نجاح القاري لصحيح البخاري

حديث: أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات

          3442- (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَمُ بن نافع، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرَّحمن بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ☺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلعم يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ) وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ☺: ((بعيسى بن مريم في الدُّنيا والآخرة))؛ أي: أخصُّ النَّاس به وأقربُهم إليه؛ لأنه بَشَّرَ بنبيٍّ يأتي مِنْ بَعْدِه اسمه أحمد، وقيل: لأنه لا نبيَّ بينهما.
          قال الكِرماني: التَّوفيق بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبي} [آل عمران:68] أنَّ الحديث وارد في كونه صلعم متبوعاً، والآية واردة في كونه تابعاً، وله الفضل تابعاً ومتبوعاً.
          وقال الحافظُ العسقلاني: مساق الحديث كمساق الآية، ولا دَليل على هذه التَّفرقة، والحق أنَّه لا منافاة ليحتاج إلى الجَمْع، فكما أنَّه أولى النَّاس بإبراهيم كذلك هو أولى النَّاس بعيسى؛ ذاك من جهة قوَّة الاقتداء به، وهذا من جهةِ قُرب العهد به، والله تعالى أعلم.
          (وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ) وفي رواية عبد الرَّحمن المذكورة: ((والأنبياء أخوة لعلات)). والعَلَّات، / بفتح العين المهملة وتشديد اللام وآخره تاء مثناة من فوق: الضَّرائر، وأصله أن من تزوَّج امرأة ثمَّ تزوَّج أخرى كأنَّه عل منها، والعَلَل: الشُّرب بعد الشُّرب، يقال: عَلل بعد نَهَل.
          وفي «التَّهذيب»: هما أخوان من عَلَّة، وهما ابنا علَّة وهم بنوا علَّة وهم من عَلات، وفي «المحكم» جمع العلَّة العلائل، وأولاد العلَّات الأخوة من الأب وأمَّهاتهم شتَّى، وقد بيَّنه في رواية عبد الرَّحمن فقال: أمَّهاتهم شتَّى ودينهم واحد، وهو من باب التَّفسير كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} [المعارج:19-21].
          ومعنى الحديث: أنَّ أصل دينِهم واحدٌ وهو التَّوحيد، وإن اختلفتْ فروعُ الشَّرائع يعني: أنَّهم متَّفقون فيما يتعلَّق بالاعتقاديات المسماة بأصول الدِّين كالتَّوحيد وسائر مسائل علم الكلام، مختلفون فيما يتعلَّق بالعمليات وهي الفقهيات، هذا وأمَّا الأخوة لأم فقط فيقال لهم: بنوا الأخياف، والأخوة لأبوين يقال لهم: بنوا الأعيان.
          (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ) أورده كالشَّاهد لقوله: ((أنا أولى الناس بابن مريم))، وفي رواية عبد الرَّحمن بن آدم: ((وأنا أولى النَّاس بعيسى)) لأنَّه لم يكن بيني وبينه نبي، واستُدِلَّ به على أنَّه لم يُبْعَثْ بعد عيسى ◙ أحدٌ إلَّا نبيَّنا صلعم . قيل: وليس الاستدلالُ به قويًّا؛ لأنَّه ورد أنَّ الرُّسل الثَّلاثةَ الذين أُرْسِلوا إلى أصحاب القرية المذكورة في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وأنَّ جَرْجيس وخالدَ بنَ سنان كانا نبيَّين وكانا بعد عيسى ◙، وأُجيب أنَّ هذا الحديثَ يُضْعِفُ ما وردَ في ذلك، فإنَّه صحيح بلا تردد، وفي غيره مقال، ويمكن أن يقالَ: المراد أنَّه لم يُبْعَثْ بعد عيسى ◙ نبي بشريعة مستقلَّة، وإنَّما بُعِثَ بعده من بُعِثَ بتقرير شريعة عيسى ◙، ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله: بابن مريم.