادة النص على السبب لأن الحديث سيق في قصة المهاجر لتزويج المرأة فذكرت الدنيا مع القصة زيادةً في التحذير والتنفير.
وقال شيخنا شيخ الإسلام فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصا فيستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وسيأتي ذكر كثير من فوائد هذا الحديث في كتاب الإيمان حيث قال المصنف في الترجمة فدخل فيه العبادات والأحكام إن شاء الله تعالى وبه التوفيق. /
