-
المقدمة
- كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
كتاب الإيمان
-
كتاب العلم
-
كتاب الوضوء
-
كتاب الغسل
-
كتاب الحيض
-
كتاب التيمم
-
كتاب الصلاة
-
أبواب سترة المصلي
-
كتاب مواقيت الصلاة
-
كتاب الأذان
-
أبواب الجماعة والإمامة
-
كتاب الجمعة
-
أبواب صلاة الخوف
-
كتاب العيدين
-
كتاب الوتر
-
كتاب الاستسقاء
-
كتاب الكسوف
-
أبواب سجود القرآن
-
أبواب تقصير الصلاة
-
أبواب التهجد
-
كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
-
أبواب العمل في الصلاة
-
أبواب السهو
-
كتاب الجنائز
-
كتاب الزكاة
-
أبواب صدقة الفطر
-
كتاب الحج
-
أبواب العمرة
-
أبواب المحصر
-
كتاب جزاء الصيد
-
أبواب فضائل المدينة
-
كتاب الصوم
-
كتاب صلاة التراويح
-
أبواب الاعتكاف
-
كتاب البيوع
-
كتاب السلم
-
كتاب الشفعة
-
كتاب الإجارة
-
كتاب الحوالة
-
كتاب الكفالة
-
كتاب الوكالة
-
كتاب المزارعة
-
كتاب المساقاة
-
كتاب الاستقراض
-
كتاب الخصومات
-
كتاب في اللقطة
-
كتاب المظالم
-
كتاب الشركة
-
كتاب الرهن
-
كتاب العتق
-
كتاب المكاتب
-
كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
-
كتاب الشهادات
-
كتاب الصلح
-
كتاب الشروط
-
كتاب الوصايا
-
كتاب الجهاد والسير
-
كتاب فرض الخمس
-
كتاب الجزية والموادعة
-
كتاب بدء الخلق
-
كتاب أحاديث الأنبياء
-
كتاب المناقب
-
كتاب فضائل الصحابة
-
كتاب مناقب الأنصار
-
كتاب المغازي
-
كتاب التفسير
-
كتاب فضائل القرآن
-
كتاب النكاح
-
كتاب الطلاق
-
كتاب النفقات
-
كتاب الأطعمة
-
كتاب العقيقة
-
كتاب الذبائح والصيد
-
كتاب الأضاحي
-
كتاب الأشربة
-
كتاب المرضى
-
كتاب الطب
-
كتاب اللباس
-
كتاب الأدب
-
كتاب الاستئذان
-
كتاب الدعوات
-
كتاب الرقاق
-
كتاب القدر
-
كتاب الأيمان والنذور
-
باب كفارات الأيمان
-
كتاب الفرائض
-
كتاب الحدود
-
كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة
-
كتاب الديات
-
كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم
-
كتاب الإكراه
-
كتاب الحيل
-
كتاب التعبير
-
كتاب الفتن
-
كتاب الأحكام
-
كتاب التمني
-
كتاب أخبار الآحاد
-
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
-
كتاب التوحيد
3- 4- (حَدَّثَنَا) وفي رواية: <وحدثنا> بواو العطف (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بصيغة التصغير، هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكير القرشي المخزومي المصري، نسبه / البخاري إلى جدِّه لشهرته به، وهو من كبار حفاظ المصريِّين وأثبت النَّاس في اللَّيث بن سعد.
روى البخاري عنه في مواضع [خ¦136] [خ¦146] [خ¦208]، وروى عن: محمد بن عبد الله الذُّهلي عنه في مواضع، فلا يَتَوهَّم من رأى البخاري يروي عن واحد عن ابن بكير أنَّه غلط من الناسخ. وروى مسلم حديثاً عن أبي زرعة عن يحيى، وروى ابن ماجه عن رجل عنه. قال أبو حاتم: كان ابن بكير يفهم هذا الشأن، ولا يحتج به يكتب حديثه. وقال النَّسائي: ليس بثقة، ووثقه غيرهما. وقال الدَّارقطني: عندي ما به بأس. وأخرج له مسلم عن اللَّيث، وعن يعقوب بن عبد الرحمن، ولم يخرج له عن مالك شيئاً، ولعله والله أعلم؛ لقول الباجي. وقد تكلم أهل الحديث في سماعه ((الموطأ)) عن مالك مع أنَّ جماعة، قالوا: هو أحد من روى ((الموطأ)) عن مالك. ولد سنة أربع أو خمس وخمسين ومائة، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلثة، هو ابن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي، مولاهم المصري، عالم أهل مصر من تابعي التابعين. قال أبو نُعيم: أدرك نيفاً وخمسين من التابعين. مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وقيل: مولى خالد بن ثابت، ولد بقلقشدة على نحو أربع فراسخ من القاهرة سنة ثلاث أو أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقبره في قرافة مصر يزار. وكان إماماً كبيراً اتَّفق العلماء على وصفه بالإمامة والجلالة والعبادة، وغير ذلك من المكارم الطاهرة، والمحاسن الباهرة.
قال القاضي ابن خَلِّكان: وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة، وليس كذلك، بل المشهور أنَّه مجتهد. ووصفه الشافعي بكثرة الفقه، وقال: الليث أفقه من مالك إلَّا أن أصحابه لم يقوموا به. وفي رواية عنه: ضيَّعه قومه؛ يعني: لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها، ففات الناس معظم علمه. وقال يحيى بن بكير: اللَّيث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك. وقال أيضاً: رأيت من رأيت، فلم أر مثل اللَّيث كان نقي البدن، عربي اللسان، وما زال يعقد خصالاً حتى عقد عشرة.
وقال قتيبة: كان دَخْل اللَّيث كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة قط، ومناقبه كثيرة. وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه.
(عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد بن عَقيل _بفتح العين_ الأَيلي _بفتح الهمزة والياء المثناة التحتية_ / في جميع هذا ((الصحيح)) أبو خالد القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان ☺ الحافظ، توفي بمصر فجأة سنة إحدى، وقيل: أربع وأربعين ومائة، وليس في الكتب الستة من اسمه عُقيل _بضم العين_ غيره.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري المدني، نسبه المؤلف كغيره إلى جده الأعلى؛ لشهرته به، سكن الشام، وهو تابعي كبير، سمع عشرة من الصحابة، بل أكثر منهم: أنس بن مالك، ورأى ابن عمر وروى عنه.
ويقال: سمع منه حديثين، وعنه: جماعات من كبار التابعين منهم عطاء وعمر بن عبد العزيز، ومن صغارهم، ومن الأتباع أيضاً. قال الليث: ما رأيت عالماً أجمع من الزهري، ولا أكثر علماً منه. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أتقن للحديث من الزهري، وما رأيت أحداً الدرهم والدنانير عنده أهون منه، كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزلة البعر.
قال البخاري في ((التاريخ)): إنَّه أخذ القرآن في ثمانين ليلة، وبالجملة اتَّفق الأئمة على إمامته وجلالته، وحفظه وإتقانه، وضبطه وعرفانه، وقد وصفوه بأنَّه جمعَ علْمَ جميع التابعين.
مات بالشام سابع عشر رمضان، سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين، وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها: شَغْب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين آخره باء موحدة.
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أحد فقهاء المدينة السَّبعة، وقد تقدَّم ذكره (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) ♦. قال النَّووي: هذا الحديث من مراسيل الصَّحابة، فإنَّ عائشة ♦ لم تدركْ وقوع هذه القصَّة، فتكون سمعتها (1) من النبي صلعم أو من صحابي.
وقال ابن الصَّلاح وغيره: ما رواه ابن عباس وغيره من أحداث الصَّحابة، ممَّا لم يحضروه ولم يدركوه، فهو في حكم الموصول المسند؛ لأنَّ روايتهم عن الصَّحابة وجهالة الصَّحابة غير قادحة. وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني: لا يحتج به إلَّا أن يقول أنَّه لا يروي إلَّا عن صحابي. قال النووي: والصواب هو الأول، وهو مذهب الشَّافعي والجمهور.
وقال الطِّيبي: الظَّاهر: أنَّها سمعتْ من النبي صلعم لقولها: فأخذني فغطَّني، فيكون قولها أوَّل ما بدئ به رسولُ الله صلعم حكاية ما تلفَّظ به النَّبي صلعم / كقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران:12] بالتاء والياء.
ومن لطائف هذا الإسناد: أنَّه على شرط السِّتة إلَّا يحيى فهو على شرط الشَّيخين. ومنها: أن رجاله ما بين مصري ومدني. ومنها: أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي، وهما الزُّهري وعروة. وقد أخرج متنه المؤلِّف في ((التَّفسير)) [خ¦4953] و ((التَّعبير)) [خ¦6982] و ((الإيمان)) [خ¦3] أيضاً، وأخرجه مسلم في ((الإيمان))، والترمذي، والنَّسائي في ((التَّفسير)).
(أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ) مبتدأ مضاف إلى قوله (مَا بُدِئَ بِهِ) بضم الموحدة وكسر الدال، من بدأت بالشَّيء بدأً ابتدأت به، وبدأتُ الشَّيء: فعلتُه ابتداءً، وبدأ الله الخلقَ وأبدأهم بمعنى (رَسُولُ اللَّهِ صلعم مِنَ الْوَحْيِ) إليه، قد مرَّ تفسير الوحي، وكلمة ((مِنَ)) لبيانِ الجنس، قاله القزَّاز. كأنَّها قالت: من جنس الوحي، قال: إذ ليست الرؤيا من الوحي. نعم: هي كالوحي في الصِّحة، إذ لا مدخل للشَّيطان فيها، والصَّحيح أنَّها من الوحي، كما جاء في الحديث: ((أنها جزء من النُّبوة)). فتكون كلمة ((مِنَ)) للتبعيض؛ أي: من أقسام الوحي.
(الرُّؤْيَا) هو مصدر على وزن فُعلى كالرُّجعى، وجمعها رُؤًى مثل رُعًى، ويختصُّ برؤيا المنام كما اختصَّ الرَّأي بالقلب، والرؤية بالعين (الصَّالِحَةُ) وفي ((صحيح مسلم)): ((الصادقة)) وكذا رواه البخاري في التَّعبير [خ¦6982]، ومعناهما واحد، وهي التي لم يسلَّط عليه فيها ضغث ولا تلبيس شيطان.
وقال المهلَّب: الرُّؤيا الصَّالحة: هي تباشير النُّبوة؛ لأنَّه لم يقع فيها ضغثٌ، فيتساوى مع الناس في ذلك، لكن خصَّ صلعم بصدق رُؤَاها كلها.
قال ابن عباس ☻ : رؤيا الأنبياء ‰ وحيٌ بخلاف سائر النَّاس. وهي صفة للرُّؤيا، إمَّا صفة موضِّحة للرؤيا؛ لأنَّ غير الصَّالحة تسمَّى بالحلم، كما ورد: ((الرُّؤيا من الله، والحلم من الشَّيطان)). وإمَّا مخصصة؛ أي: الرُّؤيا الصَّالحة لا الرُّؤيا السَّيئة، أو لا الكاذبة المسمَّاة بأضغاثِ الأحلام، والصَّلاح إمَّا باعتبار صورتها، وإمَّا باعتبار تعبيرها.
وقال القاضي: يحتملُ أن يكون معنى صلاح الرُّؤيا وحسنها حسن ظاهرها، وأن يكون صحَّتها، وسوء الرُّؤيا أيضاً يحتمل الوجهين سوء ظاهرها، وسوء تأويلها.
وقوله: (فِي النَّوْمِ) لزيادةِ الإيضاح والبيان، وإن كانت الرُّؤيا مخصوصة بالنَّوم، كما ذكر عن قريب، فهو من قبيل أمس الدَّابر كان يوماً عظيماً؛ لأنَّه ليس للتَّخصيص ولا للمدح ولا للذمِّ، أو لدفع وهم من يتوهَّم أنَّ الرُّؤيا تطلقُ على رؤية العين، أو لدفع توهُّم المجاز. /
ثمَّ إنَّ حقيقة الرُّؤيا الصَّالحة: أنَّ الله تعالى يخلق في قلب النَّائم، أو في حواسِّه الأشياء كما يخلقُها في اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه، فربما يقعُ ذلك في اليقظة كما رآه في المنام، وربما يجعل ما رآه علماً على أمور أُخَر يخلقها في ثاني الحال، كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر.
وإنَّما ابتدئ بها؛ لئلَّا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النُّبوة، إذ لا تحتملها القوى البشريَّة، فبدأ بأوائل خِصال النُّبوَّة وتباشيرِ الكرامة من صدق الرُّؤيا مع سماع الصَّوت، وسلام الحجر والشَّجر عليه، ورؤية الضوء، ثمَّ أكمل الله تعالى له بالنُّبوة بإرسال الملك في اليقظة، وكشف له عن الحقيقة كرامة له.
قيل: وقوله: من الوحي، احتراز عمَّا رآه من دلائل نبوَّته من غير وحي كتسليم الحجر عليه، كما في رواية مسلم، وأوَّلُه مطلقاً ما سمعه من بحيرا الرَّاهب، كما في رواية التِّرمذي بسند صحيحٍ. وكانت مدَّة الرؤيا ستة أشهر فيما حكاه البيهقي، وحينئذٍ يكون ابتداء النُّبوة بالرُّؤيا حصل في شهر مولده شهر ربيع، والله أعلم.
(فَكَانَ) بالفاء، وفي نسخة: <وكان النبي صلعم > (لاَ يَرَى رُؤْيَا) بلا تنوين؛ لأنَّه كحُبلى، كرؤياه دخول المسجد الحرام (إِلاَّ جَاءَتْ) مجيئاً أو حال كونها (مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) فلق الصُّبح، وفَرَقه: بفتح أولهما وثانيهما، ضياؤه، ويقال: الفرق أبين من الفلق، وقيل: الفلق مصدر كالانفلاق، وهو الانشقاقُ.
وفي ((المَطالع)): قال الخليل: الفَلَق: الصُّبح، فعلى هذا تكون الإضافة للبيان، ويقال: لمَّا كان الفلق مستعملاً في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه إضافة العام إلى الخاص، والمعنى: جاءت مشبَّهاً مجيئها بمجيء الصُّبح أو ضيائه في الظُّهور البيِّن الواضح الَّذي لا يشك فيه، أو جاءت شبيهةً بفلق الصُّبح، وإنما شبِّهت به؛ لأنَّ شمس النُّبوة قد كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعَّتها، وتمَّ نورها كفلق الصبح.
وفي ((أمالي)) الرَّافعي: هل أوحي إليه صلعم شيء من القرآن في النوم أو لا؟ فيه خلاف، والأشبه: أن القرآن كله نزل يقظة. وفي مرسل عبد الله بن أبي بكر بن حزم عند الدُّولابي ما يدل على أنَّ الذي كان يراه صلعم في المنام هو جبريل، ولفظه: أنَّه قال لخديجة _بعد أن أقرأه جبريلُ ◙: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1]_ : ((أرأيتك / الَّذي كنت أحدِّثك أنِّي رأيته في المنام هو جبريل استعلن)).
(ثُمَّ حُبِّبَ) بصيغة المجهول ؛ لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهاً على أنه لم يكن من باعث البشر، ولعله يكون من وحي الإلهام (إِلَيْهِ الْخَلاَءُ) بالمد بمعنى الخلوة، يقال: خلا الشيء يخلو خلواً، وخلوت به خلوة وخلاء، والمناسب هاهنا: أن يفسَّر الخلاء بمعنى الاختلاء، أو بالخلاء الذي هو المكان لا شيء به.
وإنَّما حُبب إليه الخَلوة؛ لأنَّ فيها فراغ القلبِ، وهي معينةٌ على الفكر، والبشر من حيث أنَّه بشر لا ينتقلُ عن طبعه إلَّا بالرِّياضة البليغةِ، فحبِّب إليه الخلوة؛ لينقطع عن مخالطةِ البشر، فينسى المألوفات من عادته، فيجد الوحي منه مراداً سهلاً لا حَزْناً، فيصادف قلباً خالياً، فيتمكَّن. ولمثل هذا كانت مطالبة الملك له بالقراءة والضَّغطة.
ويقال: كان ذلك اعتباراً وفكرة كاعتبار إبراهيم ◙؛ لمناجاة ربِّه والضراعة إليه؛ ليُرِيَهُ السبيل إلى عبادته على صحة إرادته.
وقال الخطابي: حبِّب العزلة إليه؛ لأنَّ فيها سكون القلب وفراغه، وهو معين على التَّفكر، وبه ينقطع عن مألوفاتِ البشر، ويخشع قلبه، وهي من جملةِ المقدِّمات الَّتي أرهصت لنبوَّته، وجعلت مبادئ لظهورها، ثمَّ إنَّ خلوته صلعم كان؛ لأجل التَّقرب لا لاكتساب النُّبوَّة، فإنَّ النُّبوة فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء، ولا يتأتى بالاكتساب.
وفي هذا الكلام تنبيهٌ على فضل العزلة، وهي شأنُ الصَّالحين، وديدنُ عباد الله العارفين؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدُّنيا، وتفرِّغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة.
وحقيقة الخلوة: أن يخلوَ عن غيره، بل وعن نفسه بربِّه، وعند ذلك يصيرُ العبد خليقاً بأن يكون قالبه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبه مقرًّا لها، اللَّهمُّ لا تحرمنا آثارها، واحظِنا من بركاتها.
(وَكَانَ) صلعم (يَخْلُو) أي: يختلي (بِغَارِ) هو بِالْغين المعجمة، النَّقب في الجبل، وهو قريبٌ من معنى الكهف، كذا فسَّره جميع الشُّراح. وقال محمود العينيُّ: هو الكهف. وفي ((العباب)): الغار كالكهف في الجبل، ويجمع على غيران، ويصغَّر على غوير، فتصغيرُه يدلُّ على أنَّه واوي، فلذلك ذكره في ((العباب)) في فصل غور.
(حِرَاءٍ) وهو بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء / وبالمد جبلٌ بينه وبين مكَّة نحو ثلاثة أميال عن يسارك إذا سرتَ إلى منى، له قلَّة مشرفة إلى الكعبةِ منحنيةٌ.
قال القاضي عياض: حِرَاء: يمدُّ ويُقصر، ويذكَّر ويؤنَّث، ويصرف ويمنع، والتَّذكير أكثر، فمن ذكَّره صرفه، ومن أنَّثه منعَه، يعني: على إرادةِ البقعة أو الجهة الَّتي فيها الجبل، وألغزهُ بعضهم فقال:
وما اسمٌ أتتْ فيه وجوهٌ عديدةٌ يؤنَّث طوراً وطوراً يذكَّرُ
وقد جاءَ فيه الصَّرف أيضاً ومنعه ومَن شاءَ يمدده ومَن شاءَ يقصرُ
وكذا حكم قبا، وقد نظم بعضُهم أحكامهما في بيت:
حرا وقبا ذكِّر وأنِّثهما معاً ومدَّ أو اقصرْ واصرفاً وامنع الصَّرفا
وضبطه الأَصيلي بفتح الحاء والقصر، وعزاها في ((القاموس)) إلى القاضي عياض، وهي لغية.
وقال الخطَّابي: العوام يخطؤون في حراء في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة.
وقال التَّيميُّ: العامة لحنتْ فيه في ثلاثة مواضع: فتح الحاء وقصر الألف، وترك صرفه وهو مصروفٌ؛ لأنَّه اسم جبل. وقال الكرماني: إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللَّحن في أربعة مواضع، وهو من الغرائب، إذ بعدد كل حرف لحن.
ولقائل أن يقول: كسر الراء ليس بلحن؛ لأنه بطريق الإمالة.
وذكر الكلبي: أنَّ حراء وثَبيراً سُمِّيا باسم ابني عاد الأولى، وثَبِيْر: بفتح المثلثة وكسر الباء الموحدة بعدها ياء تحتانية، جبل يرى من منى.
وفي بعض الروايات: <وكان يجاور بغار حراء> وفرق بين المجاورة والاعتكاف، بأن المجاورة قد تكون خارج المسجد بخلاف الاعتكاف، ولفظ الجوار جاء في حديث جابر الآتي في كتاب التفسير [خ¦4922]. وفي ((صحيح مسلم)): ((جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي)) الحديث.
(فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) عطف على قوله: يخلو، ولا يخلو عن معنى السَّببية؛ لأنَّ اختلاءه هو السبب للتَّحنث في الغار، والتَّحنث: بالحاء المهملة ثمَّ النون ثمَّ الثاء المثلثة، وقد فسِّر في الحديث بأنَّه التعبُّد.
وقال الصَّغاني: التحنُّث: إلقاء الحنث، يقال: تحنَّث؛ أي: تنحَّى عن الحنثِ، وتأثَّم؛ أي: تنحَّى عن الإثم، وتحرَّج؛ أي: تنحَّى عن الحرج، وتحنَّث: اعتزلَ الأصنامَ مثل تحنَّف.
وفي ((المَطالع)): / يتحنَّث معناه: يطرحُ الإثم عن نفسه بفعل ما يخرجُه عنه من البِر؛ ومنه قول حكيم: أشياءَ كنتُ أتحنَّث بها. وفي رواية: كنت أتبرَّر بها. أي: أطلب البرَّ وطرح الإثم بها. وكذا قول عائشة ♦: ولا أتحنَّث إلى نذري. أي: لا أكتسب الحنث وهو الذنب، وهذا عكس ما تقدَّم.
وقال الخطَّابي: ونظيره في الكلام: التحوُّب والتَّأثم؛ أي: ألقى الحوب والإثم عن نفسه، قالوا: وليس في كلامِهِم تفعَّل بهذا المعنى غير هذه.
ولا يخفى عليك أنَّ هذه شهادة نفي، كيف وقد ثبت في الكتب الصَّرفية: أن تفعَّل يجيء للتجنُّب كثيراً، نحو: تحرَّج وتخوَّن؛ أي: اجتنب الحرجَ والخيانة، وكذا تجهَّد وتنجَّس وتقذَّر.
وقال الثَّعلبي: فلان يتهجَّد، إذا كان يخرج من الهجود وهو النوم، وتنجَّس إذا فعل فعلاً يخرج به عن النَّجاسة. وقال السُّهيلي: التحنُّث التبرُّر تفعُّل من البر، وتفعَّل يقتضي الدُّخول في الشَّيء، وهو الأكثر فيها مثل تفقَّه وتعبَّد وتنسَّك، وقد جاءت ألفاظ يسيرةٌ تعطي الخروج عن الشَّيء واطِّراحه كالتَّأثم والتحرُّج، والتحنُّث: بالثاء المثلثة؛ لأنَّه من الحنثِ، والحنثُ: الحمل الثَّقيل، وكذلك التقذُّر فإنَّه التَّباعد عن القذر، وأما التحنُّف بالفاء فهو من باب التعبُّد.
وقال المازريُّ: يتحنَّث يفعل فعلاً يخرج به من الحنث، وهو الذَّنب. وقال التيميُّ: هذا من المشكلات ولا يهتدي إليه سوى الحذَّاق.
وسئل ابن الأعرابي عن قوله: يتحنَّث، فقال: لا أعرفه. وسئل أبو عَمرو الشَّيباني، فقال: لا أعرف يتحنَّث، إنَّما هو يتحنَّف من الحنيفية دين إبراهيم ╕.
وقد وقع في ((سيرة ابن هشام)): ((يتحنَّف)) بالفاء، قيل: والفاء تبدل ثاء مثلثة، وهو كثيرٌ في كلامهم، فمعناه حينئذٍ: يتَّبع الحنيفيَّة.
(وَهُوَ) أي: التحنُّث من قبيلِ قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8] (التَّعَبُّدُ) وهذه الجملة مدرجةٌ من الزهري تفسيراً للتحنُّث؛ لأنَّه دأبه، ويدلُّ عليه رواية البخاري في التفسير من طريق يونس عن الزهري [خ¦4953] معترضة بين قوله: ((فيتحنَّث فيه)) وبين قوله: (اللَّيَالِيَ) لأنه منصوب على الظرفية، والعامل فيه قوله: يتحنَّث، لا قوله: التعبد؛ لفساد المعنى، فإن التحنُّث لا يشترط فيه الليالي، بل هو مطلق التَّعبد، والمراد باللَّيالي: هي مع أيامهنَّ / على سبيل التغليب؛ لأنهنَّ أنسبُ للخلوة.
(ذَوَاتِ الْعَدَدِ) بكسر التاء منصوب على أنه صفة اللَّيالي. قال الطِّيبي: وصف اللَّيالي بذوات العدد؛ لإرادة القلَّة، كما في قوله تعالى: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف:20]. قال الكرماني: ويحتمل أن يراد الكثرة، إذ الكثير يحتاج إلى العدِّ لا القليل، وهو المناسب للمقام.
وإنما أبهمتْ عائشة ♦ العدد؛ لاختلافه بالنسبة إلى المُدد التي يتخلَّلها مجيئه إلى أهله، وأقلُّ مدَّة الخلوة ثلاثة أيام: يوم للتكفير، ويوم للتَّطهير، ويوم للتَّنوير، ثمَّ سبعة أيام، ثمَّ شهر؛ لما عند المؤلف ومسلم: ((جاورت بحراء شهراً)).
وعند ابن إسحاق: أنه شهر رمضان، قيل: ولم يصح عنه صلعم أكثر منه. نعم روى الأربعين سوار بن مصعب وهو متروكُ الحديث على ما قاله الحاكم وغيره.
وأمَّا قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف:142] فهو حجَّة للشهر، والزِّيادة عليه إتمام للثُّلثين، فإنَّه لما أتمَّ الثلثين أنكر خلوفَ فِيْه، فتسوَّك لإزالته، فقالت الملائكةُ: كنَّا نشمُّ منك رائحة المسك فأفسدته بالسِّواك، فأمره الله أن يزيد عليه عشراً، فتكون كسجود السَّهو للصَّلاة، فقوي تقييدها بالشَّهر.
وإنَّها _أي: الخلوة_ سُنَّة تعم الأربعين؛ لكون الأربعين مدَّة نتاج النُّطفة علقة فمضغةً فصورة، ومدَّة كون الدر في صدفه، والله أعلم.
فإن قلت: كيف تكون الخلوة سُنة، وأمر الغار قبل الرسالة، فلا يترتب عليه السُّنية؟. فالجواب: أن أوَّل ما بُدئ به ╕ من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة، ثمَّ حبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بالغارِ كما مرَّ، فدلَّ ذلك على أنَّ الخلوة مرتَّبة على الوحي؛ لأنَّ كلمة ثمَّ للتَّرتيب.
وأيضاً لو لم تكن من الدِّين لَنُهي عنها، بل هي ذريعةٌ لمجيء الحق وظهوره عليه، مبارك عليه وعلى أمَّته، تأسِّياً به، وسلامة من المناكير وغيرها. ولها شروطٌ مذكورةٌ في محلِّها من كتب القوم.
وإنما خصَّ حِراء بالتعبُّد فيه دون غيره؛ لمزيد فضله على غيره؛ لأنه منزوي مجمع لتحنُّثه، إذ ينظر منه الكعبة المعظَّمة، والنظر إليها عبادة، فكان له صلعم فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبُّد، والنظر إلى الكعبة.
وقيل: لأنَّ حِراء هو الَّذي نادى رسول الله صلعم حين قال له ثَبير: اهبط عني فإني أخاف أن تُقتل على ظهري، فاعذرني يا رسول الله، وهو ضعيف كما لا يخفى.
واعلم: أنَّ العلماء اختلفوا هل كان النَّبي صلعم قبل النُّبوة متعبِّداً بشرع من قبله؟ فقال الجمهور: لا، وإلَّا لَنُقِل، ولَما أمكن كتمه عادة؛ / لأنَّه ممَّا يتوفر الدَّواعي إلى نقله، ولافتخر به أهل تلك الشريعة، مع أنَّ في ذلك لزوم أن يكون متبوعاً مَن عُرف تابعاً. وقال إمام الحرمين بالوقف. وقال آخرون واختاره ابن الحاجب والبيضاوي: أنه صلعم كان متعبِّداً بشرع، واختلفوا على ثمانية أقوال:
الأول: أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم. والثاني: بشريعة موسى. والثالث: بشريعة عيسى. والرابع: بشريعة نوح حكاه الآمدي. والخامس: بشريعة آدم، حكي ذلك عن ابن بَرهان. والسادس: أنَّه كان يتعبَّد بشريعة من قبله من غير تعيين. والسابع: أنَّ جميع الشَّرائع شرعٌ له، حكاه بعض شرَّاح ((المحصول)) عن المالكيَّة. والثامن: الوقف في ذلك، وهو مذهبُ الإمام أبي المعالي، واختاره الآمدي.
وأمَّا القول: بأنَّه كان على شريعة إبراهيم ◙، وليس له شرع ينفرد به، بل المراد من بعثه إحياء شريعة إبراهيم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل:123]، فهو حماقة وجهل، أنَّ المراد به الاتباع في أصل التَّوحيد، كما في قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، إذ شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فلم يبق إلا ما أجمعوا عليه من التوحيد، ومعنى متابعتهم في التَّوحيد المتابعة في كيفية الدعوى إليه بطريق الرفق، وإيراد الأدلَّة مرَّة بعد أُخرى على ما هو المألوف والمعروف في القرآن، والمبالغة في التَّوكل والإخلاص، ونفي السُّمعة والرِّياء، والالتجاء إلى السواء.
وأمَّا صفة تعبُّده وكيفيَّته: فقد قال شيخُ الإسلام البُلقيني: لم يجيء في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفيَّة تعبِّده، لكن روى ابن إسحاق وغيره: أنَّه صلعم كان يخرج إلى حراء في كل عام شهراً يتنسَّك فيه، وكان من نسك قريش في الجاهلية: أن يطعم الرَّجل من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة.
ولا يبعد أن يقال: أنَّ عائشة ♦ أطلقت على الخلوة بمجردها تعبُّداً، فإن الانعزال عن الناس ولا سيَّما من كان على باطل من جملة العبادة، وقيل: كان يتعبد بالفكر. وقال بعضُ المتأخرين: الظاهر والله أعلم أنَّه صلعم كان متعبِّداً بالعبادات الباطنيَّة من الأذكارِ القلبيَّة، والأفكار في الصِّفات الإلهية، والمصنوعات الآفاقيَّة والأنفسية، / والأخلاق السَّنية، والشَّمائل البهيَّة من التَّرحم على الضُّعفاء، والشَّفقة على الفقراء، والتَّحمل من الأعداء، والصَّبر على البلاء، والشُّكر على النَّعماء، والرِّضا بالقضاء، والتَّسليم والتَّفويض والتَّوكل على رب الأرض والسماء، والتَّحقق بحال الفناء، ومقام البقاء على ما يكون منتهى حال كُمَّل الأولياء والأصفياء. ولذا قيل: بداية الأنبياء نهايةُ الأولياء.
وأما ما قاله بعضهم: من أن بداية الولي نهاية النبي؛ فإنَّما هو باعتبار التكاليف الشَّرعية من الأوامر الفرضيَّة، والزَّواجر المنهيَّة، فما لم يتصف السَّالك بما انتهى أمر نبيِّه صلعم إليه لم يدخل في باب الولاية، ولا يكون له حظٌّ من حسن الرعاية. انتهى.
بقي أنَّه صلعم هل كُلِّف بعد النُّبوة بشرع أحدٍ من الأنبياء ‰ أو لا؟ اختلفوا فيه أيضاً، والأكثرون على المنع، واختاره الإمام والآمدي وغيرهما.
وقيل: بل كان مأموراً بأخذ الأحكام من كتبهم، ويعبَّر عنه بأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، واختاره ابن الحاجب. وللشَّافعي فيه قولان أصحهما الأول.
(قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ) عياله، بكسر الزاي؛ أي: قبل أن يرجع، وقد رواه مسلم كذلك، يقال: نزع إلى أهله، إذا حنَّ واشتاق ورجع إليهم.
يقال: هل نزعك غيره؛ أي: هل جاء بك وجذبك إلى السَّفر غير الحج، وناقة نازع: إذا حنَّت إلى أوطانها ومرعاها.
(وَيَتَزَوَّدُ) أي: يتَّخذ الزاد وهو الطعام الذي يستصحبُه المسافر، يقال: زودته فتزوَّد، وهو مرفوعٌ عطفاً على قوله: يتحنَّث، لا على قوله: ينزع؛ لفساد المعنى.
(لِذَلِكَ) أي: للخلو أو التعبُّد (ثُمَّ) أي: بعد التحنُّث في الغار (يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) أمِّ المؤمنين ♦ (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي: لمثل اللَّيالي، وفيه: مشروعيَّة اتِّخاذ الزاد، وأنَّه لا ينافي التوكُّل فقد اتَّخذه سيِّد المتوكلين صلعم . وتخصيصُ خديجة بالذِّكر بعد أن عبَّر بالأهل يحتمل أنَّه تفسير بعد إبهام.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنَّ التزوُّد من عندها لا غيرها، ثمَّ فيه أنَّ الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السُّنة؛ لأنَّه صلعم لم ينقطعْ في الغار بالكلِّية، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم ثمَّ يخرج للتحنُّث.
ثمَّ إنَّ خديجة ♦ هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية، تزوَّجها رسول الله صلعم وهو / ابن خمس وعشرين سنة، ولها يومئذ أربعون سنة، وكانت تدعى في الجاهلية الطَّاهرة.
كانت أوَّلاً في حبال عتيق بن خالد المخزومي، فولدت له عبد الله وبنتاً، ثم مات عتيق، وخلفه أبو هالة فولدتْ له ذكرين هالة وهنداً، ثمَّ مات أبو هالة فتزوَّجها رسول الله صلعم ونشأ هند في حجر تربية النبي صلعم . وهي أمُّ أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوَّج غيرها قبلها ولا عليها حتَّى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، وقيل: بخمس، وقيل: بأربع، فأقامت معه أربعاً وعشرين سنة وأشهراً، ثمَّ توفيت في رمضان سنة عشر من النُّبوة بمكَّة، وهي بنت خمس وستين سنة، ودفنت بالحجون، ونزل النبي صلعم قبرها ولم تشرع صلاة الجنازة حينئذٍ على ما قيل. وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام.
واسم أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن عامر بن لؤي، وهي أول من آمن من النساء باتفاق، بل أول من آمن مطلقاً على قول.
ووقع في كتاب الزبيري عن عبد الرحمن بن زيد: قال آدم ◙: مما فضَّل الله به ابني عليَّ أنْ زوَّجه خديجة، كانت عوناً له على تبليغ أمر الله ╡، وإنَّ زوجتي كانت عوناً لي على المعصيَّة.
ولها مناقب كثيرة يطول شرحها. وقد ذكر البخاري طرفاً منها في باب مناقبها.
وأفضل أزواج النبي صلعم خديجة وعائشة، واختلف في أنَّ أيهما أفضل، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى جَاءَهُ) أي: كان حاله صلعم هكذا حتى جاءه الأمر (الْحَقُّ) وهو الوحي الكريم، سمِّي حقًّا؛ لأنَّه مِن الله تعالى، وفي التَّفسير: ((حتى فجِئه الحق)) بكسر الجيم [خ¦4953]، وكذا في رواية مسلم؛ أي: بغته. يقال: فجِئ يفجَأ _بكسر الجيم_ في الماضي وفتحها في الغابر وإن ثبت ما رواه عبيد بن عُمير ((أنَّه أوحي إليه بذلك في المنام أوَّلاً قبل اليقظة))، أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة أعقب ما تقدَّم في المنام.
(وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) جملة حاليَّة (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) جبريل ◙ يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، ورسول الله صلعم يومئذ ابن أربعين سنة، والفاء في قوله فجاءه تفسيريَّة نحو قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة:54]، إذ القتل نفس التَّوبة على أحد التَّفاسير، وتسمى بالفاء التَّفصيلية أيضاً؛ لأنَّ مجيء الملك تفصيلٌ للمجملِ الذي هو مجيء الحقِّ، ولا شكَّ أنَّ المفصَّل نفس المجمل، وإن كان غيره من جهة التَّفصيل والإجمال، فلا يكون تفسير الشَّيء بنفسه، وجوَّز أن تكون تعقيبيَّة؛ بناء على أنَّ المراد من الحقِّ في قوله: ((حتى جاءه الحق)) هو الإلهام، أو سماع هاتف، ويكون مجيء الملك بعد ذلك بالوحي.
(فَقَالَ) بالفاء / التَّعقيبيَّة له صلعم (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمرُ لمجرَّد التَّنبيه والإيقاظ لما سيُلقى إليه، وأن يكون على بابه من الطَّلب، فيستدلَّ به على تكليف ما لا يُطاق في الحال، وإن قدر عليه بعد.
اعلم أنَّه قد وقع في رواية أبي الأسود عن عروةَ، عن عائشة ♦ قالت: ((أنَّ النَّبي صلعم كان أوَّل شأنه يرى في المنام، وكان أوَّل ما رأى جبريل بأجياد، صرخَ جبريل: يا محمد، فنظر يميناً وشمالاً، فلم ير شيئاً، فرفع بصره، فإذا هو على أفق السماء، فقال: يا محمد جبريل جبريل، فهرب فدخل في الغار، فلم ير شيئاً، ثم خرج عنه فناداه فهربَ، ثمَّ استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة قراءته {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1]، ورأى حينئذٍ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر)).
وهذا من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود، وابن لهيعة ضعيف.
وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) من وجه آخر عن عائشة مرفوعاً: ((لم أره _يعني: جبريل_ على صورته التي خلق عليها إلَّا مرتين)).
وبيَّن أحمد من حديث ابن مسعود: أنَّ الأولى: كانت عند سؤاله إيَّاه أن يريَه صورته الَّتي خُلق عليها، والثانية: عند المعراج. وللترمذيِّ من طريق مسروقٍ، عن عائشة ♦: ((لم ير محمد صلعم جبريل في صورته إلَّا مرَّتين، مرَّة عند سدرة المنتهى، ومرَّة في أجياد)).
وهذا يقوي رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرَّة غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما؛ لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله تعالى.
(قَالَ) صلعم ، وفي رواية: <فقلت> (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) وفي رواية: <ما أُحسن أن أقرأ>، وفي رواية ابن إسحاق: ((ما أقرأ)). وفي رواية أبي الأسود في ((المغازي)) أنه قال: ((كيف أقرأ)).
قالت الشرَّاح: كلمة ((ما)) نافية؛ أي: ما أحسن القراءة، لا استفهاميَّة بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على ما الاستفهاميَّة. وغلَّطوا من قال استفهاميَّة بدليل الرِّوايتين الأخريين، ومنعوا استنادهم بالرواية الثالثة؛ أعني: ((ما أقرأ)) بقولهم يجوز أن تكون ما هذه نافية أيضاً.
وقال محمود العينيُّ: تغليطُهم ومنعهم ممنوعان، أمَّا تغليطهم؛ فلأنَّ الأخفش جوَّز دخول الباء على ما الاستفهاميَّة. وأمَّا تجويزهم كون ما في قوله: ((ما أقرأ)) استفهامية؛ / فاحتمال بعيد، بل الظَّاهر أنها استفهاميَّة يدل عليه رواية: ((كيف أقرأ)).
ثم إنَّ قوله: ((ما أنا بقارئ))، قيل: إنه يفيد الاختصاص. وقال الطِّيبي: مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد الاختصاص، بل قد يكون للتقرير والتوكيد؛ أي: لست بقارئ البتة لا محالة، وهو الظَّاهر هنا، والمناسب للمقام. وفي مرسل عبد الله بن عُمير: أنَّه ◙ قال: ((أتاني جبريل بنمط من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ)).
قال السُّهيلي: وقال بعضُ المفسرين: إنَّ قوله تعالى: {الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1-2] إشارة إلى الكتاب الَّذي جاء به جبريل حين قال له {اقْرَأْ} [العلق:1].
(قَالَ) صلعم (فَأَخَذَنِي) جبريل، ولأبي داود الطيالسي في ((مسنده)) بسند حسن: ((فأخذ بحلقي)) (فَغَطَّنِي) بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة؛ أي: ضغطني وعصرني، يقال: غطَّني وغتَّني، وضغطني وعصرني وخنقني، كله بمعنى.
قال الخطَّابي: ومنه الغطُّ في الماء بمعنى تغييب الرأس فيه، وغطيط النائم: ترديد النفس إذا لم يجد مساغاً عند انضمام الشَّفتين، والغث: حبسُ النَّفس مرَّة، وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف. وقال: والغط في الحديث: الخنق. وقال الداودي: معنى غطَّني صنع بي شيئاً حتى ألقاني إلى الأرض كمن تأخذه الغشية.
وفي رواية الطبري: ((فغتَّني)) وقد سبق معناه. وفي رواية أخرى: <سأبني> بالمهملة والهمزة والموحدة ؛ أي: خنقني. ويروى: <فدَّعتني> من الدَّعْت: بفتح الدال وسكون العين المهملتين وفي آخره تاء مثناة فوقية.
قال ابن دريد: هو الدَّفع العنيف عربيٌّ صحيح، يقال: دعَتْه يدعَتْه؛ إذا دفعه دفعاً عنيفاً.
(حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) هو بضم الجيم وفتحها الغاية والمشقَّة.
وفي ((المحكم)): الجَهد والجُهد: الطاقة، وقيل: الجَهد بالفتح: المشقَّة، وبالضم: الطاقة.
وفي ((الموعب)): الجُهد بالضم: ما جَهِد الإنسان من مرض، أو من شاقَّ، والجَهْد بالفتح: بلوغك غاية الأمر الَّذي لا تألوا عن الجهد فيه، وجَهَدْتَه: بلغت مشقته، وأَجهدته على أن يفعل كذا.
وقال ابن دريد: جَهدْته: حملته على أن يبلغ مجهوده. وقال ابن الأعرابي: جهد في العمل اجتهد. وقال الأصمعي: جَهَدْتُ لك نفسي فاجتهد نفسي، وفيه وجهان من الإعراب: الرفع والنصب، أمَّا الرفع فعلى أن يكون فاعلاً لبلغ؛ يعني: بلغ الجهد مني مبلغه فحذف مبلغه.
وأمَّا النَّصب: فعلى كونه مفعولاً، والفاعل محذوفٌ، والتَّقدير: بلغ الملك أو الغط منِّي الجهد؛ أي: غاية وسعي وطاقتي.
وقال التُّوْرِبشتي: لا أرى الذي يَروي / بالنصب إلَّا قد وهم، أو جوزه بطريق الاحتمال، فإنَّه يعود المعنى حينئذٍ إلى أنَّه غطَّه حتى استفرغ قوَّته في ضغطه، وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد.
وقال الكرماني: وهذا قول غير سديد، فإنَّ البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوَّة الملكية، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّت القصَّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك، وتداخله الرعب.
وقال الطِّيبي: لا شك أنَّ جبريل ◙ في حالة الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى له بها عند سدرةِ المنتهى، وعندما رآه مستوياً على الكرسي، فيكون استفراغ جهده بحسبِ صورته الَّتي تجلَّى له بها وغطَّه، فإذا صحَّت الرِّواية بالنصب اضمحلَّ الاستبعاد.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني (فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ) وفي رواية: <فقلت> (مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانيةَ) أي: المرَّة الثانية (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) هو كسابقه (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي) المرَّة (الثَّالِثَةَ) ولم يذكر الجهد هنا، نعم هو ثابت عنده في التفسير، والحكمة في الغطِّ والضغطة: شغله عن الالتفاتِ إلى ما سوى الله تعالى، وإقبالهِ بكلِّيته إلى ما يلقى إليه، وأن يأخذَ الكتاب بقوَّة، ويترك الأناة، فإنَّه أمرٌ ليس بالهوينا، وكرَّره ثلاثاً؛ مبالغةً في التَّثبت.
وقيل في تلك الغطات الثلاث إشارة إلى ثلاث شدائد يبتلى بها أوَّلاً، ثم يأتي الفرج والسرور:
الأولى: ما لقيه هو صلعم وأصحابه من شدَّة الجوع حتى تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم، ولا يصلوا إليهم. والثانية: ما لقوا من الخوفِ والإيعاد بالقتلِ. والثالثة: ما كقُوْةُ من الإجلاءِ عن الوطن والهجرةِ من حرم إبراهيم ◙.
وقيل: الغطَّة الأولى: ليتخلى عن الدُّنيا، والثانية: ليتفرَّغ لما يُوحى إليه، والثالثة: للمؤانسة.
وعدَّ بعضهم ذلك من خصائصه صلعم ، إذ لم ينقلْ عن أحدٍ من الأنبياء ‰ أنَّه جرى له عند ابتداء الوحي مثله. ويُستفاد منه: الحضُّ على التعليم ثلاثاً بما فيه مشقَّة كما فتل الشارع أُذُن ابن عباس ☻ في إدارتهِ عن يمينه في الصَّلاة.
وقد انتزعَ منه شُريح القاضي: أن لا يضرب الصَّبي على القرآن إلا ثلاثاً؛ لما غطَّ جبريل محمداً ♂ ثلاثاً. /
وفيه أيضاً: أنَّه ينبغي للمعلِّم أن يحتاطَ في تنبيه المتعلِّم، والإحضار بمجامعِ قلبه.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}) أي: كلَّ شيءٍ فهو من قبيل يعطي ويمنع، وقدَّم الفعل؛ لكون الأمر بالقراءةِ أهم وهو أمر بإيجاد القراءة مطلقاً لا يختص بمقروء دون مقروء. وقوله: {بِاسْمِ رَبِّكَ} حال؛ أي: مفتتحاً باسم ربك؛ أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ اقرأ.
قال الطِّيبي: وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كلِّ قراءة، فتكون قراءتها مأمورة في ابتداءِ هذه السورة أيضاً. انتهى.
وقال السُّهيلي في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:1] دليل على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنَّه أمر مبهم لم يتبين بأي اسم من أسمائه يستفتح، حتَّى جاء البيان في قوله: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود:41]، ثمَّ في قوله: {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30].
ثمَّ بعد ذلك كان ينزلُ جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم مع كلِّ سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصَّحابة على ذلك، وحين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم سبَّحت الجبال، فقالت قريش: سحر محمد الجبال. ذكره النقّاش في ((تفسيره)).
ولا يخفى عليك أنَّه لا يلزم من ذلك الوجوب، بل يجوز أن يكون الأمر على وجه النَّدب والاستحباب لأجل التبرك في ابتداء القراءة، وما ذكر النقاش في ((تفسيره)) فقد تكلّموا فيه.
وقوله: {الَّذِي خَلَقَ} وصف مُشعر بعلِّية الخلق للأمر بالقراءةِ، والإطلاق في {خَلَقَ} أولاً وجعله توطئة لقوله: ({خَلَقَ الإِنْسَانَ}) إيذان بأنَّ الإنسان أشرف المخلوقات ({مِنْ عَلَقٍ}) [العلق:2]: بتحريك اللام هو الدم الغليظ، والقطعة منه: علقة، وإنَّما جمع قوله: {مِنْ عَلَقٍ} ولم يقلْ من علقة؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع ({اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العلق:3]) أي: الزائد في الكرم على كلِّ كريم، فإنَّه ينعم بلا غرض، ويحكم من غير تخوّف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} أي: الخط بالقلم، وقد قرئ به، وذلك ليقيِّد به العلوم، ويعلِّم به البعيد {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5] بخلق القوى ونصب الدَّلائل، وإنزال الآيات، فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئاً، وقد عدَّد سبحانه وتعالى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه؛ إظهاراً لما أنعم عليه من نقله من أخسِّ المراتب إلى أعلاها، تقريراً لربوبيته، وتحقيقاً لأكرميته، وأشار أولاً إلى ما يدلُّ على معرفته عقلاً، ثم نبَّه على ما يدلُّ سمعاً.
وقال السُّهيلي: في معنى قوله تعالى: {اقْرَأْ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} أي: لا تقرأ بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربِّك وإعانته، فهو يعلِّمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدَّم ومغمز الشَّيطان في الصِّغر، وعلَّم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمِّية.
وفيه دليل للجمهور أنَّ سورة اقرأ أوَّل ما نزل من القرآن وروى الحافظ أبو عَمرو الداني من حديث ابن عباس ☻ : ((أوَّل ما نزل من الله خمس آيات {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ})) [العلق:1-5].
وفي ((المرسل)): ((أوَّل ما نزل من القرآن هذه السورة في نمط، فلمَّا بلغ جبريل هذا / الموضع {مَا لَمْ يَعْلَمْ} طوى النَّمط)). ومن ثَمَّة قال الفراء: إنَّه وقف تامٌّ.
وقال السَّخاوي: ذهبت عائشة ♦ والأكثرون إلى أنَّ أول ما نزل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5] ثمَّ {ن وَالْقَلَمِ} إلى قوله: {وَيُبْصِرُونَ} [القلم:5]، و{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] و{الضُّحَى} [الضحى:1] ثم نزل باقي سورة {اقْرَأْ}.
وذكر ابن العربي عن ابن كريب قال: وجدنا في كتاب ابن عباس ☻ : أول ما نزل من القرآن بمكة {اقْرَأْ} و{اللَّيْلِ} و{ن} و{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} و{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} و{تَبَّتْ} و{إذا الشَّمْسُ} و{الأَعْلَى} و{الضُّحَى} و{أَلَمْ نَشْرَح} و{الْعَصْرِ} و{الْعَادِيَاتِ} و{الْكَوْثَر} و{التَّكَاثُرْ} و{التِّيْنِ} (2) ثمَّ {الْفَلَق} ثمَّ {النَّاس} ثمَّ ذكر سوراً كثيرة، ونزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة، وسائرها بمكَّة. وكذلك يروى عن ابن الزَّبير.
وقول من قال: إنَّ أوَّل ما نزل {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} عملاً بالرواية الآتية في الباب محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي.
وأبعدَ من قال: إنَّ أوَّل ما نزل الفاتحة، بل هو شاذٌّ. وجمع بعضهم بين القولين الأوَّلين بأن قال: يمكن أن يقال: أوَّل ما نزل من التَّنزيل في تنبيه الله على صفةِ خلقه {اقْرَأْ } وأول ما نزل من الأمر بالإنذار {يا أيُّها المدَّثِّر}.
فائدة: قيل: إنَّ مثل قوله ◙: ((ما أنا بقارئ)) لا يفيدُ الاختصاص البتَّة، بل قد يكون مفيداً للتَّقوية والتَّأكيد، فالمعنى: لست بقارئ البتَّة، وهو الظَّاهر والمناسب للمقام، وهو يستدعي أن يكون حكم المخاطب مشوباً بصوابٍ وخطأ، فيُرَدَّ خطأه إلى الصَّواب، فأين هذا من جبريل ◙؟ وأجيب عنه: بأنَّه لمَّا سمع منه {اقْرَأْ} [العلق:1] تصوَّر أنَّه اعتقدَ أنَّ حكمه ليس كحكم سائر الناس في أنَّ حصول القراءة والتَّمكن منها إنما هو بطريق التَّعلم والتعليم، ومدارسةِ الكتب، فردَّه بقوله: ((ما أنا بقارئ)) أي: حكمِي كحكم سائر الناس في أنَّ حصول القراءة إنَّما هو بالتعلُّم وعدمه بعدمه، ولذلك أخذه وغطَّه مراراً؛ ليخرجه من حكم سائر النَّاس ويستفرغ عنه البشريَّة ويفرغ فيه من الصِّفات الملكيَّة، فحينئذٍ يعلم معنى اقرأ، ويخاطب بقوله: {اقْرَأْ}.
ففي المقروء أيضاً إشارة إلى ردِّ ما تصوَّره من أن القراءةَ إنَّما تتيسَّر بطريق التعلُّم فقط، بل هي كما تحصل من التَّعليم بواسطة المعلِّم كذلك تحصل بتعليمِ الله تعالى / بلا واسطة، فقوله: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق:4] إشارة إلى العلم التعليمي، وقوله: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5] إشارة إلى العلم اللَّدنِّي.
(فَرَجَعَ بِهَا) أي: بالآيات، وهو قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَم} (رَسُولُ اللَّهِ صلعم ) أي: إلى أهله حال كونه (يَرْجُفُ) بضم الجيم؛ أي: يخفق ويضطرب، والرَّجفان: شدة الحركة والاضطراب (فُؤَادُهُ) أي: قلبه، أو باطن قلبه، وقيل: غشاؤه.
وقال اللَّيث: القلب مضغة من الفؤاد معلَّقة بالنِّياط، سمِّي قلباً؛ لتقلُّبه. وفي رواية مسلم: ((بَوَادره)) بفتح الباء الموحدة، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، ترجف عند الفزع، وذلك الرَّجفان؛ لِما فجئه من الأمر المخالف للعادةِ والمألوف، فنفر طبعه البشري، وهاله ذلك، ولم يتمكَّن من التأمُّل في تلك الحالةِ؛ لأنَّ النُّبوة لا تزيل الطِّباع البشريَّة كلَّها.
(فَدَخَلَ) صلعم (عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ) أمِّ المؤمنين (♦) وقد أَلِف تأنيسها له (فَقَالَ) صلعم (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) بكسر الميم في كِليهما، من التَّزميل وهو التَّلفيف، والتَّزمل: التلفُّف والاشتمال، ومثله التَّدثُّرَ.
ويقال لكلِّ ما يلقى على الثوب الَّذي يلي الجسد دِثار، كما يقال للثَّوب الَّذي يليه شعار، وإنَّما قال ذلك؛ لشدَّة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جاريةٌ بسكون الرَّعدة بالتَّلفيف.
(فَزَمَّلُوهُ) أي: زمَّله أهله، ومنهم خديجة ♦ (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الراء؛ أي: الفزع.
وقال الهرويُّ: وبالضم موضع الفزعِ والخوف من القلب.
(فَقَالَ) صلعم (لِخَدِيجَةَ) ♦ (وَ) قد (أَخْبَرَهَا الْخَبَرَ) فهي جملة حاليَّة، والخبر: مجيء الملك والغط ِّ...إلى آخره (لَقَدْ) أي: والله لقد (خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) قد اختلف العلماء في الخشية الَّتي خشيها رسول الله صلعم على نفسه على اثني عشر قولاً:
الأول: أنَّه خاف من الجنون، وأن يكون ما رآه من جنِّ الكهانة، وجاء ذلك في عدَّة طرق، وأبطلَه أبو بكر ابن العربي، وإنَّه لجدير بالإبطال.
الثاني: أنَّه خاف أن يكون هاجساً، وهو الخاطر بالبال، وهو أن يحدِّث نفسه ويجد في صدرهِ مثل الوسواس، وأبطلوا هذا أيضاً بأنَّه لا يستقر، وهذا استقرَّ، وحصلتْ بينهما المراجفة.
الثالث: أنَّه خاف من الموت؛ من شدَّة الرُّعب.
الرابع: أنَّه خاف أنَّه لا يقوى على مقاومة هذا / الأمر، ولا يطيق حمل أعباء الوحي.
الخامس: العجزُ عن النظر إلى الملك، فخاف أن تزهقَ نفسه، وينخلعَ قلبه؛ لشدَّة ما لقيه من الرُّعب عند لقائه.
السادس: أنَّه خاف من عدم الصَّبر على أذى قومه.
السابع: أنَّه خاف من قومه أن يقتلوه، حكاه السُّهيلي، ولا غرو أنَّه بشر يخشى من القتل والأذى ثمَّ يهوِّنُ عليه الصَّبر في ذات الله كلَّ خشية، ويجلبُ إلى قلبه كلَّ شجاعة وقوَّة.
الثامن: أنَّه خاف مفارقةَ الوطن بسبب ذلك.
التاسع: ما ذهبَ إليه أبو بكر الإسماعيلي أنَّها كانت منه قبل أن يحصلَ له العلم الضَّروري بأن الَّذي جاءه ملك من عند الله تعالى، وكان أشقَّ شيءٍ عليه أنْ يقال عنه شيء.
العاشر: أنَّه خاف من وقوعِ النَّاس فيه.
الحادي عشر: ما قاله ابن أبي جمرة: أنَّ خشيته كانت من الوعك الذي أصابه من قبل الملك.
الثاني عشر: أنَّها الخشية التي حصلت له على غير مواطأة بغتة، كما يحصل للبشر إذا دَهمه أمر لم يعهدْه.
وتلخيص هذه الأقوال: أنَّ المراد بالخشية إما الجنون، أو الهاجس، أو الموت من شدَّة الرعب، أو المرض، أو دوام المرض، أو العجز عن حمل أعباء النُّبوة، أو العجز عن النَّظر إلى الملك من الرُّعب، أو عدم الصَّبر على أذى قومه، أو قتل قومه إيَّاه، أو مفارقة الوطن، أو تكذيبهم إيَّاه، أو تغييرهم إيَّاه.
قال الحافظ العسقلاني: وأَولى هذه الأقوال بالصَّواب وأسلمها من الارتياب: الثالث والثاني، وما عداهما فهو معترض.
وأقول: الظاهر من بين هذه الأقوال هو الثالث أو الرابع، فتأمل(3) .
والأظهر بحسب الرواية: أنَّ المراد شبه الجنون؛ لمِا روى صاحب ((الغريبين)) في باب العين والدال والميم: أنَّ رسول الله صلعم قال لخديجة ♦: ((أظنُّ أنه عرض لي شبه جنون)) فقالت: كلا...إلى آخره.
وقال القاضي عياض: كان هذا الخوف أول ما رأى التَّباشير في النوم واليقظة، وسمع الصَّوت قبل لقاء الملك، وتحقُّق رسالة ربِّه، فقد خاف أن يكون من الشَّيطان، فأمَّا بعد أن جاءهُ الملك بالرِّسالة؛ فلا يجوز الشَّك عليه فيه، ولا يخشى تسلُّط الشَّيطان عليه.
وقال النَّووي: هذا ضعيف؛ لأنَّه خلاف صريح الحديث، فإنَّ هذا كان بعد غطِّ الملك وإتيانه بـ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} قال: إلَّا أن يكون معنى خشيتُ على نفسي أنَّه يُخبرها بما حصل له أوَّلاً من الخوف، لا أنَّه خائفٌ في حال الإخبار. انتهى.
أقول: وهو ضعيفٌ أيضاً لقوله: ((زملوني زملوني)) على ما تقدَّم.
ثم إنَّه صلعم أكدَّ كلامه بالقسم، وكلمة قد تنبيهاً على تمكُّن الخشية في قلبه المقدس، / وخوفه على نفسه الشريفة، فأجابت خديجة ♦ أيضاً بكلام فيه قسم وتأكيدٌ بإنَّ واللَّام، وصورة الجملة الاسميَّة (4) ؛ إزالة لدهشتهِ وحيرته صلعم .
(فَقَالَتْ) له ◙ (خَدِيجَةُ) ♦، وفي رواية: <قالَت> بدون الفاء (كَلاَّ) معناه النفي والإبعاد، والرَّدع عن ذلك الكلام، والمراد هنا: التبرئة عنه؛ أي: لا تقل ذلك أو لا خوف عليك.
(وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً) بضم الياء آخر الحروف وبالخاء المعجمة من الخزي وهو الفضيحة والهوان؛ أي: ما يفضحك الله ولا يُهينك.
وأصل الخزي على ما ذكره ابن سِيْدَه: الوقوع في بليَّةٍ وشهرة بذلَّة، وأخزى الله فلاناً: أبعده. وفي رواية مسلم من طريق معمر عن الزُّهري: ((يحزنك)) بالحاء المهملة وبالنون، من الحزن، ويجوز على هذا فتح الياء وضمُّها، يقال: حزنه وأحزنه، لغتان فصيحتان قرئ بهما في السَّبع.
وقيل: أحزنه: لغة تميم، وحزنه: لغة قريش، قال الله تعالى حكاية عن يوسف ◙: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} [يوسف:13].
ثمَّ الحُزْن والحَزَن، بضم المهملة وسكون الزاي في الأول، وفتحهما في الثاني خلاف السُّرور، يقال: حزِن _بالكسر_ حزناً إذا اغتمَّ، وحزنه غيره وأحزنه، مثل: شكله وأشكله.
وحُكيَ عن أبي عَمرو أنَّه قال: إذا جاء الحزن في موضع نصب فتح، وإذا جاءَ في موضع رفع وجر ضم، وقرأ قوله تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف:84]، وقوله تعالى: {تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً} [التوبة:92].
وقال الخطَّابي: وأكثر الناس لا يفرقون بين الهمِّ والحُزن، وهما على اختلافهما يتقاربان في المعنى إلَّا أنَّ الحُزن إنَّما يكون على أمرٍ قد وقع، والهمَّ إنَّما هو فيما يُتوقع.
ولمَّا أثبتت خديجة ♦ القول بانتفاء الخِزي عنه صلعم ، وأقسمت عليه انطوى ذلك على اعتقادها أنَّ ذلك بسبب عظيم، فقدَّرت السؤال عن ذلك السَّبب، فأجابت بقولها مؤكَّداً بإنَّ واللَّام؛ اهتماماً بشأن الكلام.
(إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء (لَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: تُحسن إلى قراباتك، والرَّحِمُ: القرابة، وكذلك الرِّحم بكسر الراء، وصلة الرَّحم: الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول إليه، فتارة تكون بالمال، وتارةً بالخدمة، وتارةً بالزِّيارة والسَّلام وغير ذلك.
(وَتَحْمِلُ) بفتح التاء المثناة الفوقيَّة (الْكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام وأصله: الثِّقْل _بكسر المثلثة وسكون القاف_ ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} [النحل:76]، وأصله من الكَلالِ، وهو الإعياء؛ أي: ترفع الثقل.
وأرادت هنا: / إنك تُعين الضَّعيف المنقطع، ويدخل في حمل الكَلِّ الإنفاق على الضَّعيف واليتيم والعيال وغير ذلك؛ لأنَّ الكَلَّ من لا يستقلَّ بأمره. وقال الدَّاودي: الكَلُّ: المنقطع.
(وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح المثناة الفوقية، كما هو المشهور الصَّحيح في الرواية، والمعروف في اللَّغة. وروي بضم التاء أيضاً، ومعنى المضموم: تُكسِب أنت غيرك المال المعدوم؛ أي: تعطيه المال المعدوم تبرعاً، فحذف أحد المفعولين، أو معناه: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق.
وأما معنى المفتوح فقيل: إنه كمعنى المضموم أيضاً، فإنَّ كسب كما يتعدَّى إلى واحد نحو: كسبت المال، يتعدى إلى اثنين أيضاً نحو: كسبت غيري المال، كما يقال: أكسبته مالاً، قيل: والأول أفصح وأشهر.
ومنع القزاز الثاني، وقال: إنه حرف نادر، وأنشد على الثاني:
وأكسبنِي مالاً وأكسبتُهُ حمداً
وقول الآخر:
يعاتبنِي في الدِّين قومِي وإنَّما ذنوبِي في أشياء تَكسبهم حمدا
روي بفتح التاء وضمها.
وقيل: معناه: تكسبُ المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيلهِ، وكانت العرب تتمادحُ بذلك سيما قريش.
قال أعرابي يمدح إنساناً: كان أكسبهم للمعدومِ وأعطاهم للمحروم.
وأنشد في وصف ذئب:
كسوبٌ كذا المعدوم من كسبٍ واحدٍ
أي: ما يكسبه وحدَه.
وكان النَّبي صلعم قبل البعثة محظوظاً في تجارته.
وضعَّفه النَّووي بأنَّه لا معنى لهذا القول في هذا الموطن إلَّا أن يضمَّ إليه أنَّه كان يجود به، وينفقه في وجوه المَكْرُمات، فيكون معناه: أنت تكسب وتحصِّل ما يعجز غيرك عن تحصيلهِ، ثمَّ تجودُ به وتنفقه في وجوهِ المَكْرُمات، هذا الذي ذُكر على تقدير كون المعدوم بمعنى غير الموجود.
وأما إذا كان عبارة عن الرَّجل المحتاج العاجز عن الكسب، وسمَّاه معدوماً؛ لكونه كالميت حيث لم يتصرَّف في المعيشة؛ فمعناه على تعدِّي الكسب إلى مفعولين: تعطي العائل وترفده ما تعطيه من المال أو من مكارم الأخلاق، فحذفَ أحد المفعولين؛ تنويهاً وتفخيماً لشأن ما يُعطيه بحيث يعجز اللسان عن بيانه، وعلى تعدِّيه إلى مفعولٍ واحد معناه: يستفيد العاجز بإعانته.
والكسب: هو الاستفادةُ؛ أي: كما يرغب غيرك أنْ يستفيد مالاً ترغب أنت أن تستفيدَ عاجزاً تعاونه، فهذه معانٍ خمسة لهذا الأقوال، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ الخطَّابي قال: / صوابه: المُعدم، بلا واو؛ لأنَّ المعدوم لا يدخلُ تحت الأفعال يريد بذلك أنَّ المُعدوم لا يكسب، وقد عرفت توجيهه وتوجيه إطلاق المعدوم على المعدم.
وقال التيميُّ: لم يصب الخطَّابي، إذ حكم على اللَّفظة الصَّحيحة بالخطأ، فإنَّ ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرُّواة لا يكون خطأ.
هذا (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح التاء، تقول: قريت الضيف أُقريه، من باب رمى يرمي، قِرَىً: بكسر القاف والقصر، وقراء: بفتح القاف والمد، ويقال للطعام الَّذي تضيفه به قِرى: بالكسر والقصر، وفاعله قارٍ كقضى فهو قاضٍ (وَتُعِينُ) بضم التاء، من الإعانةِ (عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) النَّوائب: جمع نائبة وهي الحادثة والنازلة خيراً أو شرَّاً، تقول: ثاب الأمر نزل، وإنَّما قال: نوائب الحق؛ لأنها تكون في الحق والباطل. قال لبيد ☺:
نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشرُّ لازب
وهي كلمة جامعةٌ لأفراد ما تقدَّم ولِما لم يتقدَّم.
وفي رواية المصنِّف في التفسير زيادةٌ هي قولها: ((وتصدُق الحديث)) [خ¦4953]، وذكره مسلم أيضاً وهو من أشرف خصاله صلعم .
وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصة زيادة قولها: ((وتؤدِّي الأمانة)) فمعنى كلام خديجة ♦: أنَّك لن يصيبك مكروه؛ لِما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق، ومحاسن الصِّفات.
وفيه أبلغُ دليل على كمال خديجة ♦، وجزالة رأيها، وقوَّة نفسها، وعِظم فقهها، حيث استدلَّت على ما أقسمت عليه من نفي الخزي أبداً بأمر استقرائي، ووصفته بأصول مكارم الأخلاق وأمَّهاتها؛ لأن الإحسان إمَّا إلى الأقارب، وإمَّا إلى الأجانب، وإمَّا بالبدن، وإمَّا بالمال، وإمَّا على من يستقلَّ بأمره، وإمَّا على غيره، وذلك كلُّه مجموعٌ فيما وصفته صلعم به.
ويستفادُ من هذا: أنَّ مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسَّلامة من مصارعِ السُّوء والمكاره، فمن كثر خيره حسنت عاقبته، ويُرجى له سلامة الدِّين والدُّنيا، وأنَّ من نزل به أمر استحبَّ له أن يُطلِع عليه من يثق بنصيحته وصحَّة رأيه، وأنَّه يستحبُّ تأنيس من نزل به أمر، ودهشه خوف، وتبشيره وتيسير أمره، وتهوينه لديه بذكر أسباب السلامة له. وأنَّه يجوز / مدحُ الإنسان في وجهه؛ لمصلحة.
ولا يعارضُه قوله صلعم : ((أحثوا في وجوهِ المدَّاحين التُّراب))؛ لأنَّ هذا فيما هو مدحٌ بباطل، أو يؤدِّي إلى باطل.
وأنَّ المجيب يقيم الدَّليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام.
(فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ) أي: مضت ♦ معه صلعم ؛ لأنَّ الفعل اللَّازم إذا عدِّي بالباء يلزم منه المصاحبة، فمعنى قولك: ذهب زيد بعمرو، ذهبا معاً، بخلاف أذهبته.
(حَتَّى أَتَتْ) ♦ (بِهِ) صلعم (وَرَقَةَ) بفتح الراء (بْنَ نَوْفَلِ) بفتح النون والفاء (بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى) وسيجيء ما يتعلَّق بأنَّه مؤمن أَوْ لا (ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ) ♦.
قال النَّووي: هو بنصب ابن، ويكتب بالألف؛ لأنه بدل من ورقة، أو صفة، أو بيان له، فإنه هو ابنُ عمِّ خديجة؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسد وهو ورقة بن نوفل ابن أسد، ولا يجوزُ جَرُّ ابن؛ لأنَّه حينئذٍ يصير صفة لعبد العزَّى، وهو غير صحيح، ولا كتابته بدون الألف؛ لعدم وقوعه بين العلمين.
(وَكَانَ) أي: ورقة (امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ) وفي رواية بحذف <قد>؛ أي: صار نصرانياً، وترك عبادة الأوثان، وفارق طريقَ الجاهليَّة، وهي المدَّة التي كانت قبل نبوَّة رسول الله صلعم لِما كانوا عليه فيها من فاحش الجهالات.
وقيل: هو زمانُ الفترة مطلقاً، وإنَّما تنصَّر؛ لأنَّه خرج هو وزيد بن عَمرو بن نُفيل _لمَّا كرها طريق الجاهليَّة_ إلى الشام وغيرها يسألون عن الدِّين، فأَعْجَبَ ورقةُ النصرانيَّةَ للُقيِّه من لم يبدِّل شريعة عيسى ◙.
(وَكَانَ) ورقة أيضاً (يَكْتُبُ الْكِتَابَ) هو مصدر بمعنى الكتابة، ويجوز أن يكون اسماً كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:2] (الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ) أي: بالكتابة العبرانيَّة (مَا شَاءَ اللَّهُ) أي: الَّذي شاء الله (أَنْ يَكْتُبَ) أي: كتابته فحذف العائد، وفي رواية يونس ومعمر: ((ويكتب من الإنجيل بالعربية)) وعند مسلم: ((فكان يكتب الكتاب العربي)) والجميع صحيحٌ؛ لأنَّ ورقةَ كان يعلم اللِّسان العبراني، والكتابة العبرانيَّة، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي؛ لتمكُّنه من الكتابتين واللِّسانين.
فلا يُفهم منه أن الإنجيل عبراني، بل يكاد يستفاد منه أنَّه ليس بعبراني؛ لأن الباء في قوله: ((بالعبرانية)) تتعلَّق بقوله: ((فيكتب))، فسقط ما قاله الكرماني، فَهِمَ منه أنَّ الإنجيل عبراني، فافهم.
وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأنَّ حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسراً كتيسُّر حفظ / القرآن الذي خُصَّت به هذه الأمة، فلهذا جاء في صفتها: ((أناجيلها صدورها)).
والعِبراني: بكسر العين، نسبة إلى العِبْر _بكسر المهملة وسكون الموحدة_ وزيدت الألف والنون في النسبة على غير القياس.
قال محمد بن جرير: إنما نطق بالعبرانيَّة إبراهيم ◙ حين عبر الفرات فارًّا من النُّمروذ، وقد كان النُّمروذ قال للذين أرسلهم خَلفَه: إذا وجدتم فتى يتكلَّم بالسِّريانيَّة فردُّوه، فلمَّا أدركوه استنطقوه، فحوَّل الله تعالى لسانه عبرانيَّاً، وذلك حين العبور، فسمِّيت العبرانيَّة لذلك.
وفي ((العباب)): والعبريَّة والعبرانيَّة: لغة اليهود. وقال التيميُّ: الكلام العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما. وليس كذلك بل التوراة عبرانيَّة، والإنجيل سرياني، والزَّبور يوناني، والقرآن عربي، على ما في ((شرح المقاصد)).
فعلى هذا كان ورقة عالماً بالألسن الثلاثة حيث ينقل السِّريانيَّة إلى العبرانية والعربية، وكان آدم ◙ يتكلَّم باللُّغة السريانيَّة، وكذلك أولاده من الأنبياء ‰ وغيرهم، غير أنَّ إبراهيم ◙ حُولت لغته إلى العبرانيَّة حين عبر الفرات، كما مرَّ آنفاً.
وأمَّا عربية إسماعيل ◙، فإنَّه يتكلم باللغة العربية، فقيل: لأنه تعلَّم لغة العرب من جُرْهُم حين تزوج امرأة منهم، ولهذا يَعدُّونه من العرب المستعربة لا العاربة.
وقيل: إنَّ أول من وضع الكتاب العبراني والسرياني والكتب كلها آدم ◙؛ لأنَّه كان يعلم جميع اللغات، وكتبها في الطِّين وطَبَخَهُ فلما أصاب الأرض الغرق أصاب كل قوم كتابتهم، فكان إسماعيل ◙ أصاب كتاب العرب، وممن كان يتكلم باللغة العربية من الأنبياء ‰ صالح، وقيل: شعيب أيضاً ♂، وقيل: كان آدم ◙ يتكلم بالعربية فلما نزل إلى الأرض حُوَّلَت لغته إلى السريانية.
وعن ابن عبَّاس ☻ : لمَّا تاب الله عليه، ردَّ عليه العربيَّة.
وعن سفيان: ما نزل وحي من السماء إلَّا بالعربيَّة، فكانت الأنبياء ‰ تترجمه لقومه.
وعن كعب: أوَّل من نطق بالعربية جبريل ◙ وهو الذي ألقاها على لسان نوح ◙، فألقاها نوح ◙ على لسان ابنه سام، وهو أبو العرب.
وأمَّا السريانيَّة فإنما سُمِّيت بذلك على ما قاله ابن سلام؛ لأن الله تعالى حين علَّم آدم الأسماء / علَّمه سرًّا من الملائكة، وأنطقه بها حينئذٍ.
وفي ((تاريخ)) محمود العيني: أن الطِّفل إذا وُلِد ولم يُتكلَّم عنده حتى بلغ حدَّ التكلُّم فتكلم، تكلِّم بالسريانية، والله تعالى أعلم.
(وَكَانَ) ورقة (شَيْخاً كَبِيراً) حال كونه (قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) ♦ عطف على قوله: أتت، وما بينهما جمل معترضةٌ (يَا ابْنَ عَمِّ) وفي رواية لمسلم: ((يا عم)) وكلاهما صحيح من حيث الدِّراية، أمَّا الأول: فلأنَّه ابن عمِّها حقيقة، وأمَّا الثاني: فلأنَّها سمَّته عمَّها مجازاً؛ للاحترام، وهذه عادة العرب يخاطب الصَّغير الكبير: بيا عم؛ احتراماً له، ورفعاً لمرتبتهِ.
وأمَّا من حيث الرِّواية:
فقال الحافظ العسقلاني: لا يصحُّ، بل هو وَهَم؛ لأنَّ القصَّة لم تتعدَّد، ومخرجها متَّحد، فلا يحمل على أنَّها قالت ذلك مرتين، فتعيَّن الحمل على الأول، وإنَّما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي؛ لأنَّه من كلام الرَّاوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج، فأمكن التعدُّد، وهذا الحكم يَطَّرِدُ في جميع ما أشبهه.
وقال محمود العيني: كون القصة متَّحدة لا ينافي التكلم باللَّفظين.
وأقول: نعم، لكنه خلاف الظاهر جداً.
(اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ) تعني النَّبي صلعم ؛ لأنَّ الأب الثالث لورقة هو الأخ الرابع لرسول الله صلعم كأنَّها قالت: ابن أخي جدك، أو جعلته عماً لرسول الله صلعم أيضاً؛ احتراماً له على سبيل التجوُّز، وفي ذكر لفظ الأخ استعطاف.
وفيه إرشاد إلى أنَّ صاحب الحاجة يقدَّم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، فإن خديجة ♦ أقرب إلى ورقة من رسول الله صلعم ، فإنها بنت عمِّه خويلد بن أسد، ومرادها بذلك الكلام: أن يتأهَّب لسماع كلام النبي صلعم ؛ تعظيماً له صلعم .
(فَقَالَ لَهُ) ◙ (وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟) وفيه وجوه ستة ذَكَرَهُ أهل النحو (5) في قولهم: ماذا صنعت؟ (فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلعم خَبَرَ مَا رَأَى) وفي رواية: <بخبر ما رأى> (فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ) أي: الملك الذي ذكرته في خبرك، ونزَّله منزلة القريب؛ لقرب ذكره.
(النَّامُوسُ) بالنون والسين المهملة، وهو صاحب السِّرِّ، كما ذكره البخاري في أحاديث الأنبياء ‰ [خ¦3392]. قال صاحب ((المجمل)) وأبو عبيد في ((غريبه)): ناموس الرَّجل صاحب سرِّه. وقال ابن سيده: الناموس: السِّرُّ. وقال صاحب ((الغريبين)): / هو صاحبُ سرِّ الوحي، وقيل: إنَّ الناموس والجاسوس بمعنى واحد، وبمعناهما الحاسوس بالمهملة.
وقال ابن ظفر في ((شرح المقامات)): صاحب سرِّ الخير ناموس، وصاحب سرِّ الشرِّ جاسوس.
وقال بعضُ أهل اللغة: الجاسوس بالمعجمة الباحث عن عورات الناس، وبالمهملة المستمع لحديث القوم، والمراد بالنَّاموس هنا: جبريل ◙، وأهل الكتاب يسمُّونه النَّاموس الأكبر.
يقال: نمَسته _بالفتح_ أنمِسه _بالكسر_ نمساً؛ أي: كتمته كتماً، ونامسته؛ أي: ساررتُه، وسمي جبريل بذلك؛ لأنَّ الله تعالى خصَّه بالوحي والغيب.
(الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ) وفي رواية: <أنزل الله>. وفي التفسير: ((أُنزل)) [خ¦4953] على بناء المجهول، والفرق بين التنزيل والإنزال: أنَّ الأول يستعمل في تنزيل الشيء دفعة بعد دفعة، وقتاً بعد وقت.
والثاني: يستعمل في إنزال الشيء دفعة واحدة، ولذلك قال الله تعالى في حق التوراة والإنجيل: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران:3] وفي حقِّ القرآن: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران:3].
فإن قلت: كيف ذلك وقد قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] ؟.
فالجواب: أن معناه: أنزلناه من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدُّنيا دفعة واحدة، ثمَّ نُزِّلَ على رسولنا صلعم من بيت العزة في عشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث.
(عَلَى مُوسَى) وزِيدَ في رواية: < صلعم > هكذا وقع: على موسى، في ((الصحيحين)) وجاء في غير الصحيح: ((على عيسى)) وكلاهما صحيح. أمَّا عيسى؛ فلقرب زمانه ◙ مع كون ورقة قد تنصَّر، وأمَّا موسى؛ فلأنَّ كتابه ◙ مشتملٌ على الأحكام ككتاب نبينا صلعم ، بخلاف كتاب عيسى ◙، فإنَّه كان أمثالاً ومواعظ.
وهذا هو السِّرُّ أيضاً في تخصيص ورقة موسى ◙ بالذِّكر دون سائر الأنبياء ‰. وقيل: ذكر موسى ◙؛ تحقيقاً للرِّسالة؛ لأنَّ نزوله على موسى ◙ متفق عليه بين اليهود والنصارى، بخلاف عيسى ◙، فإنَّ بعض اليهود ينكرون نبوَّته.
وقال الحافظ العسقلاني: أو لأنَّ موسى ◙ بعث بالنِّقمة على فرعون ومن معه، وكذلك وقعت النِّقمة على يد النَّبي صلعم بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن هشام، ومن معه ببدر، بخلاف عيسى ◙.
وتعقَّبه محمود العيني: بأنَّ ورقة ما كان يعلم بوقوع النِّقمة بأبي جهل في ذلك الوقت، كما كان يعلم بوقوع النِّقمة بفرعون على يد موسى ◙، حتى يذكر موسى ويترك عيسى ♂.
وقال السُّهيلي: إنَّ ورقة كان قد تنصَّر، والنصارى لا يقولون في عيسى أنَّه نبيٌّ يأتيه جبريل ◙، وإنما يقولون أنَّ أقنوماً من الأقانيم الثلاثة / اللَّاهوتيَّة حلَّ بناسوت المسيح على اختلاف بينهم في ذلك الحلول، وهو أقنومُ الكلمة، والكلمة عندهم عبارة عن العلم، فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب، ويخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب، فلما كان هذا مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى ◙؛ لعلمه واعتقاده أنَّ جبريل ◙ كان ينزلُ على موسى ◙.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني ومحمود العيني: بأنَّه لا يعرِّج عليه في حقِّ ورقة وأشباهه ممَّن لم يدخل في التبديل، أو أخذ عمَّن لم يبدِّل على أنَّه قد روي مرَّة: ((ناموس موسى)) ومرَّة: ((ناموس عيسى)). فقد روى أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) بإسناد حسن إلى هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصة: أن خديجة ♦ أوَّلاً أتت ابن عمها ورقة، فأخبرته الخبر فقال: ((لئن كنتِ صدقتِني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم)).
وروى الزبير بن بكَّار أيضاً من طريق عبد لله بن معاذ _وإن كان هو ضعيفاً_ عن الزهري في هذه القصة أنَّ ورقة قال: ((ناموس عيسى)) فعلى هذا كان ورقة يقول تارة ناموس عيسى، وتارة ناموس موسى، فعند إخبار خديجة ♦ له بالقصة قال لها: ((ناموس عيسى)) بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبي صلعم قال له: ((ناموس موسى)) للمناسبة التي تقدَّمت، فالكلُّ صحيح، والله أعلم.
(يَا لَيْتَنِي) قال أبو البقاء: فيه حذف، والتقدير: يا محمد، والأصل فيه: أن (يا) إذا وليها ما لا يصلح للنِّداء كالفعل في مثل قوله تعالى: {ألا يا اسجدوا} [النمل:25] على قراءة من خفَّف ألا، أو الحرف كقوله: يا ليتني، أو الجملة الاسمية كما في قوله: يا لعنة الله والأقوام كلهم، فقيل: هي للنِّداء، والمنادى محذوف، وقيل: لمجرَّد التنبيه.
وتعقَّبه ابن مالك في ((الشواهد)): بأن قائل ليتني قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى كقول مريم ♀: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [مريم:23]، وبأنَّ الشيء إنَّما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادَّعى فيه حذفه مستعملاً فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر أو دعاءٍ، فإنَّه يجوز حذفه؛ لكثرةِ ثبوته ثَمَّة، فمن مادة ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} [مريم:12]، وقبل الدعاء قوله تعالى: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف:134] ومن مادة حذفه قبل الأمر / قوله تعالى: {ألا يا اسجدوا} [النمل:25] وهي قراءة الكسائي؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا.
وقيل: الدعاء قول الشاعر:
ألا يا اسلمِي يا دارَ ميَّ على البلَا
أي: ألا يا دار، فَحَسُنَ حذف المنادى في هذه المواضع؛ كثرة ثبوته فيها، بخلاف ليت فإنَّ المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتاً، فادِّعاء حذفه باطل، فتعيَّن كون (يا) هذه لمجرَّد التنبيه مثل ألا في قوله:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة
وأجيب عنه بأنَّ دليله لا يساعد مدَّعاه.
أمَّا قوله: لأن قائل ليتني قد يكون وحده...إلى آخره؛ فظاهر الفساد؛ لأنَّه يجوز أن يجرِّد عن نفسه شخصاً، فيخاطبه كأنَّ مريم قالت: يا نفسي ليتني مت قبل هذا. وأما قوله: ولأن الشيء إنَّما يجوز حذفه؛ فظاهر البعد، إذ لا ملازمة بين جواز الحذف، وبين ثبوت استعماله في موضع هذا.
(فِيهَا) أي: في أيَّام النبوة، أو الدولة، أو الدعوة (جَذَعاً) بالذال المعجمة المفتوحة يعني شاباً قوياً حتى أبالغ في نصرتك، ويكون لي كفاية تامة لذلك، والجذع في الأصل للدَّواب، فإنه الصغير من البهائم فاستعير للإنسان.
قال ابن سِيده: قيل: الجِذَع الداخل في السنة الثانية من الغنم، وفوق الحِقِّ من الإبل، وقيل: الجذع من الإبل لأربع سنين، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لستة أشهر، والجمع جُذعان وجِذاع _بالكسر_، وزاد يونس: جُذاع _بالضم_ وأجذاع.
قال الأزهري: والدَّهر يسمَّى جَذَعاً؛ لأنَّه شاب لا يهرم. وقيل: معناه: يا ليتني أدرك أمرك فأكون أول من يقوم بنصرك كالجَذَع الذي هو أول الأسنان. قال صاحب ((المطالع)): والقول الأول أبين.
ثم إنَّ قوله: ((جَذَعاً)) روي في ((الصحيحين)) بالنصب وبالرفع، أما وجه النصب؛ فهو أنه خبر كان المقدَّرة؛ أي: ليتني أكون فيها جَذَعاً، وإليه مال الكِسائي.
وقال ابن برِّي: التقدير: ليتني جعلت فيها جذعاً، والتقدير الأول ظاهر بالنسبة إلى ما سيأتي من قرينه. وقال القاضي عياض: هو منصوب على الحال، وهو منقول عن النحاة البصرية، وخبر ليت حينئذٍ قوله: ((فيها)) والتقدير: ليتني كائن فيها حال شبيبةٍ وصحَّة وقوَّة؛ لنصرتك.
وقال الكوفيون: ليت أُعملت عمل تمنَّيت فنصبت الجزئين، كما في قول الشاعر:
يا ليتَ أيَّام الصِّبى رواجعا
وأمَّا الرفع؛ فبكونه خبر ليت، فالجار يتعلَّق حينئذٍ بما فيه من معنى الفعل كأنَّه قال: يا ليتني شابٌّ قوي فيها.
قيل: وفيه دليلٌ على جواز تمنِّي المستحيل إذا / كان في فعل خير؛ لأنَّ ورقة تمنَّى أن يعود شابًّا وهو مستحيلٌ، والظاهر أنَّ التمنِّي ليس على بابه، وإنما المراد به التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء، أو أنه على سبيل التَّحسُّر؛ لتحققه عدم عود الشباب.
(لَيْتَنِي) وفي رواية: <يا ليتني> (أَكُونُ حَيّاً إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) من مكة. قال ابن مالك: استعمل فيه (إذ) في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح، وغفل عنه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم:39] وأمثاله كثيرة في القرآن.
وقد استُعمل كل منهما في موضع الآخر نحو قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة:11] ؛ لأن الانفضاضَ واقع فيما مضى.
وتعقَّبه البُلقيني: بأنَّ النحاة لم يغفلوا عنه، بل منعوا ورودَه، وأوَّلوا ما ظاهره ذلك، وقالوا في مثل هذا: استَعمل الصيغة الدَّالة على المضي؛ لتحقُّق وقوعه، فأنزلوه منزلته.
ويقوِّي ذلك هنا: أنَّ في رواية البخاري في ((التعبير)) [خ¦6982]: ((حين يخرجك قومك)) وعند التحقيق ما ادَّعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز أيضاً، لكن مجازهم أولى؛ لِما يُبتنى عليه من إيقاع المستقبل في صورة المضي تحقيقاً لوقوعه، أو استحضاراً للصورة الآتية في هذه دون تلك، وعورض ذلك بأن التنبيه على مثل هذا ليس من وظيفتهم، وإنما هو من وظيفة أهل المعاني، فقد غفل النحويون عنه، وبأنه كيف يمنع وروده وقد ورد في القرآن في غير موضع.
وكأنَّه أراد بمنع الورود منع وروده محمولاً على حقيقته، لا على تأويل الاستقبال، والله أعلم بحقيقة الحال.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلعم : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ) بهمزة الاستفهام وواو العطف، والجملة اسميَّة مركبة من مبتدأ مؤخر هو ((هم))، وخبر مقدَّم هو ((مخرجيَّ))، وأصله مخرجون جمع مخرج من الإخراج، فلمَّا أضيف إلى ياء المتكلِّم سقطت النون وأدغمت الياء في الياء، فصار مخرجيَّ بتشديد الياء، ولا يجوز أن يكون ((مخرجي)) مبتدأ و ((هم)) خبره؛ لأن مخرجيَّ نكرة، فإن إضافته لفظية؛ لكونه اسم فاعل بمعنى الاستقبال.
ويجوز أن يكون ((مخرجيَّ)) مبتدأ، و ((هم)) فاعلاً سدَّ مسدَّ الخبر على لغة: أكلوني البراغيث.
ولو روي: مخرجيْ، بسكون الياء أو فتحها مخفَّفة على أنَّه مفرد؛ لصحَّ جعله مبتدأ، وما بعده فاعلاً سادَّاً مسدَّ الخبر من غير تأويل، من قبيل: أقائم الزيدون، وذلك سواء كان جمعاً أو مفرداً؛ / لاعتماده على حرف الاستفهام، والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر.
ومنه قول الشاعر:
أمُنجِزٌ أنتمُ وعداً وَثقتُ به أم اقتفيتُم جميعاً نهجَ عرقوبِ
والاستفهام فيه للإنكار والاستبعاد، استبعد النبي صلعم إخراجه من غير سبب؛ لأنها حَرَمُ الله تعالى، وبلد أبيه إسماعيل، ولم يكن فيه صلعم سبب يقتضي ذلك، فإنه صلعم كان جامعاً لا حاجة لها لأنواع المحاسن، وأصناف المكارم المقتضية لإكرامه وإنزاله منهم محلَّ الروح من الجسد.
فائدة نحوية: قال ابن مالك: الأصل في أمثال هذا تقديم حرف العطف على الهمزة، كما تقدم على غيرها من أدوات الاستفهام نحو قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة:28] و{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام:95] و{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير:26]، فكان ينبغي أن يقال: وأمخرجي هم؛ لأن الواو للعطف على ما قبلها من الجمل، والهمزة للاستفهام، وأداة الاستفهام جزء من الجملة الاستفهامية، والعاطف لا يتقدَّم عليه جزء من المعطوف، ولكن خُصَّت الهمزة بتقديمها على العاطف؛ تنبيهاً على أنها أصل أدوات الاستفهام، وله صدر الكلام.
وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادَّعى أنَّ بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفاً عليها.
وأجيب عنه: بأنه لم يغفل عن ذلك، وإنما ادَّعى هذه الدعوى؛ لدقَّة نظر فيه، وذلك لأن قوله: ((أو مخرجيَّ)) جواب وردَ على قوله: ((إذ يخرجك)) على سبيل الاستبعاد والتعجب، فيكون إنشاء، فكيف يجوز أن يقدّر فيه تقديم حرف العطف على الهمزة مع أن قوله: ((يخرجك)) إخبار، فأصلها: أمخرجيَّ هم بدون حرف العطف، ولكن لمَّا أريد المبالغة في الاستبعاد والتعجب، جيء بحرف العطف حتى يكون معطوفاً على مقدَّر تقديره: أَمُعَادِيَّ هم ومخرجيَّ هم، وإنكار الحذف في مثل هذا الموضع مستبعَد؛ لأنَّه من حِلية البلاغة، لا سيَّما حيث الإمارة قائمة عليه.
والدَّليل عليه هاهنا: وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يقدَّر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف ويناسبه تقريراً؛ للاستبعاد.
هذا ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون جملة الاستفهام معطوفة على جملة التمنِّي في قوله: ((ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك)) بل هذا هو الظاهر، فيكون من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأمَّا / العطف على ما في كلام الغير؛ فسائغ واقع في القرآن قال تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة:124].
(قَالَ) ورقة (نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ) بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح اللغات ظرف؛ لاستغراق ما مضى من الزمان، فيختصُّ بالنفي، واشتقاقه من قططته؛ أي: قطعته، فمعنى ما فعلته قطُّ ما فعلته فيما انقطع من عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبُنيت؛ لتضمُّنها معنى مذ وإلى؛ لأنَّ المعنى مذ أنْ خُلِقْتُ إلى الآن، وعلى حركة لِئلَّا يلتقي ساكنان، وبالضمة تشبيهاً بالغايات، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تَتْبَعُ قافُه طاءَه في الضم، وقد تخفَّف طاؤه مع ضمِّها أو إسكانها.
(بِمِثْلِ مَا جِئْتَ) بتاء الخطاب (بِهِ) من الوحي (إِلاَّ عُودِيَ) على صيغة المجهول من المعاداة؛ وذلك لأنَّ العادة أنَّ كلَّ من أتى للنفوس بغير ما تحبُّ وتألفُ وإن كان ممن يحبُّ ويعتقدُ، يُعادونه ويطردونه، أو لأنه علِم من الكتب أنَّهم لا يجيبونه إلى ذلك، ويلزم منه مناوأتهم إيَّاه ومنابذتهم، فتنشأ العداوة من ثَمَّة.
(وَإِنْ يُدْرِكْنِي) بالجزم بأن الشَّرطية (يَوْمُكَ) بالرفع فاعل يدركني؛ أي: يوم إخراجك أو يوم انتشار نبوَّتك، وزاد يونس في التفسير: ((حيَّاً)) [خ¦4953]. وفي ((سيرة)) ابن إسحاق: ((إن أدركت ذلك اليوم)).
(أَنْصُرْكَ) بالجزم؛ لأنه جواب الشرط (نَصْراً مُؤَزَّراً) بضم الميم وفتح الهمزة بعدها زاي مشددة ثمَّ راء مهملة؛ أي: قوياً بليغاً من الأزر وهو القوَّة والعون، ومنه قوله تعالى: {فَآَزَرَهُ} [الفتح:29] ؛ أي: قوَّاه. وفي ((المحكم)): آزره ووازره: أعانه على الأمر. وقال ابن قتيبة: ما يقوله العوام بالواو وهو بالهمز آزرته؛ أي: أعنته، فأما وازرته فبمعنى: صرت له وزيراً.
وفي ((سيرة)) ابن هشام: ((ولئن أدركت ذلك اليوم لأنصرنَّ الله نصراً يعلمه، ثمَّ أدْنَى رأسه منه فقبَّل نافوخه)).
وقيل: ما في البخاري هو القياس؛ لأنَّ ورقة سابق الوجود، والسَّابق هو الذي يدركه من يأتي بعده، كما جاء: ((أشقى الناس من أدركته السَّاعة وهو حيٌّ)).
ثمَّ قيل: ولرواية أدركت وجه أيضاً؛ لأن المعنى: إن أرَ ذلك اليوم، فسمَّى رؤيته إدراكاً، وفي التنزيل: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام:104] ؛ أي: لا تراه على أحدِ القولين. /
(ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بفتح الشين المعجمة، من النُّشوب وهو التعلُّق؛ أي: لم يلبثْ ولم يتعلَّق بشيء من الأمور (وَرَقَةُ) بالرفع فاعل لم ينشبْ (أَنْ) بفتح الهمزة وسكون النون (تُوُفِّي) على صفة المجهول، وهو بدل اشتمالٍ من ورقة، والمعنى: لم يتأخَّر وفاته عن هذه القصَّة، فإنه مات بمكة بعد المبعث بقليل، ودفن فيها كما نقله البلاذري وغيره.
فقول الواقدي: أنَّه خرج إلى الشام، فلمَّا بلغه: أنَّ النَّبي صلعم أمر بالقتالِ بعد الهجرة، أقبل يريده حتى إذا كان ببلاد لخمٍ وجذام قتلوه، وأخذوا ما معه غلط بيِّن.
لا يقال: إنَّه معارض بما روي في ((سيرة)) ابن إسحاق: ((أنَّ ورقة كان يمرُّ ببلال وهو يعذَّب لمَّا أسلم))، فإنَّه يقتضي تأخُّره إلى زمن الدَّعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام؛ لأنَّه يقال: إنَّ ما في السيرة لا يقاوم الَّذي في الصحيح لا سيَّما الذي في ((الصحيحين)) فإنَّ قوله: ((ثمَّ لم ينشبْ ورقة...إلى آخره)) في ((صحيح)) مسلم أيضاً، فلا تعارض بينهما؛ لأن شرطَ التعارض المساواة.
ولئن صحَّ ما في السيرة فلعلَّ راوي الصَّحيح لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئاً من الأمور، فلذلك جعل هذه القصَّة انتهاء أمره بالنَّسبة إلى ما علِمه منه، لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فعلى هذا لا تكون الواو في قوله:
(وَفَتَرَ الوَحْيُ) للتَّرتيب، وفتور الوحي عبارة عن احتباسه وتأخُّره مدَّة من الزمان، وكأنَّ ذلك؛ ليذهب ما وجده صلعم من الرَّوع، وليحصل له التشوُّق إلى العود.
فقد روى المؤلِّف في التعبير [خ¦6982] من طريق معمر ما يدلُّ على ذلك حيث راد بعد هذا فقال: ((وفتر الوحي فترةً حتَّى حزن النَّبي صلعم فيما بلغنا حزناً عدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهقِ الجبال، فكلَّما أوفى بذروة جبل لكي يُلقي منه نفسه، تبدَّى له جبريل ◙، فقال: يا محمد، إنَّك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي عدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروةِ جبل تبدَّى له جبريل ◙ فقال له مثل ذلك)) والله أعلم.
ثمَّ إنَّ مدَّة فترة الوحي كانت ثلاث سنين كما في ((تاريخ أحمد)) وبه جزم ابن إسحاق.
وحكى البيهقيُّ: أنَّ مدَّة الرؤيا كانت ستَّة أشهر، وعلى هذه الرواية فابتداء النبوة بالرُّؤيا وقع في شهر مولده وهو ربيع الأوَّل، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدَّرة بثلاث سنين ما بين نزول: {اقْرَأْ} [العلق:1] و{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] عدم مجيء جبريل ◙ إليه صلعم ، بل تأخَّر نزول القرآن فقط، ويمكن أن يكون عدم / مجيء جبريل ◙؛ لِما جاء عن الشعبي: أنه صلعم أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوَّته إسرافيل ◙، فكان يعلِّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلمَّا مضت ثلاث سنين قرن بنبوَّته جبريل ◙، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، عشراً بمكة، وعشراً بالمدينة، كما في ((مسند أحمد)) بإسناد صحيح، والله أعلم.
ثم إنك قد عرفت فيما قبل أنَّ خديجة ♦ هي التي انطلقت بالنَّبي صلعم إلى ورقة.
وقد جاء في ((السيرة)) من حديث عَمرو بن شرحبيل: ((أنَّ الصِّدِّيق ☺ دخل على خديجة ♦، وليس رسول الله صلعم عندها، ثم ذكرت خديجة له ما رآه، فقالت: يا عتيقُ اذهب مع محمد إلى ورقة، فلمَّا دخل ◙ أخذ أبو بكر بيدِه، فقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال: ومن أخبرك؟ فقال: خديجة، فانطلقا إليه فقصَّا عليه، فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد، فأنطلقُ هارباً في الأرض، فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثمَّ ائتني فأخبرني، فلمَّا خلا ناداه يا محمد، قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:1-2] حتَّى بلغ: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]، قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة: أبشر ثمَّ أبشر، فأنا أشهد أنَّك الَّذي بَّشر به ابن مريم، وإنَّك على مثل ناموس موسى، وإنك نبيٌّ مرسل، وإنَّك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدرَكني ذلك لأجاهدنَّ معك، فلما توفِّي ورقة قال ◙: لقد رأيتُ القُسَّ في الجنة، وعليه ثياب الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدَّقني))، يعني: ورقة.
وفي ((سيرة)) سليمان بن طرخان التيمي: ((أنها _أي: خديجة ♦_ ركبت إلى بحيرا بالشام، فسألته عن جبريل ◙ فقال لها: قدُّوس، يا سيِّدة قريش أنَّى لك بهذا الاسم، فقالت: بعلي وابن عمي أخبرني أنَّه يأتيه، فقال: ما علم به إلَّا نبي، فإنَّه السَّفير بين الله وبين أنبيائه، وإنَّ الشيطان لا يجترئ أن يتمثَّل به، ولا أن يتسمَّى باسمه)).
وفي ((الأوائل)) لأبي هلال من حديث سويد بن سعيد: حدَّثنا الوليد بن محمد، عن الزهريِّ، عن عروة، عن عائشة: ((أنَّ خديجة ☻ خرجت إلى الرَّاهب ورقة وعدَّاس، فقال ورقة: أخشى / أن يكون أحد شُبِّه بجبريل، فرجعت وقد نزل: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم:1] فلمَّا قرأ ◙ هذا على ورقة قال: أشهد أن هذا كلام الله تعالى)).
ويمكن التوفيق بين هذه الأخبار: بأن تكون خديجة ♦ قد ذهبت به مرَّة، وأرسلته مع الصديق أخرى، وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرَّة أخرى، وهذا من شدَّة اعتنائها بسيد المرسلين صلعم .
تتمة: قال ابن منده: اختلف في إسلام ورقة، وظاهر هذا الحديث وهو قوله: ((يا ليتني فيها جَذَعاً)) وما ذُكر بعده يدل على إسلامه.
وذكر ابن إسحاق: ((أنَّ النبي صلعم لمَّا أخبره قال له ورقة بن نوفل: والَّذي نفسي بيده إنَّك لنبي هذه الأمة)).
وفي ((مستدرك)) الحاكم من حديث عائشة ♦: أنَّ النبي صلعم قال: ((لا تسبُّوا ورقة فإنَّه كان له جنَّة أو جنتان)) ثمَّ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
وروى الترمذي من حديث عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ♦ قالت: سُئل رسول الله صلعم عن ورقة فقالت له خديجة ♦: إنَّه كان صدَّقك، ولكنَّه مات قبل أن تظهر، فقال النبي صلعم : ((رأيته في المنام وعليه ثياب بيضٌ، ولو كان من أهل النار؛ لكان عليه لباس غير ذلك)).
ثمَّ قال: هذا حديث غريب، وعثمان بن عبد الرَّحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي.
وقال السُّهيليُّ: في إسنادهِ ضعف؛ لأنَّه يدور على عثمان هذا، ولكن يقوِّيه قوله ◙: ((رأيت الفتى يعني ورقة وعليه ثياب حرير؛ لأنَّه أوَّل من آمن بي وصدَّقني)) ذكره ابن إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عَمرو بن شرحبيل.
وقال المرزباني: كان ورقة من علماءِ قريش وشعرائهم، وكان يدعى القسَّ، وقال النبي صلعم : ((رأيته وعليه حلَّة خضراء يَرْفُلُ في الجنة)). وكان يذكر الله في شعره في الجاهليَّة ويسبِّحُهُ فمن ذلك قوله:
لقد نصحت لأقوامِ وقلتُ لهم أنا النَّذير فلا يَغرركُم أحدٌ
لا تعبدُنَّ إلهاً غيرَ خالقكُم فإنْ دعوْكم فقولُوا بيننا جَدَدُ
سبحانَ ذِي العرشِ سبحاناً نعودُ له وقبله سبَّح الجُودي والجَمَدُ
مسخَّرٌ كل ما تحتَ السَّماء له لا ينبغِي أن يُناوي مُلكه أحدُ /
لا شيءَ ممَّا ترى تبقَى بشاشتُهُ يبقَى الإلهُ ويودِي المالُ والولدُ
لم تُغْن عن هُرْمز يوماً خزائنُهُ والخلدُ قد حاولَتْ عادٌ فما خلدُوا
ولا سُليمان إذْ تجرِي الرِّياح له والإنسُ والجنُّ فيما بينهَا برد
أين الملوكُ الَّتي كانتْ لعزَّتها من كلِّ أوْبٍ إليها وافدٌ يفِدُ
حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كدر لا بدَّ من وردِهِ يوماً كما وردُوا
نسبه أبو الفرج إلى ورقة، وفيها أبياتٌ تنسب إلى أميَّة بن أبي الصلت.
ومن شعره:
فإنْ يكُ حقًّا يا خديجةُ فاعلمِي حديثُكِ إيَّانا فأحمدُ مرسلُ
وجبريلُ يأتيهِ وميكَالُ معهمَا من اللهِ وحيٌ يشرحُ الصَّدر ينزل
هذا وقال الكرماني: لا شكَّ أنَّه كان مؤمناً بعيسى ◙، وأمَّا الإيمان بنبيِّنا صلعم فلم يَعلم أن دين عيسى قد نُسخ عند وفاتهِ أم لا، ولئن ثبتَ أنَّه كان منسوخاً في ذلك الوقت، فالأصحُّ: أن الإيمان هو التَّصديق وهو قد صدَّقه من غير أن يذكرَ ما ينافيه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهري المتقدِّم ذكره أخبرني عروة بكذا (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد، فالواو للعطف على مقدر، وإلَّا فمقول القول لا يكون بالواو إلا إذا كان من قبيل عطف التلقين (أَبُو سَلَمَةَ) بفتحتين، اسمه عبد الله، أو إسماعيل، أو اسمه كنيته (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف أحد العشرة المبشرة بالجنة، وهو القرشيُّ الزهريُّ المدنيُّ التابعيُّ الإمام الجليل المتَّفق على إمامته وجلالته وتوثيقه، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال سمع: جماعة من الصحابة والتابعين، وعنه: خلائق من التابعين منهم الشعبي فمن بعدهم.
وتزوَّج أبوه تُماضِر _بضم المثناة الفوقية وكسر المعجمة_ بنت الأَصْبع _بفتح الهمزة وسكون المهملة وفي آخره غير معجمة_ وهي الكلبية من أهل دُومة الجندل، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة في خلافة الوليد، وهذا الحديث صورته في الظاهر صورة التعليق، وإن كان مسنداً حقيقة عنده، إما بالإسناد المتقدِّم كأنه قال: حدثنا يحيى بن بكير: حدَّثنا الليث، عن عقيل أنَّه قال: قال ابن شهاب، أو بإسناد آخر، فإنه أخرجه أيضاً في الأدب [خ¦6214]، وفي التفسير [خ¦4954] أتمَّ من هذا مسنداً. /
وإنما ترك الإسناد هاهنا؛ لغرض من الأغراض المتعلِّقة بالتعليق ككون الحديث معروفاً من جهة الثقات، أو كونه مذكوراً في موضع آخر ونحوه، أو وضعه على هذه الصورة قبل أن يقف عليه مسنداً، فلمَّا وقف عليه مسنداً ذكره، وترك التعليق على حاله؛ لعدم خلوِّه عن فائدة.
نعم الظاهر من الواو في قوله: وأخبرني أبو سلمة، كونه مسنداً بالإسناد المتقدِّم، فافهم.
قال النَّووي: قال العلماء: إذا كان الحديث ضعيفاً لا يقال فيه قال؛ لأنَّه من صيغ الجزم، بل يقال: حكى، أو روى، أو قيل، أو يقال، بصيغة التمريض.
وقد اعتنى البخاري ☼ بهذا الفرق في ((صحيحه)) كما سترى، وهذا مما يزيدك اعتقاداً في جلالته وإتقانه وتحقيقه.
(أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن عَمرو بن حرام، بالمهملة والراء (الأَنْصَارِيَّ) الخزرجي السَّلمي _بفتح السِّين واللام_ وحكي في لغة: كسرها، المدني، أبو عبد الله، أو عبد الرحمن، أو أبو محمد. أحد الستة المكثرين، وهو من كبار الصحابة وفضلائهم، شهد مع رسول الله صلعم تسع عشرة غزوة، وأمُّه نسيبة بنت عقبة بن عدي، مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو أربع أو تسع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وكان عمره أربعاً وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان ☺ والي المدينة، وهو آخر الصَّحابة موتاً بالمدينة.
روي له عن رسول الله صلعم ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وجابر في الصحابة أربعة وعشرون نفراً، وفي غير الصحابة خمسة.
(قَالَ) أي: جابر (وَهُوَ يُحَدِّثُ) أي: حال كونه يحدِّث (عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ) واحتباسه عن النزول: أن رسول الله صلعم قال حديثاً (فَقَالَ) صلعم (فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا) أصله: بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفاً، وقد تزاد عليها ما فتصير بينما، ومعناهما واحد، وهو من الظروف الزمانيَّة اللازمة للإضافة إلى الجملة الاسمية المكفوفة بالألف عن الإضافة إلى المفرد، والعامل فيه الجواب إذا كان مجرَّداً من كلمة المفاجأة، وإلا فمعنى المفاجأة المتضمِّنة هي إياها، وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى.
وقيل: اقتضى جواباً؛ لكونه ظرفاً متضمناً لمعنى المجازاة، والأفصح في جوابه: إذ وإذا، خلافاً للأصمعي.
(أَنَا أَمْشِي) جملة اسميَّة وقعت مضافاً إليها لقوله: ((بينا)) (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ) أي: في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع (فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ) مبتدأ وقوله: (الَّذِي جَاءَنِي / بِحِرَاءٍ) صفته، وهو جبريل ◙، وقوله: (جَالِسٌ) بالرفع خبره، وكلمة إذ للمفاجأة تختص بالجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى الجواب.
وهي حرف عند الأخفش، وأجازه ابن مالك، وظرف مكان عند المُبَرِّد، واختاره ابن عصفور، وظرف زمان عند الزَّجَّاج، واختاره الزمخشري.
وأمَّا الفاء الداخلة عليها فزائدة لازمة عند الفارسي والمازني وجماعة، وعاطفة عند أبي الفتح، وللسببية المحضة عند أبي إسحاق.
وعند مسلم: ((جالساً)) بالنصب، وعلى هذا يكون خبر المبتدأ محذوفاً مقدَّراً، تقديره: فإذا الملك الذي جاءني بحِراء شاهدته، أو شاهد، أو حاضر حال كونه جالساً.
(عَلَى كُرْسِيٍّ) بضم الكاف وكسرها، والضم أفصح، وجمعه كراسي بتشديد الياء وتخفيفها.
قال ابن السِّكِّيت: كلُّ ما كان من هذا النحو مفرده مشدد كعارية وسرية، جاز في جمعه التشديد والتخفيف. وقال الماوردي في ((تفسيره)): أصل الكرسي العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم: كرَّاسة.
وقال الزمخشري: الكرسي: ما يجلس عليه، ولا ينفصل عن مقعد القاعد.
وفي ((العباب)): الكرسي من قولهم: كرِس الرجل _بالكسر_ إذا ازدحم علمه على قلبه، والياء فيه ليست ياء النسبة، وإنما هو موضوع على هذه الصيغة، فإذا أريد النسبة إليه تحذف الياء منه، ويؤتى بياء النسبة، فيقال: كرسي أيضاً.
(بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ظرف مجرور المحل على أنَّه صفة كرسي.
قال النَّووي: كذا في الأصول، وجاء في رواية: <فإذا الملك الذي جاءني بحراء واقف بين السماء والأرض>، وفي طريق آخر: ((على عرش بين السماء والأرض)). ولمسلم: ((فإذا هو على العرش في الهواء))، وفي رواية عنده: ((على كرسي)) وهو تفسير للعرش المذكور. قال أهل اللغة: العرش: السرير.
ولما كان رؤية الملك على هذه الحالة سبباً للرعب، قال ◙: (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بضم الراء وكسر العين على ما لم يسمَّ فاعله، وفي رواية الأَصيلي: بفتح الراء وضم العين وهما صحيحان، حكاهما الجوهري وغيره، واقتصر النوويُّ في ((شرحه)) على الأول. وقال بعضهم: الرواية بضم العين، واللغة: بفتحها، حكاه السفاقسيُّ.
والرعب: الخوف والفزع، يقال: رعَبته فهو مرعوبٌ إذا أفزعته، ولا يقال: أرعبته، تقول: رعب الرَّجل على وزن ضرب بمعنى خوَّفه، هذا إذا عدَّيته، فإن ضممت العين قلت: رعُبت منه، وإن بنيته لِما لم يسمَّ فاعله ضممتَ الراء فقلت: رُعبت منه.
وعند / المؤلف في ((التفسير)) [خ¦3238] ومسلم هنا: ((فجُئِثْتُ منه)) بضم الجيم وكسر الهمزة وسكون المثلثة من جئثت الرجل، إذا أُفْزِع فهو مجؤوث؛ أي: مذعور. قال القاضي: كذا هو للكافَّة في ((الصحيحين)). وروي: <فجُثِثْت> بضم الجيم وكسر الثاء المثلثة الأولى وسكون الثانية، وهو بمعنى الأول. وفي بعض الروايات: <حتى هويت إلى الأرض> أي: سقطت، أخرجها مسلم، وفي بعضها: ((فأخذتني رجفة)) وهي كثرة الاضطراب، وكان ذلك الرعب؛ لبقية بقيت معه من الفزع الأول، ثم زالت بالتَّدريج بالكلِّية.
(فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسبب ذلك الرُّعب (فَقُلْتُ) لهم (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) بالتَّكرار مرَّتين في أكثر الأصول، وفي رواية كريمة: <زملوني> مرَّة واحدة، [خ¦4922] وللبخاري في ((التَّفسير))، ولمسلم أيضاً: ((دثروني)) وهو بمعناه. وقال الزركشي: وهو أنسب بقوله:
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية: <╡> بدل قوله: <تعالى> ({يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}): أي: المتدثِّر وهو لابسٌ الدِّثار، وسمَّاه تعالى بذلك؛ إيناساً له وتلطُّفاً، ثم الجمهورُ على أن معناه المتدثِّر بثيابه.
وحكى الماوردي عن عكرمة: أنَّ معناه: المدِّثر بالنبوَّة وأعبائها، والكمالات النَّفسانية، وقيل: معناه المختفي، فإنَّه كان بحِراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة، وقرئ: {المدَثَّر} بتخفيف المهملة وفتح المثلثة المشددة؛ أي: الذي دُثِّر هذا الأمر، وعصب به؛ أي: أحيط.
({قُمْ}) من مضجعك أو قم قيام عزم وجدٍّ ({فَأَنْذِرْ} [المدثر:1-2]) أي: حذِّر من العذاب من لم يؤمن بالله، ومفعوله محذوف للتَّعميم، أو مقدر خاص، أو عام بقرينة قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، أو قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ:28].
فإن قلت: إذا كان النَّبي صلعم بشيراً ونذيراً فلِمَ أَمَرَ بالإنذار دون التَّبشير؟.
فالجواب: أنَّ التَّبشير إنما يكون لمن دخلَ في الإسلام، ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، وفيه دَلالة على أنَّه ◙ أمر بالإنذار عقيبَ نزول الوحي للإتيان بفاء التَّعقيب.
({وَرَبَّكَ}) منصوب بقوله: ({فَكَبِّرْ}) أي: وخصِّص ربَّك بالتكبير؛ أي: التَّعظيم والتنزيه عمَّا لا يليق بكبريائه وعظمتهِ، وصفه بالكمالات قولاً واعتقاداً. روي: أنَّه صلعم كبَّر حين نزلت هذه الآية، وأيقن أنَّه الوحي، وذلك؛ لأنَّ الشيطان لا يأمر بذلك، وقيل: المراد به تكبيرة الافتتاح للصَّلاة. وفيه نظر. /
والفاء فيه وفيما بعده؛ لإفادةِ معنى الشرط، فكأنَّه قال: وما يكن من شيءٍ فكبِّر ربك، أو الدَّلالة على أنَّ المقصود الأول من الأمر بالقيام أن يكبر ربَّه عن الشِّرك، والتَّشبيه، فإنَّ أول ما يجب معرفة الصَّانع، وأول ما يجبُ بعد العلم بوجوده تنزيهه، والقوم كانوا مُقِرِّين به، فالواجبُ الأول في حقهم التَّكبير ليس إلَّا.
({وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}) من النَّجاسات، فإنَّ التَّطهير واجب في الصَّلاة، محبوبٌ في غيرها، وذلك بغسلها، أو تحفظها من النَّجاسة كتقصيرها؛ مخافة جرِّ الذيول فيها، فيكون كناية عن تقصيرها؛ لأنَّه من لوازمهِ وهو أوَّل ما أمر به من رفضِ العادات المذمومة، أو معناه طهِّر نفسك من الأخلاق الذميمة، والأفعال الدَّنية من قبيل قولك: مثلك لا يبخل في كون نسبة المحكوم به إلى المضاف كناية عن نسبته إلى ما أضيف إليه، فيكون أمراً باستكمال القوَّة العملية بعد أمره باستكمال القوَّة النَّظرية، والدعاء إليه، أو معناه: فطهِّر دثار النبوَّة عمَّا يدنسه من الحقد والضَّجر وقلَّة الصبر.
({وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}) أي: والأوثان فاهجرْ، وفي مسلم، وكذا في ((التفسير)) [خ¦4925] عن أبي سلمة التَّصريح به، وأصل الرِّجز في اللُّغة: العذاب، وسمَّى عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزاً؛ لأنَّه سبب العذاب، فالمعنى: فاهجرِ العذاب بالثَّبات على هجرِ ما يؤدي إليه من الشِّرك وغيره من القبائحِ، وقيل: المراد الشِّرك، وقيل: الذَّنب، وقيل: الظُّلم، وقرأ يعقوب وحفص: بضم الراء، والباقون: بكسرها.
(فَحَمِيَ) بفتح المهملة وكسر الميم؛ أي: فبعد إنزال الله تعالى هذه الآية كثر (الْوَحْيُ): أي: نزوله من قولهم: حميت النَّار والشَّمس؛ أي: كثرتْ حرارتها، ومنه قولهم: حميَ الوطيس؛ أي: التنور استعير للحرب (وَتَتَابَعَ) قالت الشراح: معناهما واحد، فأكَّد أحدهما بالآخر. وليس كذلك، فإنَّ معنى حميَ النار اشتدَّ حرها، ومعنى تتابع تواتر، كما في رواية، فأرادَ بحميَ الوحي اشتدادُه وهجومه، وبقوله: تتابع، تواتره وعدم انقطاعه، ولمَّا كان الأول لا يستلزم الثاني؛ أي: الاستمرار والدَّوام والتواتر الَّذي هو مجيء الشَّيء يتلو بعضه بعضاً من غير تخلل لم يكتف به، بل زاد الثاني.
وقال الحافظ العسقلاني: إنَّه تأكيد معنوي. وتعقَّبه محمود العيني: بأنَّ التَّأكيد المعنوي له ألفاظ مخصوصة كما عرف في موضعهِ على أنَّ التَّأسيس خير من التَّأكيد.
ثمَّ في قوله: ((حِمي الوحي)) مطابقة لتعبيره عن تأخره بالفتور، إذ لم ينته إلى انقطاعٍ كلِّي، ولذا لم يعبِّر عن تأخره بالبرد، فافهم.
وفي الحديث فوائد: / منها: الدَّلالة على وجود الملائكة ردًّا على زنادقة الفلاسفة. ومنها: إظهار قدرة الله تعالى، إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاءوا كما جعل الأرض لبني آدم كذلك.
ومنها: أنَّه عبر بقوله: ((فحمي)) تتميماً للتمثيل الذي مثَّلت به عائشة ♦ أوَّلاً، وهو أنها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصُّبح، فإنَّ الضوء لا يشتدُّ إلَّا مع قوَّة الحرِّ، وأتبع ذلك بقوله: ((تتابع))؛ لئلا يقع التَّمثيل بالشمس من كلِّ الجهات؛ لأنَّ الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما، وشمس الشريعة باقية على حالها لا يلحقها نقص.
(تَابَعَهُ) أي: تابع يحيى بن بكير شيخ المؤلِّف في رواية هذا الحديث عن اللَّيث بن سعد (عَبْدُ اللَّهِ) بالرفع على أنَّه فاعل تابع (ابْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي شيخ البخاري، وقد مرَّ (وَ) كذا تابع يحيى بن بكير في الرواية عن اللَّيث أيضاً (أَبُو صَالِحٍ) قال أكثر الشُّرَّاح: هو عبد الغفار بن داود بن مهران البكري الحرَّاني الإفريقي، ولد بإفريقية سنة أربع ومائة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث من حماد بن سلمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه، فسمع من اللَّيث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما، وسمع بالشام إسماعيل بن عيَّاش، وبالجزيرة موسى بن أعين، واستوطن مصر وحدَّث بها.
وكان يكره أن يقال: الحرَّاني، وإنما قيل: له الحرَّاني؛ لأنَّ أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها، ولم يزالا بها، وحرَّان مدينة بالجزيرة من ديار بكر واليوم خراب، سمِّيت بحرَّان بن آزر أخي إبراهيم ◙، روى عنه: يحيى بن معين والبخاري. وروى أبو داود عن رجل عنه، وخرَّج له النسائي وابن ماجه.
ومات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين. وقال الحافظ العسقلاني: ما قاله الشُّراح من أنَّ أبا صالح هذا هو عبد الغفار المذكور وَهْم، وإنما هو عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث المصري، وكلاهما روى البخاري عنهما، وقد أكثر عن عبد الله بن صالح من المعلَّقات، وروايته لهذا الحديث عن اللَّيث أخرجها يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) مقروناً بيحيى بن بكير.
والحاصل: أنَّه رواه عن اللَّيث ثلاثة: يحيى بن بكير، وعبد الله بن يوسف، وأبو صالح، أمَّا متابعة عبد الله بن يوسف ليحيى بن بكير في روايته عن اللَّيث بن سعد فأخرجها البخاري في التَّفسير [خ¦4926] والأدب [خ¦6214]. وأخرجها مسلم في الإيمان، / والترمذيُّ في التفسير، وقال: حسنٌ صحيحٌ. والنسائي في التفسير.
وأما رواية أبي صالح عن اللَّيث لهذا الحديث فأخرجها يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) كما تقدَّم، وأبو صالح في الرواة في مجموع الكتب السِّتة أربعة عشر كلهم تابعيون، خلا أبا صالح مولى أم هانئ اسمه باذان، فإن بعضهم عدَّه صحابياً، وله حديث رواه الحسن بن سفيان في ((مسنده))، وعلى تقدير صحَّته ليس في الصحابة من يكتني بهذه الكنية غيره، كذا قرَّره العيني وفصَّلهم.
(وَتَابَعَهُ) أي: وتابع عُقيل بن خالد شيخ اللَّيث في هذا الحديث (هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ) براء ثم دالين مهملتين الأولى مشدَّدة وهو طائي حمصي أخرج له البخاريُّ هنا متابعة لعقيل، وليس له ذكر في هذا الصَّحيح إلَّا في هذا الموضع، ولم يخرج له في باقي الكتب الستة، روى عن: الزُّهري، وعنه: ابنه أبو القاسم محمد. قال الذُّهلي: كان كاتباً لهشام، ولم يذكره البخاريُّ في ((تاريخه))، ولا ابن أبي حاتم في كتابه، وإنَّما ذكر ولده محمداً، وليس له ذكر في الكتب الستة.
قال ابنُ أبي حاتم: هلال بن ردَّاد مجهول، ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصَّحيح رأساً، وعيَّن رجوع ضمير تابعه إلى عقيل بن خالد.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، وقد مرَّ ذكره؛ لأنَّ الذي روى عن الزُّهري في الحديث المذكور هو عقيل؛ فلا يتوهم أنَّه عائد إلى يحيى ابن بكير، أو إلى أبي صالح، أو إلى عبد الله.
والحاصل أنَّ هلال بن ردَّاد روى الحديث المذكور عن الزُّهري كما رواه عقيل بن خالد عنه، وحديثه في ((الزُّهريات)) للذهلي.
ثم اعلم أنَّ هذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة وهي أن تختبر الحديث، وتنظر من الدَّواوين المبوَّبة والمسندة وغيرها كالمعاجم والجوامع والفوائد هل شارك راويه الذي يظن أنَّه تفرَّد به راوٍ آخر فيما رواه عن شيخه، فإن شاركه راوٍ معتبر فهي متابعةٌ حقيقة، فإن اتَّفقا في رجال السَّند كلهم من أوله إلى آخره تسمى تلك المتابعة بالمتابعة التامَّة، كمتابعة عبد الله وأبي صالح، إذ وافقا يحيى بن بكير في شيخه الليث...إلى آخره.
وإذا كان شريكاً له في شيخ شيخه فما فوقه إلى آخر السند واحداً واحداً حتى الصَّحابي فهي متابعة أيضاً، لكنها ناقصة كمتابعة هلال ليحيى، إذ وافقه في شيخ شيخ شيخه؛ أعني: الزهري، لا في شيخه؛ أعني: اللَّيث، وكلَّما بَعُدَ فيه المتاِبع كان أنقص.
ثم النَّوعان ربَّما يُذكَرُ المتابَع عليه، ويُسمَّى فيهما، وربما لا يسمَّى؛ ففي المتابعة الأولى هاهنا: لم يُذكَر المتابَع عليه، وهو اللَّيث، وفي الثانية: سمِّي وهو الزهري وفائدتها التقوية ولهذا قد يدخل في باب المتابعة رواية من لا يحتج بحديثه، ولا يقتصر فيها على اللَّفظ، بل لو جاءت بالمعنى كقول يونس ومعمر في روايتهما عن الزُّهري: ((بَوادِرُه)) كما سيجيء، خلافاً لظاهر ((ألفية)) العراقي في التَّخصيص باللفظ، وحُكي عن قوم كالبيهقي: أنها مخصوصةٌ بكونها من رواية ذلك الصحابي. وقد يُسمَّى كل واحد من المتابع لشيخه فمن فوقه شاهداً، ولكن تسميته تابعاً أكثر.
قال النَّووي: وممَّا يحتاج إليه المعتني بـ ((صحيح البخاري)) فائدة نُنبِّهُ عليها، وهي أنَّه تارة يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارةً يقول تابعه مالك ولا يزيد عليه، فإذا قال مالك عن أيُّوب، فهذا ظاهر، / وأما إذا اقتصر على تابعه مالك، فلا يعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم. انتهى.
قال الكرماني: فعلى هذا لا يعلم أنَّ عبد الله يروي عن اللَّيث أو غيره.
وقال محمود العيني: الطَّريق في هذا أن تنظر إلى طبقة المتابِع _بكسر الباء_ فتجعله متابعاً لمن هو في طبقته بحيث يكون صالحاً لذلك، ألا ترى كيف لم يسمِّ البخاري المتابَع عليه في المتابعة الأولى، وسمَّاه في الثانية، فافهم.
(وَقَالَ يُونُسُ) هو ابن يزيد بن مشكان بن أبي النِّجاء _بكسر النون_ الأَيْلي _بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف_ نسبة إلى أَيلة، قرية من قرى الشام، القرشي التابعي مولى معاوية بن أبي سفيان، سمع: خلقاً من التابعين منهم القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم. وعنه: الأعلام منهم جرير بن حازم، وهو تابعي، والأوزاعي والليث وخلق.
مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة.
وفي يونس ستة أوجه: ضم النون، وكسرُها، وفتحها مع الهمز، وتركه، والضم بلا همز أفصح.
ورواية يونس وصلها المؤلِّف في ((التفسير)) [خ¦4953].
(وَمَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، هو أبو عروة، معمر بن أبي عمرو بن راشد الأزدي الحُداني مولاهم البصري، عالم اليمن، سكن بها، شهد جنازةَ الحسن البصري سمع: الزُّهري وخلقاً من التابعين، وعنه: خلق من التابعين، منهم عمرو بن دينار، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأيوب ويحيى بن أبي كثير، وليس هو بتابعي فهذا من رواية الأكابر من الأصاغر.
قال عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة عن ثمان وخمسين سنة.
وله أوهام كثيرة احتملت له. قال أبو حاتم: صالح الحديث وما حدَّث به بالبصرة ففيه أغاليط. وضعَّفه يحيى بن مَعين في روايته عن ثابت. وليس في ((الصحيحين)) معمر بن راشد غيره، بل ليس فيهما مَن اسمه معمر غيره. نعم في ((صحيح البخاري)) معمر بن يحيى بن سام الضَّبي، لكنه قيل: إنَّه بتشديد الميم، روى له البخاري حديثاً واحداً في الغسل [خ¦256].
وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر، وفي الرواة في الكتب الأربعة معمر ستة، ورواية معمر هذه لهذا الحديث وصلها المؤلف في ((تعبير الرؤيا)) [خ¦6982].
(بَوَادِرُهُ) يعني: أنَّ يونس ومعمراً رويا هذا الحديث عن الزُّهري فوافقا عقيلاً إلَّا أنهما قالا / _بدل قوله: ((يَرجف فؤاده))_ : ((ترجف بوادره)).
والبوادر: جمع بادرة وهي اللَّحمة التي بين المنكب والعنق، تضطربُ عند فزع الإنسان، وهما مستويان في أصل المعنى؛ لأن كلاًّ منهما دالٌّ على الفزع، وفي معناهما في الدَّلالة على الفزع: فرائصه، يقال: ترعد فرائصه، والفريصةُ: هي اللُّحمة التي بين الجنب والكتف. وفي نسخة: <وقال يونس ومعمر: تواتر> أي: قالا بدل: تتابع: تواتر.
واعلم أنَّ قوله: وقال يونس... إلى آخره كما أنَّه تعليق يشبه أن يكون من باب الاستشهاد أيضاً؛ لأنَّه حديث بمعناه ذكر فيه خفقان البوادر بدل رجفان الفؤاد، والمقصود منهما: ظهور الخشية على نفسه المباركة صلعم ، ولمَّا ذكر فيما مضى ذات بعض القرآن تعرَّض هنا إلى بيان كيفية التلقين والتلقُّن، وقدم ذلك؛ لأنَّ الصفات تابعة للذَّوات فقال:
[1] في الأصل: ((سمعها)).
[2] في الأصل: ((والدين)).
[3] في هامش الأصل: وجه التأمل أن ما يدل على الشك في أنه من الله تعالى من هذه الأقوال ضعيف غاية الضعف بل غير صحيح، إذ لا نشك أنه صلعم لم يشك من أنه من الله تعالى، فإن قلت: من أين علم أنَّ الذي جاءه جبريل لا الشيطان وأنه حق لا باطل؟ فالجواب: أن الله تعالى كما نصب لنا الدليل على أن الرسول صادق لا كاذب وهو المعجزة كذلك نصب للنبي صلعم دليلاً على أن الجائي ملك لا شيطان، وأنه من عند الله تعالى لا من عند غيره. منه.
[4] في هامش الأصل: وذلك من قبيل قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] فإن قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ} أي: ما أزكي، أورث المخاطب حيرة في أن يوسف ◙ كيف لا ينزه نفسه عن السوء مع كونها مطمئنة زكية فأزال تلك الحيرة بقوله إن النفس لأمارة في جميع الأشخاص بالسوء أي: بالشهوة والرذيلة إلا من عصمه الله تعالى وكذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] وقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] وأمثال ذلك في التنزيل كثيرة وكل هذا من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر. منه.
[5] في هامش الأصل: الأول: أن تكون ما استفهاماً وذا إشارة، والثاني: أن يكون ذا موصولة مع كون ما كالأول، والثالث: أن تكون ماذا كله استفهاماً على التركيب. والرابع: أن يكون ماذا كله اسم جنس بمعنى شيء أو موصولاً، والخامس: أن يكون ما زائدة وذا للإشارة، والسادس: أن تكون ما استفهاماً وذا زائدة. منه.
