نفحة المسك الداري لقارئ صحيح البخاري

امتحان المحدثين بسمرقند للبخاري

وَأهْلُ سَمَرْقَنْدٍ تَجَمَّعَ جَمْعُهُمْ                     عَسَى أَنْ يُغَالِطُوهُ وَاللهُ يَعْصِمُ
          في «المقدِّمة»: وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربع مئة محدِّثٍ، فاجتمعوا وأحبُّوا أنْ يُغالِطوا محمَّد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، وما استطاعوا مع ذلك أنْ يتعلَّقوا عليه بسقطةٍ.
كَمَا امْتُحِنَتْ أَئِمَّةٌ بَعْدَهُ وَلَمْ                     تَزَلْ آيَةٌ تُتْلَى مِنَ اللهِ فِيهِمُ
          وتقدَّم من ذلك امتحان أبي بكرٍ السمعانيِّ، ومنه امتحان أبي الفيض مولانا عبد القادر الجيلانيِّ نَفَعَنَا الله ببركاته، وفي «المعزَّى في مناقب أبي يعزى» في ذكره أبا الفيض: «ومِن عادة أهل بغداد إذا ظهر عالِمٌ، أو عارفٌ، أو صالحٌ، لا بُدَّ أنْ يمتَحِنُوه أو يختَبِرُوه، كما فعلوا مع البخاريِّ، وأحمد ابن حنبل، وإمام الطائفة، فلمَّا اشتهر أمر الشيخ سيِّدي عبد القادر؛ قال أبو الحسن المصريُّ، وابن بادس، والورقيديُّ، وصاحب الرَّوضِ: اجَتَمَعَ مِئةٌ من أكابر بغداد وأذكيائهم، ورتَّبوا مِئةَ مسألةٍ من أنواع الفنون، ومرادهم: أنْ يفحموا الشيخ بذلك ويقطعوه، فلمَّا حضروا المجلِس، أطرق الشيخ برأسه، فرأى أهلُ المكاشفة بارقةَ نورٍ خرجت من صدر الشيخ، فَمَرَّتْ على صدور المِئة، / فلا تمرُّ على صدرٍ واحدٍ منهم إلَّا بُهت واضطرب، ثمَّ صاحوا ومزَّقوا لباسهم، وكشفوا رُؤوسَهم، وانضمُّوا إليه فوق الكرسيِّ، وضجَّ المجلس، وارتجَّت بغداد، ثمَّ جعل يضمُّ الواحد منهم بعد الواحدِ ويقول له: مسألة كذا، وجوابها كذا، حتَّى أتى على الجميع، وروى أنَّهم قالوا: فقدنا جميع ما نعرفه من العِلم، حتَّى كأنَّه نُسِخَ منَّا، فلمَّا ضمَّنا إلى صدره؛ رجع لكلِّ واحدٍ منَّا ما كان يعرفه ويعلمه، وذكر لنا أجوبة ما نعرفها».