نجاح القاري لصحيح البخاري

معلق ابن طهمان: رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق

          3444- (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وإسكان الهاء (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بضم المهملة (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ☺) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلعم ) وهذا طريق آخر معلَّق في حديث أبي هريرة ☺ المذكور، وصله النَّسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله النِّيسابوري، عن أبيه، عن إبراهيم، وأحمد هذا من شيوخ البخاري.
          -(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المعروف بالمُسْندي، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ) بتشديد الميم، هو: ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ☺، عَنِ النَّبِيِّ صلعم ) أنَّه (قَالَ: رَأَى عِيسَى رَجُلاً يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: سَرَقْتَ) قال القرطبي: ظاهر هذا أنَّه خبرٌ حازمٌ بما فَعَلَ الرَّجل من السَّرقة؛ لأنه رآه أنَّه أخذ مالاً من حرز في خفيةٍ، وقيل: يحتمل أن يكون مستفهماً له عن تحقيق ذلك فحذف همزة الاستفهام.
          وقال العيني: رأيت في بعض النُّسخ: ((أسرقت)) بهمزة الاستفهام ورُدَّ بأنَّه بَعِيد مع جزم النَّبي صلعم بأنَّ عيسى ◙ رأى رجلاً يسرقُ، ويمكن أن يؤوَّلُ بأن المراد رآه يَسرق في ظنِّه، وقيل: يُحْتَمل حِل الأخذ لهذا الرجل بوجه من الوجوه، ورُدَّ بالجزم المذكور أيضاً.
          (قَالَ كَلاَّ) نفى السَّرقة ثم أكده بقوله: (وَالَّذِي / / / لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) هكذا في رواية الكُشْمِيْهَني، وفي رواية غيره: <والذي لا إله إلا الله> وفي رواية ابن طَهْمان عند النَّسائي: ((قال: لا والذي لا إله إلا هو)) (فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي) وفي رواية مسلم: ((وكذَّبتُ نفسي))، وفي رواية ابن طَهمان: ((وكذَّبت بصري)).
          قال القاضي عياض: أي: صدَّقت من حلف بالله، وكذَّبت ما ظهر لي من كون الأخذ المذكور سرقة، فإنَّه يحتمل أن يكون أَخَذَ مالَهُ فيه حقٌ أو ما أَذِنَ له صاحبُه في أَخْذِه أو أَخَذَه لينقلَه وينظرَ فيه، ولم يقصدِ الغَصْب والاستيلاء.
          وقال ابن التِّين: قال عيسى ◙: ذلك على المبالغة في تصديق الحالف، وأمَّا قوله: ((وكذَّبت عيني)) فلم يُرِدْ به حقيقة التَّكذيب، وإنَّما أراد كذَّبت عيني في غير هذا، قاله ابن الجوزي وفيه بُعْدٌ، وقيل: إنَّه أراد بالتَّصديق والتَّكذيب ظاهر الحكم لا باطن الأمر، وإلَّا فالمشاهدة أعلى اليقين فكيف يكذِّب عينه ويصدِّق قول المدعي، ويحتمل أن يكون رآه مدَّ يده إلى الشَّيء فظنَّ أنَّه تناوله فلمَّا حلف له رجع عن ظنِّه، وقد استُدِلَّ به على دَرْءِ الحدِّ بالشُّبهة، وعلى منع القضاء بالعلم، والرَّاجح عند المالكيَّة والحنابلة منعه مطلقاً، وعند الشَّافعية جوازه إلَّا في الحدود، وهذه الصُّورة من ذلك.
          ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في الفضائل.