نجاح القاري لصحيح البخاري

حديث: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة

          5- (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المِنقَري _بكسر الميم وإسكان النون وفتح القاف_ نسبة إلى مِنقَر بن عبيد بن مقاعس البصري الحافظ الكبير المكثر الثَّبت الثقة التَّبُوْذكي _بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة ثم واو ساكنة ثم ذال معجمة_ نسبة إلى تبوذَك، نُسِب إليه؛ لأنَّه نزل دار قوم من أهل تبوذَك، قاله ابن أبي خَيثمة. وقال أبو حاتم: لأنَّه اشترى داراً بتبوذَك.
          وقال السَّمعاني: نسبة إلى بيع السَّماد _بفتح السين المهملة، وهو السِّرجين يُوضع في الأرض؛ ليجود نباته_ . وقال ابن ناصر: نسبة إلى بيع ما في بطون الدَّجاجة من الكبد والقلب.
          روى عنه: يحيى بن معين والبخاري وأبو داود وغيرهم من الأعلام. وروى له مسلم والترمذي عن رجل عنه. والَّذي رواه مسلم حديث واحد حديث أمِّ زرع، رواه عن الحسن الحلواني، عنه.
          قال الداودي: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. رُوي عن محمد بن سليمان قال: قدِم علينا ابن معين بالبصرة، فكتب عن التَّبوذَكي فقال: يا أبا سلمة أريد أن أذكر لك شيئاً فلا تغضب.
          قال: حديث همَّام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر ☻ في الغار لم يروه أحد من أصحابك إنَّما رواه عفَّان، ولم أجدْه في صدر كتابك إنما وجدته على ظهره، قال: تحلِفُ لي أنك سمعته من همَّام؟ فقال: ذكرت أنك كتبت عني عشرين ألف حديث، فإن كنتُ عندك فيها صادقاً ينبغي ألا تكذِّبني في حديث، وإن كنت عندك كاذباً في حديث فلا ينبغي أن تصدِّقني فيها، وترمي بها، بنت أبي عاصم طالق ثلاثاً إن لم أكن سمعته من همَّام، والله لا أكلمك أبداً. توفي بالبصرة / في رجب سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
          (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح المهملة والنون، اسمه الوضَّاح بن عبد الله اليشكُري _بضم الكاف_، ويقال: الكندي الواسطي، مولى يزيد بن عطاء البزار الواسطي.
          وقيل: مولى عطاء بن عبد الله الواسطي كان من سَبْي جُرجان، روى أحمد بن محمد ابن أبان، قال: سمعت أبي يقول: اشترى عطاء بن يزيد أبا عَوانة؛ ليكون مع ابنه يزيد، وكان عطاء يكتب الحديث، وأبو عَوانة يحمل كتبه والمحبرة، وكان لأبي عَوانة صديق قاض، وكان أبو عَوانة يُحسن إليه، فقال القاضي: لا أدري بم أكافئه، فكان بعد ذلك لا يجلس إلا قال لمن حضره ادع الله لعطاء البزار، فإنه أعتق أبا عوانة، وقلَّ مجلس إلا ذهب إلى عطاء من يَشكُرُه، فلمَّا كثر عليه ذلك أعتقه.
          وأبو عَوانة هذا رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من: محمد بن المنكدر حديثاً واحداً، وسمع خلقاً من التابعين وأتباعهم. وروى عنه: الأعلام منهم شعبة ووكيع وابن مهدي. قال عفان: كان صحيح الكتاب ثبتاً. وقال ابن أبي حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدَّث من حفظه غلط كثيراً، وهو صدوق، مات سنة ست أو خمس وسبعين ومائة.
          (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) هو أبو الحسن الكوفي الهمْداني _بسكون الميم_ وإهمال الدال مولى أبي جعدة _بفتح الجيم_ ابن أبي هُبيرة _بضم الهاء_ روى عن: كثير من التابعين، وعنه: الأعلام الثوري وغيره، ووثقه السفيانان ويحيى والبخاري وابن حبان، وأبو عائشة لا يعرف اسمه (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن هشام الكوفي الأسدي الوالِبِي _بكسر اللام والباء الموحدة_ منسوب إلى بني والِبة، ووالِبة هو ابن الحارث بن ثعلبة، وسعيد هذا هو إمام مجمع على جلالته وعلوِّه في العلوم، وعِظَمه في العبادة، قتله الحجاج صَبْراً في شعبان سنة خمس وتسعين بواسط، وله تسع وأربعون سنة، ودفن في ظاهرها، وقبره يزار بها، ولم يعش الحجَّاج بعده إلا أياماً، ولم يقتل أحداً بعده. قال خلف بن خليفة: حدثنا بوَّاب الحجَّاج، قال: رأيتُ رأسَ سعيدٍ بعدما سقطَ إلى الأرض يقول: لا إله إلا الله.
          وقال خلف عن رجل: أنَّه لمَّا سقط رأسُ سعيد هلَّل ثلاث مرَّات، يُفصح بها. وجرى لسعيد في قصة قتله من الصَّبر، وانشراح الصَّدر لقضاء الله، وإغلاظ القول للحجَّاج ما هو مشهورٌ لائق به. روي أنَّه دخل على / الحجاج فقال له الحجاج: صِفني، فقال: أنت والله قاسط عادل، فاستغرب الحاضرون من وصفه بالقسط والعدل، فقال الحجاج: ما وصفني إلا بالجور والكفر، قال الله تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن:15]، وقال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1]. قال أحمد بن حنبل: قتله الحجاج وما على وجه الأرض أحدٌ إلَّا وهو مفتقِرٌ إلى علمه.
          ويقال: إنَّ الحجاج لمَّا حضرته الوفاة كان يغوص، ثمَّ يفيق ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟.
          وقيل: إنه في مدَّة مرضه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير آخذاً بمجامع ثوبه يقول: يا عدوَّ الله فيم قتلتني، فيتيقَّظ مذعوراً، ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟.
          وكان سعيد سمعَ خلقاً من الصَّحابة منهم العبادلة غير ابن عمر. وعنه: خلق من التابعين منهم الزهري. وكان يقال له: جِهبذ العلماء فهو من كبار التابعين، وكان له ديك يقوم من اللَّيل بصياحه، فلم يَصِحْ ليلة حتى أصبح، فلم يصلِّ سعيد تلك اللَّيلة، فشقَّ عليه ذلك، فقال له: قطعَ الله صوته، فما سُمع له صوت بعد.
          وسأل رجلٌ ابنَ عمر عن فريضة فقال: سل عنها سعيدَ بن جبير. وكان ابن عباس ☻ إذا أتى أهل الكوفة إليه يسألونه يقول: أليسَ فيكم سعيد، قال سعيد: قرأتُ القرآن في ركعة في البيت الحرام.
          (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ☻ ، هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلعم ، وأمُّه أم الفضل لُبَانة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين ♦ يقال له: الحبر، والبحر؛ لكثرة علمه، وهو والد الخلفاء، وهو أحد العبادلة، وهم أربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص ♥ .
          وأما قول الجوهري في ((الصّحاح)): بدل ابن العاص ابن مسعود؛ فمردود عليه؛ لأنه مخالف لِمَا قاله الأعلام من المحدثين كالإمام أحمد وغيره، وهم أهل هذا، والمرجِع فيه إليهم، وقد دعا له رسول الله صلعم فقال: ((اللهم علِّمه الكتاب))، وفي رواية: ((اللهم فقهه في الدين)).
          وقال ابن مسعود ☺: نِعمَ تَرجمان القرآن ابن عباس. وتعظيم عمر بن الخطاب ☺ له، وتقديمه على الصغار والكبار معروف.
          ومن مناقبه: أنَّ رسول الله صلعم حنَّكه بريقه.
          وقال أحمد: ستة من الصحابة / أكثروا الرواية عن رسول الله صلعم وهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس ♥ ، وأبو هريرة أكثرهم حديثاً، وليس أحد من الصحابة يروى عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس ☻ ، روي له عن رسول الله صلعم ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثاً، اتفقا منها على خمسة وتسعين حديثاً، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين.
          قال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربعة عشر إلا ذكرت ابن عباس من حُسنه. وقد عَمي في آخر عمره، وكذا أبوه العباس، وجده عبد المطلب، وكان لموضع الدمع من خدِّ ابن عباس أثر؛ لكثرة بكائه ☺، وقد ولد بالشِّعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي صلعم ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة على المشهور، وقد توفي بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وسبعين على الصَّحيح في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد ابن الحنفيَّة، وقال: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة.
          وعن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس ☻ ، فلمَّا وُضع ليُصلَّى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل فيه، فالتمس فلم يُوجَد، فلمَّا سوِّيَ عليه التراب سمعنا صوتاً: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر:27-28] الآية.
          ومن لطائف إسناده: أنَّه كلُّه على شرط الستة، ومنها أنَّ رواته ما بين مكي وكوفي وبصري وواسطي. ومنها: أن كلَّهم من الأفراد لا يعلم من شاركهم في اسمهم مع اسم أبيهم. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهما: موسى بن أبي عائشة، وسعيد بن جبير.
          وقد أخرج متنه المؤلِّف في ((التفسير)) [خ¦4929] و ((فضائل القرآن)) [خ¦5044] أيضاً، وأخرجه مسلم في ((الصلاة))، وأخرجه الترمذي أيضاً.
          (فِي) تفسير (قَوْلِهِ تَعَالَى) وفي رواية: <╡> ({لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة:16] قَالَ) أي: ابن عباس ☺ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلعم يُعَالِجُ) أي: يحاول، وقيل: أي: يحاول بمشقَّة (مِنَ التَّنْزِيلِ) أي: من تنزيل القرآن عليه (شِدَّةً) بالنصب على أنَّه مفعول يُعالِج، وإنما كان يُعالِج شدَّة؛ لعِظم ما يلاقيه من الملك، وثِقَلِ التنزيل عليه، ويُستفاد من هذا التركيب بحسب العرف الاستمرار والدوام.
          (وَكَانَ) صلعم (مِمَّا يُحَرِّكُ) وزيدَ في بعض الأصول قوله: <به> (شَفَتَيْهِ) بالتثنية اختلفوا في معناه: فقال القاضي عياض: معناه كثيراً ما كان يفعل / ذلك، وكان |يُكِثرُ من ذلك حتى لا ينسى، أو لحلاوة الوحي في لسانه، وكذا قال ثابت السَّرقُسطي.
          وقيل: معناه: كان هذا من شأنه ودأبه، فجعل ((ما)) كناية عن ذلك، وورود ((ممَّا)) بهذا المعنى في الحديث كثير منه حديث الرؤيا كان ممَّا يقول لأصحابه: ((من رأى منكم رؤيا)) أي: هذا من شأنه.
          وقال بعضهم: معناه: ربَّما؛ لأن من إذا وقع بعدها ما كانت بمعنى ربما، وهي قد تكون للتقليل، وقد تكون للتَّكثير، قاله الشِّيرازي وابن خروف وابن طاهر والأعلم، وخرَّجوا عليه قول سيبويه، واعلم أنهم ممَّا يحذفون كذا، وأنشدوا قول الشاعر:
وإنَّا لمِمَّا نضربُ الكبشَ ضربةً                     على وجههِ يُلقِي اللِّسان من الفمِ
          وقال الكَرماني: معناه: وكان العلاج المذكور ناشئاً من تحريك الشَّفتين؛ أي: مبدأ العلاج منه، أو كلمة ((ما)) بمعنى مَن، إذ قد يجيء للعقلاء أيضاً؛ أي: وكان ممَّن تحرك شفتيه.
          وقال الحافظ العسقلاني: فيه نظر؛ لأنَّ الشِّدة حاصلة قبل التحريك، والصَّواب ما قاله ثابت السَّرقسطي.
          هذا وأجاب عنه محمود العيني: بأنَّ الشدَّة وإن كانت حاصلة له قبل التحريك، ولكنها ما ظهرت إلا بتحريك الشفتين؛ لأن هذا أمر باطني لم يقف عليه الراوي إلَّا بالتحريك.
          ثمَّ قال محمود العيني: ثمَّ إنَّ الظاهر أن ((من)) في قول سيبويه وفي البيت ابتدائية، و ((ما)) فيهما مصدرية، وأنهم جعلوا كأنهم خلقوا من الحذف والضرب مثل قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37].
          هذا وفيه: أن كونه ظاهراً غير ظاهر، فافهم. ثمَّ إن الضَّمير في كان على الأقوال السابقة يرجع إلى النبي صلعم ، وعلى قول الكرماني يرجع إلى العلاج الذي يدل عليه قوله: يعالج، والأصوب أن يكون للرسول.
          ويمكن فيه تأويلان آخران:
          أحدهما: أن تكون كلمة من تعليلية وما مصدرية، وفيه حذف، والتقدير: وكان يعالج أيضاً؛ من أجل تحريك شفتيه ولسانه، كما جاء في رواية أخرى للبخاري في التَّفسير [خ¦4929] من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة لفظه: ((كان رسول الله صلعم إذا نزلَ جبريلُ بالوحيِ فكان مما يحرِّكُ به لسانهُ وشفتيه))، وتحريك اللِّسان مع الشفتين مع طول القراءة لا يخلو عن معالجة الشدة.
          والآخر: أنَّ كان بمعنى وَجَد وظهر، فعلى هذا ضميُره يرجع إلى العلاج، والتقدير: وظهر علاجه الشدة من تحريكه شفتيه، والله أعلم.
          (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ☻ / (فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا) أي: شفتي (لَكَ) وفي بعض النسخ: <لكم> وتقديم (أنا) على الفعل يُشعِر بتقويته ووقوعه لا محالة (كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلعم يُحَرِّكُهُمَا) أي: شفتيه (وَقَالَ سَعِيدٌ) أي: ابن جبير (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ☻ (يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ) سعيد (شَفَتَيْهِ) وإنما قال في الأول: كما كان يحركهما، وفي الثاني: كما رأيت يحركهما؛ لأن ابن عبَّاس ☻ لم ير النَّبي صلعم في تلك الحالة؛ لأنَّ سورة القيامة مكِّيَّة باتِّفاق، ولم يكن ابن عبَّاس ☻ ولد إذ ذاك؛ لأنَّه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، بل الظَّاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر كما هو ظاهر صنيع البخاري حيث أورد هذا الحديث في بَدء الوحي، ولكن يجوز أن يكون النَّبي صلعم أخبره بذلك بَعدُ، أو أخبره بعض الصَّحابة أنَّه شاهد النَّبي صلعم يحركهما، والأوَّل هو الأَولى؛ لِما ورد صريحاً في ((مسند)) أبي داود الطَّيالسي، ولفظه: قال ابن عبَّاس: فأنا أحرِّك لك شفتيَّ كما رأيت رسولَ الله صلعم يحركهما، وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عبَّاس بلا خلاف.
          وقوله: ((فقال...إلى آخره)): جملة معترضة بالفاء، وذلك جائز كما في قول الشاعر:
واعلمْ فعِلمُ المرءِ ينفعُهُ                     أنْ سوفَ يأتِي كلُّ ما قَدِّرا
          وفائدته: زيادة البيان بالوصف على القول، ومثل هذا الحديث يسمَّى بالمسلسل بتحريك الشفة، لكنَّه لم يتَّصل تسلسله فيما دون التابعين، وقلَّ في مسلسل للصحيح.
          وفائدة المسلسل من الأحاديث: اشتماله على زيادة الضبط، واتصال السماع، وعدم التدليس، ومثله حديث المصافحة ونحوها.
          ويُستفاد من ذلك: أنَّ المعلِّم يُستحَب له أن يمثِّل للمتعلِّم بالفعل، ويُريَه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول.
          (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية: <╡> عطف على قوله: ((كان يعالج)) ({لاَ تُحَرِّكْ}) يا محمد ({بِهِ}): أي: بالقرآن؛ أي: بقراءته ({لِسَانَكَ} [القيامة:16]) ما دام جبريل ◙ يقرأ؛ أي: قبل أن يُتمَّ وَحيُه، كما قال تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طـه:114].
          ({لِتَعْجَلَ بِهِ}[القيامة:16]) أي: لتأخذه على عجلةٍ مخافةَ أن يتفلَّت منك، فإنَّه كان النَّبي صلعم إذا لقِّن القرآن نازع جبريل ◙ القراءة، ولم يصبر حتى يتمَّها مسارعة إلى الحفظ، وخوفاً من أن ينفلتَ منه شيء، وفي رواية الطَّبري عن الشَّعبي: ((عجل يتكلَّم به من حبِّه إيَّاه)).
          ووقع في رواية للتِّرمذي: ((كان يحرِّك به لسانه))، يريد أن يحفظَه. وللنَّسائي: ((يعجل بقراءته ليحفظه)). ولابن أبي حاتم: يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه؛ خشية أن ينسى أوَّله قبل أن يَفرُغ من آخره، فأمر بأن ينصتَ له مُلقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يُقضى إليه وحيه، ثم يَعقَبُه بالدراسة إلى أن / يرسخ فيه، وَوُعِد بأنه آمِنٌ من تفلِّته بالنسيان أو غيره حيث قال تعالى:
          ({إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ}) في صدرك ({وَقُرْآنَهُ} [القيامة:17]) أي: وقراءتك إيَّاه، فلا تعالج شدَّة بأن تعاجل في أخذه وتلقِّيه من جبريل ◙.
          قال الحافظ العسقلاني أخذاً من الكرماني: لا منافاةَ بين قوله: يحرك شفتيه، وبين قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} [القيامة:16] ؛ لأن تحريك الشَّفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلَّا اللِّسان يلزم منه تحريك اللِّسان.
          وقد وقع في رواية جرير في ((التفسير)): ((يحرك به لسانه وشفتيه)) [خ¦4929] كما مرَّ، فجمع بينهما، أو اكتفى بالشَّفتين وحذف اللسان؛ لوضوحه؛ لأنه الأصل في النطق، أو الأصل حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئ من ذلك.
          وتعقَّبه محمود العيني: بأنَّ الملازمة بين التَّحريكين ممنوعة، وتحريك الفم مستبعدٌ، بل مستحيلٌ؛ لأنَّ الفم اسم لِمَا يشتمل عليه الشفتان، وعند الإطلاق لا يشتملُ على الشفتين، ولا على اللِّسان لا لغة ولا عرفاً، بل إنما هو من باب الاكتفاء، والتَّقدير: فكان ممَّا يحرِّك به شفتيه ولسانه على حدِّ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] ؛ أي: والبرد كما وقع الجمع بينهما في رواية جرير عند المؤلف في ((التفسير)) [خ¦4929]، وكذا في ((تفسير)) ابن جرير الطبري في سورة القيامة، فحصل التَّطابق بين الوارد والمورود فيه.
          (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ☻ في تفسير قوله تعالى: {جَمْعَه} أي: (جَمَعَه) بفتح الميم والعين (لَكَ) اللَّام للتَّعليل أو للتَّبيين (صَدْرُكَ) بالرفع على الفاعلية، كذا في أكثر الرِّوايات؛ أي: جَمَعَهُ الله في صدرك، فأسند الجمع إلى الصَّدر إسناداً مجازيًّا على حدِّ: أنبت الربيعُ البقلَ؛ أي: أنبت الله في الربيع البقل، وفي رواية: <جمْعُه لك صدرُك> بسكون الميم وضم العين مصدراً ورفَعَ صدرُك على أنه فاعل المصدر. وفي أخرى: <جمْعُه لك في صدرِك> بسكون الميم وضم العين أيضاً إلَّا أنَّه بزيادة في وجرِّ صدرك بها. وفي أخرى: <جمْعُه له صدرَك> بسكون الميم وضم العين ونصب صدرك على الظرفية؛ أي: جمعه تعالى للقرآن في صدرك. وفي أخرى: <جمعه له في صدرِك> بزيادة في.
          (وَ): قال ابن عبَّاس ☻ أيضاً في تفسير قوله: {وقرآنه} (تَقْرَأَهُ) أي: أنت؛ يعني: أن المرادَ بالقرآن هنا القراءة لا الكتاب المنزل على محمد صلعم للإعجاز بسورة منه؛ أي: أنَّه مصدر لا عَلَم للكتاب، قال البيضاوي: وإثبات / قراءته في لسانك.
          ({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} [القيامة:18]): بلسان جبريل عليك، جَعَلَ قراءة جبريل قراءَتَه ({فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18]): أي: قراءته (قَالَ): أي: ابن عبَّاس ☻ في تفسير: {فَاتَّبِعْ} أي: (فَاسْتَمِعْ): وفي رواية: <فاتَّبعْ قراءَته فاستمعْ> (لَهُ وَأَنْصِتْ): بهمزة القطع، وفيه لغتان: أنصت _بفتح الهمزة وكسرها_ من نصت ينصِت _بالكسر_ نصتاً، ومن أنصتَ ينصت إنصاتاً، إذا سكت للحديث، يعني: لا تكن قراءتك مع قراءته، بل تابعة لها متأخرة عنها، وكن أنت في حال قراءته ساكتاً مستمعاً، والاستماع أخصُّ من الإنصات؛ لأنَّ الاستماعَ هو الإصغاء، والإنصاتُ هو السُّكوت. وقال بعضُهم: هو السُّكوت مع الإصغاء، فعلى هذا يكون في مقام التَّأكيدِ، فافهم.
          وأمَّا الفرقُ بين السَّماع والاستماع؛ فهو أنَّه لا بدَّ في باب الافتعال من التصرف، والسَّعي في ذلك الفعل، ولهذا ورد في القرآن: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] بلفظ الاكتساب في الشرِّ؛ لأنه فيه من السَّعي، والاعتمال ما ليس في الخير، فالمستمع هو المُصْغي القاصد للسماع.
          وأما قول الكرماني عقيب هذا الكلام: وقال الفقهاء: يسنُّ سجدة التَّلاوة للمستمع لا للسَّامع، فلا يستقيمُ على مذهب الحنفية، فإنَّ قَصْدَ السماع ليس بشرط في وجوب السَّجدة مع أنَّ هذا يخالف ما جاء في الحديث: ((السجدة على من تلاها، وعلى من سمعها)).
          ({ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}): فسَّره ابن عباس ☻ بقوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ): مرَّةً بعد أخرى، وفسَّره غيره ببيان ما أشكل عليك من معانيه كأنَّه كان يعجِّل في الحفظ والسُّؤال عن المعنى جميعاً، كما يرى بعض الحرَّاص على العلم، وقيل: ببيان ما وقع فيه من حلالٍ وحرام، حكاه القاضي.
          وفي مسلم: أن نبينه بلسانك، وقيل: بحفظِك إيَّاه، وقد استدلَّ بهذه الآية _أعني قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}_ [القيامة:19] القاضي أبو بكر بن الطَّيب وتبعه غيره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنَّ ثمَّ تدل على التَّراخي، وهذا لا يتمُّ إلا على تأويل البيان، وتفسيره ببيان ما أَشكل عليه صلعم من المعاني. وأمَّا إذا حُمل على استمرار حفظه له بظهوره على لسانه / فلا، وقد قال الآمديُّ: يجوز أن يُراد بالبيان: الإظهار لا بيان المجمل يقال: بأنَّ الكوكب إذا ظهر. ويؤيِّد ذلك: أنَّ المراد جميع القرآن، والمجمل إنَّما هو بعضه. وقال أبو الحسين البصريُّ: يجوز أن يراد بالبيان البيان التَّفصيليُّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي؛ فلا يتمُّ الاستدلال.
          وقيل: إن قوله: {بَيَانَهُ} جنس مضاف؛ فيعمُّ جميع أصنافه من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلَّق بها من تخصيص وتقييد ونسخ إلى غير ذلك، هذا ثُمَّ إن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع عند الكلِّ إلا عند من جوَّز تكليف ما لا يُطاق. وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فاختلفوا فيه فذهب الأكثرون إلى جوازه، واختاره ابن الحاجب. وقال الصيرفيُّ والحنابلة: ممتنعٌ. وقال الكرخيُّ: بالتفصيل، وهو أنَّ تأخيره عن وقت الخطاب ممتنعٌ في غير المجمل كبيان التَّخصيص والتَّقييد والنَّسخ إلى غير ذلك، وجائز في المجمل كالمشترك. وقال الجُبائي: تأخيرُ البيان عن وقت الخطاب ممتنع في غير النَّسخ، وجائز في النَّسخ.
          (فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلعم بَعْدَ ذَلِكَ (1) إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ): ملَك الوحي المفضَّلُ به على سائر الملائكة، الموكَّل بإنزال العذاب والزَّلازل والدَّمادم، ومعناه: عبد الله بالسِّريانية؛ لأنَّ جبر: عبد بالسِّريانية، وأيل اسم من أسماء الله تعالى. وروى عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن عكرمة: أن اسم جبرئيل عبد الله، واسم ميكائيل عبيد الله.
          وقال السُّهيلي: جبريل سرياني، ومعناه: عبد الرحمن وعبد العزيز، كذا جاء عن ابن عباس ☻ مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصحُّ، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة، فإيل هو العبد، وأوله اسم من أسماء الله تعالى، والجبر عند العجم (2) هو إصلاحُ ما فسد، وهو يوافق معناه من جهة العربية، فإنَّ في الوحي إصلاح ما فسد، وجبر ما وهى من الدِّين، ولم يكن هذا الاسم معروفاً بمكَّة، ولا بأرض العرب، ولهذا إنَّه صلعم لما ذكره لخديجة ♦ انطلقت لتسأل مَن عنده علم من الكتاب كعداس ونسطور الراهب فقالا: قدُّوس. وروى من أين هذا الاسم بهذه البلاد؟.
          قال محمود العينيُّ: ورأيت في أثناء مطالعتي في الكتب: أنَّ اسم جبريل ◙ / عبد الجليل، وكنيته: أبو الفتوح، واسم ميكائيل: عبد الرزاق، وكنيته: أبو الغنائم، واسم إسرافيل: عبد الخالق، وكنيته: أبو المنافخ، واسم عزرائيل: عبد الجبار، وكنيته: أبو يحيى.
          وفي جبريل أربع لغات واقعة ثابتة في القرآن. وفيه خمس لغات أخرى ذكر ثلاثة منها الزمخشري، وذكر اثنتين منها ابن الأنباري، وهما جَبْرِين: بفتح الجيم والنون بدل اللام، وجِبْرين: بكسر الجيم وبالنون أيضاً.
          (اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ): ◙ (قَرَأَهُ النَّبِيُّ صلعم كَمَا قَرَأَه): أي: جبريل ◙، وفي رواية: <كما قرأه>؛ أي: القرآن، وفي أخرى: <كما كان قرأ> وحاصل الكلام: أنَّ الحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاحه.
          ويُستفاد من هذا الحديث: أنَّ أحداً لا يحفظ القرآن إلا بعون الله ومنِّه وفضله، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]، ولما كان ابتداء نزول القرآن في رمضان، وكان جبريل ◙ يتعاهدُ النَّبي صلعم في رمضان في كلِّ سنة، فيعارضه بما أنزل عليه، فلمَّا كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرَّتين، كما ثبت في ((الصحيح)) عن فاطمة ♦، وهذا من أحكام الوحي، والباب في الوحي، شرع المؤلف ☼ في ذِكرِ حديث تعاهُدِ جبريل ◙ له صلعم في رمضان فقال:


[1] ((بعد ذلك)): ليس في الأصل.
[2] في (خ): ((الجبر)).