-
نظم مقدمة فتح الباري
-
المقدمة
-
عدالة الصحابة
-
الجرح المردود
-
من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري
-
معرفة المدلسين
-
معرفة المبهمات
-
معرفة المتفق والمفترق
-
معرفة المؤتلف والمختلف
-
معرفة التصحيف
-
معرفة الكنى
-
الإرسال
- التعريف بالإمام البخاري
-
السبب الباعث له على تصنيف جامعه وحسن نيته فيه
-
مرتبة صحيح البخاري
-
أوجه تفضيل البخاري
-
إسناد الصحيح ورواياته
-
التعريف بنسخة ابن سعادة
-
سند المصنف إلى نسخة ابن سعادة من البخاري
-
الخاتمة
لِإِيثَارِهِ الْحَلَالَ آثَرَهُ الجَلَا لُ جَلَّ وَمِثْلَمَا طَعِمْتَهُ تُطْعِمُ
هذا تكميل ما تقدَّم، وتوطئةُ ما سيأتي.
قال في «المقدِّمة»: قال ورَّاقُه: «سَمِعْتُ محمَّد بن خراش يقول: سَمِعْتُ أحمدَ بن حفص يقول: دخلتُ على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم في مالي دِرهمًا من حَرَام، ولا دِرهمًا من شبهةٍ» قلت: وحَكَى ورَّاقُه: أنَّه وَرِثَ من أبيه مالًا جزيلًا، فكان يعطيه مضاربةً، فَقَطَع له غريمُه خمسةً وعشرين ألفًا، فقيل له: استَعنْ بكتاب الوالي، فقال: إنْ أخذت منهم كتابًا؛ طمعوا فيَّ، ولن أبيع ديني بدنياي، ثمَّ صالحَ غريمَهُ على أنْ يعطيَهُ كلَّ شهرٍ عشرةَ دراهمَ، وذَهَبَ ذلك المال كلُّه، وقال: سمعته يقول: ما تولَّيت شراءَ شيءٍ قطُّ ولا بيعه، كنت آمر إنسانًا يشتري لي، قيل له: ولِمَ؟ قال: لِما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط».
بَدَا خَاشِيًا إِلَهَهُ مُتَحَلِّيًا بِرِضْوَانِ رَبٍّ، وَهْوَ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ
قال تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ }[فاطر:28]، وقال: { جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ }[البينة:8]، وقال: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ }[آل عمران:15]، وقال: { وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ }[التوبة:72].
قال في «المقدِّمة»: قال ورَّاقُه: ركبنا يومًا إلى الرَّمي ونحن بفِرَبْرَ، فخرجنا إلى الدَّرب الذي يؤدِّي إلى الفرضة، فجعلنا نرمي، فأصاب سهم أبي عبد الله وتد القنطرة التي على النهر، فانشقَّ الوتد، فلمَّا رأى ذلك؛ نزل عن دابَّته، فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي، وقال لنا: ارجعوا، فرجعنا فقال لي: يا أبا جعفر؛ لي إليك حاجة _وهو يتنفَّس الصُّعَداء_ فقلت: نعم، فقال: تذهب إلى صاحب القنطرة فتقول له: قد أخللنا بالوتد، فنُحبُّ أنْ تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذ ثمنه، أو تجعلنا في حلٍّ ممَّا كان منَّا، فقال صاحب / القنطرة: أبلغ أبا عبد الله السلامَ وقل له: أنت في حلٍّ ممَّا كان منك، فإنَّ جميع ملكي لك الفداء، فأبلغت الرسالة، فتهلَّل وجهه وأظهر سرورًا كثيرًا، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسَ مئة حديثٍ، وتصدَّق بثلاث مئة درهمٍ، قال: وسمعته يقول لأبي معشر الضرير: اجعلني في حلٍّ يا أبا معشر، فقال: مِن أيِّ شيء؟ فقال: رويت حديثًا يومًا، فنظرت إليك وقد أُعجبت به، وأنت تحرِّك رأسك ويدك، فتبسَّمت من ذلك، قال: أنت في حلٍّ، رحمك الله يا أبا عبد الله.
وَبَاذِلَ أَمْوَالٍ لَهُ الْكَفُّ مُطْلَقٌ وَمَاسِكَ أَقْوَالٍ لَهُ الْفَمُ مُلْجَمُ
قال ورَّاقُه: وسمعته يقول: كنت أستقلُّ في كلِّ شهر خمس مِئة درهمِ، فأنفقها في الطلبِ، وما عند الله خيرٌ وأبقى، وقال: كنت بفربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطًا ممَّا يلي بُخارى، فاجتمع بشرٌ كثيرٌ يعينونه على ذلك، فكان ينقل اللَّبِنَ، فكنت أقول له: يا أبا عبد الله؛ إنَّك تُكفَى ذلك؟ فيقول: هذا الذي ينفعني، قال: وكان ذبح لهمْ بقرةً، فلمَّا أدركت القدرَ؛ دعا النَّاس إلى الطعام، وكان معه مئة نفسٍ أو أكثر، ولم يكنْ عَلِمَ أنَّه يجتمع ما اجتمع، وكنَّا أخرجنا معنا من فربر خبزًا بثلاثة دراهم، فألقيناه بين أيديهم، فأكل جميع مَن حضر، وفرغت أرغفةٌ صالحةٌ، قال: وسمعته يقول: لا يكون لي خصمٌ في الآخرة، فقلت: إنَّ بعض الناس ينقمون عليك «التاريخ» يقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنَّما روينا ذلك روايةً، ولَمْ نَقُلْهُ من عند أنفسنا، وقد قال النبيُّ صلعم: «بِئْسَ أخو العَشيرة»، أقول: يشير إلى أنَّ هذا أحد المواضع السَّبعة التي تُباح فيها الغيبة، ونظمها ابن حجر في قوله:
تظلم واستغث واستفت حذِّر وعرف بدعة فسق المجاهر
ومهَّد له أبو العبَّاس ابن القاضي بقوله:
ألا إنَّ اغتياب الناس ظلم عظيم الخطر من أعظم المناكر
تجنَّب غيبة إلَّا حروفًا بيِّنت جاء عن بعض الأكابر /
قال ورَّاقُه: سمعته يقول: ما اغتبت أحدًا قطُّ منذ سمعت أنَّ الغيبة حرَامٌ.
قلت: وللبخاريِّ في كَلامهِ على الرجالِ توقٍّ وتحريرٌ بليغٌ يظهر لمن تأمَّل كَلامه في «الجرح والتعديل»، فإنَّه أكثر ما يقول: «سكتوا عنه» «فيه نظرٌ» «تركوه» ونحو هذا، وقلَّ أنْ يقول: «كذَّاب» أو «وضَّاع»، وإنَّما يقول: «كذَّبه فلان» أو «رماه فلان»؛ يعني: بالكذب.
وقال المزِّيُّ بسنده إلى بكر بن مُنير: سَمِعْتُ محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ يقول: إنِّي لأرجو أنْ ألقى الله، ولا يحاسبني أنِّي اغتبتُ أحدًا.
وَقَدْ لَطُفَتْ أَخْلَاقُهُ وَتَأَرَّجَتْ شَمَائِلُهُ مِنْهَا الصِّبَا تَتَعَلَّمُ
وقال عبد الله بن محمَّد الصيارفيُّ: كنت عند محمَّد بن إسماعيل في منزله، فجاءته جاريته وأرادت دخول المنزل، فعَثَرَت على محبرةٍ بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ فقالت: إذا لم يكن طريقٌ كيف أمشي؟! فَبَسَطَ يديه وقال: اذهبي فقد أعتقتك، قيل له: يا أبا عبد الله؛ أغضبتك فأعتقتها؟ قال: فقد أرضيتُ نفسي بما فعلتُ، انظر تفسير: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ }[آل عمران:134].
وقال الحاكم: وأنشد البخاريُّ:
خالق الناس بخلق واسع ولا تكن كلبًا على الناس نمر
مُزكِّيَ نِيَّةٍ مُتَمِّمَ مَا نَوَى عَفِيفًا لَهُ رَبٌّ مُعِفٌّ وَمُكْرِمُ
قال ورَّاقُه: رأيته استلقى ونحن بفربر في تصنيف كتاب «التفسير» وكان قد أتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إنِّي سمعتُك تقول: ما أتيت شيئًا بغير علمٍ، فما الفائدة في الاستلقاء؟ فقال: أتعبت نفسي اليومَ، وهذا ثَغرٌ، خشيت أنْ يحدث حدثٌ من أمر العدوِّ، فأحببت أنْ أستريح وآخذ أُهبةً، فإنْ غافَصَنا العدوُّ؛ كان بنا حراكٌ.
وقال غنجار في «تاريخه» بسنده: حُمِلَ إلى محمَّد بن إسماعيل بضاعةٌ أنفذها إليه أبو جعفرٍ، فاجَتَمَعَ بعض التُّجَّار إليه بالعشيَّة، وطلبوا منه البضاعة بربح خمسة آلاف درهمٍ، فقال لهم: انصرِفوا اللَّيلة، فجاءه مِن الغد تُجَّار آخرون، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف درهم، وقال: إنِّي نَوَيت البارحة أنْ أدفع إلى الأوَّلين، / ودفعها إليهم وقال: لا أحبُّ أنْ أنقض نيَّتي.
وقال المزِّيُّ بسنده إلى بكر بن منير: كان محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ ذات يومٍ يصلِّي، فلَسَعَهَ زنبورٌ سبع عشرة مرَّةً، فلمَّا قضى صلاته قال: انظروا أيَّ شيء هذا الذي آذاني في صلاتي، فنَظَروا، فإذا الزنبورُ قد ورَّمه في سبعة عشر موضعًا ولمْ يقطع صلاته.
قال في «المقدِّمة»: «ورويناها عن محمَّد بن أبي حاتمٍ ورَّاقه، وقال في آخرها: كنت في سورةٍ فأحببت أنْ أُتمَّها».
وقال في «المقدِّمة» أيضًا: وقال ورَّاقُه: وكان قليلُ الأكل جدًّا، كثير الإحسان إلى الطَلَبة، مفرط الكَرم، وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي ذرٍّ البخاريُّ: أنَّ محمَّد بن إسماعيل مَرِضَ، فعرضوا ماءَه على الأطبَّاء فقالوا: إنَّ هذا الماء يشبه ماءَ بعض أساقفة النَّصارى فإنَّهم لا يأتدمون، فصدَّقهم وقال: لمْ أأتدم منذ أربعين سنة، فسألوه عن علاجه، فقالوا: علاجه الإدام، فامتنع حتَّى ألحَّ عليه المشايخ وأهل العلم، فأجابهم أنْ يأكل مع الخبز سكَّرةً.
وفي «الطبقات» و«المقدِّمة»: قال محمَّد بن أبي حاتمٍ: وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلَّفت عنِّي نفقتي، حتَّى جلعت أتناول الحشيش ولا أُخبر بذلك أحدًا، فلمَّا كان اليوم الثالث، أتاني آتٍ لم أعرفه، فناولني صرَّة دنانير وقال: أنفِق على نفسك.
عَلَى سَاقِ جِدٍّ فِي الْعِبَادَةِ قَامَ مَا أَقَامَ وَحُرْمَةَ الحَرَامِ يُعَظِّمُ
قال المزِّيُّ في «تهذيبه»: بسنده إلى محمَّد بن أبي حاتمٍ الورَّاق: قال: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفرٍ، يجمعنا بيتٌ واحد، إلَّا في القيظ أحيانًا؛ فكان يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرَّة إلى عشرين مرَّة، في كلِّ ذلك يأخذ القدَّاحة، فيوري نارًا بيده ويسرج، ثمَّ يخرِّج أحاديث، فيعلِّم عليها ثمَّ يضع رأسه، وكان يصلِّي في وقت السَّحر ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بواحدةٍ، وكان لا يوقظني في كلِّ ما يقوم، فقلت له: إنَّك تحمل على نفسك كلَّ هذا ولا توقظني! فقال: أنت شابٌّ، ولا أحب أنْ أُفسد عليك نومك.
وبسنده: كان محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ إذا كان / أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان؛ يجتمع أصحابه، فيصلِّي بهم، ويقرأ في كلِّ رَكعةٍ عشرين آية، وكذلك إلى أنْ يختم القرآن، وكان يقرأ من السَّحر ما بين النِصف إلى الثُّلث من القرآن، فيختم عند السَّحر في كلِّ ثلاث ليالٍ، وكان يختم بالنَّهار كلَّ يوم ختمةً، ويكون ختمه عند الإفطار كلَّ ليلةٍ، ويقول: «عند كلِّ ختمةٍ دعوةٌ مستجابةٌ».
أقول: وهذا من جملة وجوه اختتام القرآن بالفاتحة.
قال في «المقدِّمة»: وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن عليٍّ السليمانيُّ: سمعت عليَّ بن محمَّد بن منصور يقول: سمعت أبي يقول: كنَّا في مجلس أبي عبد الله البخاريِّ، فرفع إنسان من لحيته قذاةً، فطرحها في الأرض، فرأيت محمَّد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلمَّا غفل الناس رأيته مدَّ يده، فرفع القذاة من الأرض، فأدخلها في لحيته، فلمَّا خرج من المسجد؛ رأيته أخرجها فطرحها على الأرض، فكأنَّه صان المسجد عمَّا تصان عنه لحيته.
