نجاح القاري لصحيح البخاري

حديث: إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا ينتعلون نعال الشعر

          2927- (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السدوسي، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالمهملة والزاي (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ) هو البصري (يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو) بفتح العين (ابْنُ تَغْلِبَ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر / اللام وبالباء الموحدة، العبدي من عبد القيس، يقال: إنَّه من النَّمر بن قاسط، يعد في أهل البصرة، ورجال الإسناد كلُّهم بصريون.
          (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلعم : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) ويروى: <من أشراط السَّاعة> بدون كلمة ((إنَّ)) أي: من علامات يوم القيامة، والأشراط: جمع شرَط بفتح الراء. قال أبو عبيد: وبه سمِّي شرط السلطان؛ لأنَّهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها.
          (أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْماً يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَرِ) معناه: أنَّهم يصنعون من الشَّعر حبالاً ويصنعون منها نعالاً، ويقال: معناه: أنَّ شعورهم كثيفة طويلة؛ فهي إذا سدلوها كاللباس تصل إلى أرجلهم كالنِّعال، وإنَّما كانت نعالهم من الشَّعر، أو من جلود مشعرة؛ لما في بلادهم من الثَّلج العظيم الذي لا يكون في غيرها، وتكون من جلد الذئب وغيره.
          وذكر البكري في «أخبار الترك»: كأن أعينهم حدق الجراد، يتَّخذون الدرق ويَربطون خيولهم بالحبل، وفي لفظ: ((حتَّى يقاتل المسلمون الترك يلبسون الشَّعَر)). انتهى.
          وهذه إشارةٌ إلى الشَّرابيشي التي تدار عليها بالقندس، والقندس: كلب الماء، وهو من ذوات الشَّعر، والنِّعال: جمع نعل، والشَّعر: بفتح العين وكسرها.
          وقال الحافظ العسقلاني: هذا الحديث والذي بعده ظاهر في أنَّ الذين ينتعلون الشَّعر غير الترك، وقد وقع في رواية الإسماعيلي من طريق محمَّد بن عبادة قال: بلغني أنَّ أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر.
          وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ الذي قاله غيرُ صحيح ولا الاحتجاج بهذه الرِّواية؛ لأنَّ كون نعال أصحاب بابك من الشعر لا ينافي كونها للترك أيضاً، ولا يفهم من ذلك الخصوصية بذلك لأصحاب بابك، على أنَّه يجوز أن يكون أصحاب بابك أيضاً من الترك؛ لأنَّ الترك أجناسٌ كثيرة، وخبر البكري يصرِّح بالرَّد على هذا القائل.
          وأصرح من هذا: ما رواه أبو داود من حديث بريدة ☺: ((تقاتلون قوماً / صغار الأعين، يعني: الترك)) الحديث. ومع هذا، على ما ذكره لا يبقى مطابقة بين التَّرجمة والحديث أصلاً؛ لأنَّ التَّرجمة بلفظ الترك، وإذا كان الذين ينتعلون نعال الشَّعر غير الترك، يكون بين التَّرجمة والحديث بونٌ عظيم، على أنَّ الأوصاف المذكور فيه وفي الحديث الذي بعده كلها أوصاف الترك، فإذا كان الترك أجناساً كثيرة لا يلزم أن ينتعل كلُّهم نعال الشَّعر.
          وأمَّا بَابَك الذي ذكره: فهو بموحدتين مفتوحتين وفي آخره كاف، يقال له: الخُرَّمي، بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان قد أظهر الزَّندقة وتبعة طائفةٌ فقويت شوكته في أيام المأمون اسبتاحوا المحرَّمات، وغلبوا على كثير من بلاد العجم كطبرستان والرَّي إلى أن قتلَ بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
          (وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْماً عِرَاضَ الْوُجُوهِ) قال ابن قُرْقول: يريد سعتها (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ) بفتح الميم والجيم وتشديد النون جمع مِجَن، بكسر الميم، وهو: الترس.
          (المُطْرَقة) بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء، التي ألبست الأطرقة من الجلود، وهي الأغشية، يقال: طارقت بين النَّعلين؛ أي: جعلت إحداهما على الأخرى.
          وقال الهروي: المجان المطرقة: هي التي أطرقت بالعصب؛ أي: ألبست به، وقال الخطَّابي: شبَّه عرض وجوههم ونتوء وجناتهم بظهور الترس والأطرقة جمع طراق، وهو: جلدٌ يقدر على قدر الدَّرقة، ويلصقُ عليها.
          وقال القاضي البيضاوي: شبَّه وجوههم بالترس؛ لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها، وقيل: المطرقة هي التي أُلْبِسَتِ الطِّرَاق، وهو الجِلْد الذي يغشاهُ، ويُعْمَلُ هذا حتَّى يَبْقَى كأنَّه ترسٌ على تُرسٍ.
          وقال ابن قُرْقول: قال / بعضهم: الأصوب فيه: المُطرَّقة، بتشديد الراء، وهو: ما رُكِّبَ بعضُه فوق بعضٍ فخُرِزَ به، ثمَّ إنَّ هذا الخبر من جملة ما أخبر به النَّبي صلعم قبل وقوعه فهل وقع أم سيقع؟
          قيل: قد وقع بعض ذلك على ما أخبر به رسول الله صلعم سنة سبع عشرة وستمائة قد خرج جيشٌ عظيم من التُّرك فقتلوا أهل ما وراء النَّهر، وما دونه من جميع بلاد خراسان، ولم ينجُ منهم إلَّا من اختفى في المفازات والكهوف، فهتكوا في بلاد الإسلام إلى أن وصلوا إلى بلاد قُهُستان، فخرَّبوا مدينة الرَّي وقزوين وأبهرَ وزنجان وأردبيل ومراغه وبلاد أذربيجان، واستأصلوا من في هذه البلاد من سائر الطَّوائف، واستباحوا النِّساء وذبحوا الأولاد.
          ثمَّ وصلوا إلى العراق الثَّاني وأعظم مدنه مدينة أصفهان، وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى، وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع، كما جاء في الحديث.
          وروى أبو داود الطَّيالسي من حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلعم : ((لينزلنَّ طائفةٌ من أمَّتي أرضاً، يقال لها: البصرة، فيجيء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار العيون حتَّى ينزلوا على جسرٍ لهم، يقال له: دجلة، فيفترق المسلمون ثلاث فرقٍ: أمَّا فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت، وأمَّا فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت، فهذه وتلك سواء، وأمَّا فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون، فقتلاهم شهيدٌ، ويفتح الله على بقيَّتهم)).
          وروى البيهقي من حديث بريدة ☺: ((إنَّ أمَّتي يسوقها قومٌ عراض الوجوه كأنَّ وجوههم الجُحَفُ، ثلاث مراتٍ، حتَّى يلحقوهم بجزيرة العرب)) قالوا: يا نبيَّ الله مَنْ هم؟ قال: ((الترك، والذي نفسي بيده ليربطنَّ خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين)). /
          ومطابقته للتَّرجمة تؤخذ من معنى الحديث؛ لأنَّ قوله: ((عراض الوجوه)) إلى آخره صفة الترك، والحديث أخرجه البخاري في علامات النبوة أيضاً [خ¦3592]، وأخرجه ابن ماجه في الفتن.