نجاح القاري لصحيح البخاري

حديث: إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى

          3439- 3440- (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، واسمه: أنس بن عياض، قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف وبالموحدة (عَنْ نَافِعٍ) أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أي: ابن عمر ☻ (ذَكَرَ النَّبِيُّ صلعم يَوْماً بَيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التثنية، ويروى: <بين ظهري الناس> بدون النون؛ أي: جالساً في وسط النَّاس، والمراد أنَّه جلس بينهم مستظهراً لا مستخفياً، وزيدت فيه الألف والنون تأكيداً، ومعناه أنَّ ظهراً منهم قدامه وظهراً خلفه، فكأنَّهم حفُّوا به من جانبيه فهذا أصله، ثمَّ كثر حتَّى استعملَ في الإقامة بين القوم مطلقاً، ولهذا زعم بعضُهم أنَّ لفظ ظهراني في مثل هذا الموضع مُقْحَم.
          (الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ) للتنبيه كأنه نبَّه السَّامعين ليكونوا على تيقُّظ من سماع كلامه (إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى) ويروى: <أعور عين اليمنى> أي: عين الجهة اليمنى، وفي رواية ابن ماجه عن حذيفة ☺ قال: قال رسول الله صلعم : ((الدَّجال أعور عين اليسرى)) والجَمْعُ بينهما أن يقال: إنَّ إحدى عينيه ذاهبةٌ، والأخرى معيبة فيصحُّ أن يقال لكلِّ واحدة عوراء، إذ الأصلُ في العَورِ العَيْبُ ومنه العار.
          (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) أي: بارزة ناتئةٌ عن حدِّ أختها من طفا الشَّيء يطفو من غير همز إذا علا غيره، والطَّفو: أن يعلوَ الماءَ ما وقع فيه، وشبَّهَها بالعِنَبَة التي تقعُ في العنقود بارزة عن نظائرها، ويقال: طافئة، بالهمز؛ أي: ذاهب ضوؤها / وبدون الهمز ناتية بارزة، وقال الخطَّابي: العِنَبةُ الطَّافئة: هي الحبَّة الكبيرة التي خرجت عن حدِّ أخواتها.
          فإن قيل: جاء في رواية أخرى: أنَّه جاحظ العين كأنها كوكب، وفي أخرى: أنها ليست بناتئة ولا حَجْراً، بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم. قال الهروي: إن كانت اللَّفظةُ محفوظةً فمعناها أنها ليست بصلبةٍ متحجِّرة، وقد رُوِيَ: جَحْراً، بتقديم الجيم؛ أي: غائرةً مُنجَحِرًة في نُقْرَتها.
          وقال الأزهريُّ: هو بالخاء المعجمة في أوَّله، ومعناها الضيِّقة التي لها غَمض ورَمض، وفي رواية أبي داود الطَّيالسي من حديث أبيِّ بن كعب ☺: ((إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء)). وعن ابن عمر ☻ : ((إحدى عينيهِ مطموسة، والأخرى ممزوجة بالدم كأنَّها الزَّهرة)).
          فالجواب أن يقال: إنَّ اختلاف الأوصاف بحسب اختلاف العينين.
          -(وَأَرَانِي) بفتح الهمزة؛ أي: أرى نفسي، وذُكِرَ بلفظ المضارع مبالغةً في استحضارِ صورة الحال (اللَّيْلَةَ) أي: في اللَّيلة (عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ) بالمد؛ لأنه أفعل من الأدمة، وهي السُّمرة الشَّديدة (كَأَحْسَنِ مَا يُرَى) وفي رواية مالك عن نافع الآتية: ((كأحسنِ ما أنت راء)).
          (مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ) بضم الهمزة، جمع آدم (تَضْرِبُ لِمَّتُهُ) بكسر اللام؛ أي: شعرُه الذي جاوزَ شحمةَ الأذنين وألمَّ بالمنكبين، فإذا بلغتِ المنكبين فهي جمَّة، وإذا قصرت عنهما فهي وَفْرةٌ (بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ) بكسر الجيم، بمعنى: مُسَرّحُ الشَّعَر ومُحَسَّنُه ومُنَظَّفُه وهو من الترجُّل، وهو تسريح الشَّعَر وتنظيفه وتدهينه، وفي رواية مالك: ((له لمة قد رجَّلها فهي تقطر ماء)).
          (يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) وهو الماء الذي رَجَّلَها به لِقُرْبِ تَرْجِيْلِهِ، ويحتمل أن يكون المرادُ الاستعارةَ من نضارتهِ وجَمَاله ومَزِيْدِ نظافتهِ، ووقع في رواية سالم الآتية في نعت عيسى ◙: أنَّه آدم سبط الشَّعر، وفي الحديث الذي قبله في نعت عيسى: أنَّه جعد، والجعد: ضدُّ السَّبْطِ، ويمكن أن يُجْمَع بينهما بأنَّه سبط الشَّعر، ووصفه بالجعودة في جسمه لا في شعره.
          والمراد بذلك اجتماعه واكتنازُه، وهذا الاختلاف نظيرُ الاختلاف في كونه آدم أو أحمر، / والأحمر عند العرب: الشَّديد البياض مع الحمرة، والآدم: الأسمر، ويمكن الجَمْعُ بين الوصفين بأنَّه احْمَرَّ لونُه بسببٍ كالتَّعب وهو في الأصل أسمر، ويمكن أن يقال أيضاً: إنَّه ليس أحمر صرفاً، بل هو مائلٌ إلى الأدمة.
          وقد وافق أبو هريرة ☺ على أنَّ عيسى أحمر، فظهر أنَّ ابن عمر ☻ أنكر شيئاً حفظه غيره، وأمَّا قول الدَّاودي: إنَّ روايةَ من قال: آدم أثبت، فلا أدري من أين وَقَعَ له ذلك، مع اتِّفاق أبي هريرة وابن عبَّاس ♥ على مخالفة ابن عمر ☻ .
          وقد وقع في رواية عبد الرَّحمن بن آدم، عن أبي هريرة ☺ في نعت عيسى ◙: «أنَّه مربوع إلى الحمرة والبياض»، كذا قال الحافظ العسقلاني.
          (وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ) قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على اسمهما، وفي رواية مالك: ((متَّكئاً على عواتق رجلين)) والعواتق: جمع عاتق، وهو ما بين المنكب والعنق (وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلاً وَرَاءَهُ جَعْداً) قد مرَّ أنَّ الجُعودة تحتمل الذَّم والمدح بحسب الاستعمال، وهي في صفة عيسى مَدْحٌ، وفي صفة الدَّجال ذم.
          (قَطَطاً) بفتح القاف والطائين المهملتين وقد تكسر الطاء الأولى، والمراد به شدَّة جعودة الشَّعر، ويُطلق في وصف الرَّجل، ويراد به الذَّم يقال: جعد اليدين وجعد الأصابع؛ أي: بخيل، ويُطلق على القصير أيضاً (أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى) من باب إضافة الموصوف إلى صفتهِ وهو عند الكوفيين ظاهر، وعند البصريين تقديره: عين صفحة وجهه اليمنى (كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ) بضم التاء وفتحها (بِابْنِ قَطَنٍ) بفتح القاف والطاء، واسمه: عبد العزى بن قطن بن عَمرو بن جندب بن سعيد بن عابد بن مالك بن المصطلق الجاهلي الخزاعي، وأمُّه: هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وكانت عند الرَّبيع بن عبد العزَّى بن عبد شمس، فولدت له أبا العاص، ثمَّ خلف عليها بعده أخوه ربيعة بن عبد العزى، ثمَّ خلف عليها وهب بن عبد فولدت له أولاداً، ثمَّ خلف عليها قَطَن بن عمرو المذكور فولدت له عبد العزى بن قطن.
          وحكى الدِّمياطي عن ابن سعد أنَّه قال: يا رسول الله / هل يضرُّني شبهه؟ قال: ((لا، أنت مسلم وهو كافر)) والمعروف في الذي شبهه به صلعم هو أكتم بن عَمرو بن لحي جدُّ خزاعة لا الدجال، كذا أخرجه أحمد وغيره، والله تعالى أعلم.
          (وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة (تَابَعَهُ) أي: تابع موسى بن عقبة (عُبَيْدُ اللَّهِ) أي: ابن عمر العمري (عَنْ نَافِعٍ) عن ابن عمر ☻ ، وصل هذه المتابعة أحمد ومسلم من طريق أبي أسامة ومحمَّد بن بِشر جميعاً عن عبيد الله بن عمر في ذكر المسيح الدجال فقط إلى قوله: ((عِنَبة طافئة)) ولم يذكر ما بعده، وهذا يشعر بأنه يُطْلِقُ المتابعةَ ويريد أصل الحديث لا جميع ما اشتمل عليه.