فتح الباري بشرح صحيح البخاري

باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه

          ░21▒ قوله (باب إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه) ذكر فيه حديث ابن عمر (ينصب لكل غادر لواء) وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يتقاتلون على الملك من أجل الدنيا وحديث حذيفة في المنافقين ومطابقة الأخير للترجمة ظاهرة ومطابقة الأول لها من جهة أن في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غدر وسيأتي في كتاب الأحكام ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك وذكر فيه قول ابن عمر لمن سأله عن القول عند الأمراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم كنا نعده نفاقاً وقد وقع في بعض طرقه أن الأمير المسؤول عنه يزيد بن معاوية كما سيأتي في الأحكام ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا.
          ووقع لابن بطال هنا شيء فقال وأما قول أبي برزة فوجه موافقته للترجمة أن هذا القول لم يقله أبو برزة عند مروان حين بايعه بل بايع مروان واتبعه له ثم سخط ذلك لما بعد عنه ولعله أراد منه أن يترك ما نوزع فيه طلباً لما عند الله في الآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان يعني من عدم المقاتلة لا من ترك الخلافة فلم يقاتل من نازعه بل ترك ذلك وكما فعل الحسن بن علي حين ترك قتال معاوية حين نازعه الخلافة فسخط أبو برزة على مروان تمسكه بالخلافة والقتال عليها فقال لأبي المنهال وابنه / بخلاف ما قال لمروان حين بايع له قلت ودعواه أن أبا برزة بايع مروان ليس بصحيح فإن أبا برزة كان مقيماً بالبصرة ومروان إنما طلب الخلافة بالشام وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها إلا الأردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم حتى هم مروان أن يرحل على ابن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة وحارب الضحاك بن قيس فهزمه وغلب على الشام ثم توجه إلى مصر وغلب عليها ثم مات في سنته فبايعوا بعده ابنه عبد الملك وقد أورد ذلك الطبري واضحاً وأخرج الطبراني بعضه من رواية عروة بن الزبير وفيه أن معاوية بن يزيد بن معاوية لما مات دعا مروان لنفسه فأجابه أهل فلسطين وأهل حمص فقاتله الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك ثم مات مروان وقام عبد الملك فذكر قصة الحجاج في قتاله عبد الله بن الزبير وقتله ثم قال ابن بطال وأما يمينه يعني أبا برزة على الذي بمكة يعني ابن الزبير فإنه لما وثب بمكة بعد أن دخل فيما دخل فيه المسلمون جعل أبو برزة ذلك نكثاً منه وحرصاً على الدنيا وهو أي أبو برزة في هذه _أي قصة ابن الزبير_ أقوى رأياً منه في الأولى _أي قصة مروان_ قال وكذلك القراء بالبصرة لأن أبا برزة كان لا يرى قتال المسلمين أصلاً فكان يرى لصاحب الحق أن يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالإيثار على نفسه لئلا يكون سبباً لسفك الدماء انتهى ملخصاً ومقتضى كلامه أن مروان لما ولي الخلافة بايعه الناس أجمعون ثم نكث ابن الزبير بيعته ودعا إلى نفسه وأنكر عليه أبو برزة قتاله على الخلافة بعد أن دخل في طاعته وبايعه وليس كذلك والذي ذكرته هو الذي توارد عليه أهل الأخبار بالأسانيد الجيدة وابن الزبير لم يبايع لمروان قط بل مروان هم أن يبايع لابن الزبير ثم ترك ذلك ودعا إلى نفسه.