فتح الباري بشرح صحيح البخاري

باب ذكر الدجال

          ░26▒ قوله (باب ذكر الدجال) هو فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية وسمي الكذاب دجالاً لأنه يغطي الحق بباطله ويقال دجل البعير بالقطران إذا غطاه والإناء بالذهب إذا طلاه وقال ثعلب الدجال المموه سيف مدجل إذا طلي وقال ابن دريد سمي دجالاً لأنه يغطي الحق بالكذب وقيل لضربه نواحي الأرض يقال دجل مخففاً ومشدداً إذا فعل ذلك وقيل بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض فرجع إلى الأول وقال القرطبي في «التذكرة» اختلف في تسميته دجالاً على عشرة أقوال ومما يحتاج إليه في أمر الدجال أصله وهل هو ابن صياد أو غيره وعلى الثاني فهل كان موجوداً في عهد النبي صلعم أو لا ومتى يخرج وما سبب خروجه ومن أين يخرج وما صفته وما الذي يدعيه وما الذي يظهر عند خروجه من الخوارق حتى تكثر أتباعه ومتى يهلك ومن يقتله
          فأما الأول فيأتي بيانه في كتاب الاعتصام في شرح حديث جابر أنه كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال.
          وأما الثاني فمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري الذي أخرجه مسلم أنه كان موجوداً في العهد النبوي وأنه محبوس في بعض الجزائر وسيأتي بيان ذلك عند شرح حديث جابر أيضاً.
          وأما الثالث ففي حديث النواس عند مسلم أنه يخرج عند فتح المسلمين القسطنطينية.
          وأما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها.
          وأما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزماً ثم جاء في رواية أنه يخرج من خراسان أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر وفي أخرى أنه يخرج من أصبهان أخرجها مسلم.
          وأما صفته فمذكورة في أحاديث الباب.
          وأما الذي يدعيه فإنه يخرج أولاً فيدعي الإيمان والصلاح ثم يدعي / النبوة ثم يدعي الإلهية كما أخرج الطبراني من طريق سليمان بن شهاب قال نزل علي عبد الله بن المعتمر وكان صحابياً فحدثني عن النبي صلعم أنه قال ((الدجال ليس به خفاء يجيء من قبل المشرق فيدعو إلى الدين فيتبع ويظهر فلا يزال حتى يقدم الكوفة فيظهر الدين ويعمل به فيتبع ويحث على ذلك ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لب ويفارقه فيمكث بعد ذلك ثم يقول أنا الله فتغشى عينه وتقطع أذنه ويكتب بين عينيه كافر فلا يخفى على كل مسلم فيفارقه كل أحد من الخلق في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) وسنده ضعيف.
          (تنبيه)
          اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر وعظم الفتنة به وتحذير الأنبياء منه والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة وأجيب بأجوبة:
          أحدها أنه ذكر في قوله {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام:158] فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه ((ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها)).
          الثاني قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] وفي قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} [الزخرف:61] وصح أنه الذي قتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر ولكونه يلقب المسيح كعيسى لكن الدجال مسيح الضلالة وعيسى مسيح الهدى.
          الثالث أنه ترك ذكره احتقاراً وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقضى أمره وأما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحداً انتهى وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج وقد وقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57] وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي صلعم ببيانه والعلم عند الله تعالى وأما ما يظهر على يديه فسيذكر هنا.
          وأما متى يهلك ومن يقتله فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة و المدينة ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى عليه الصلاة والسلام فيقتله أخرجه مسلم أيضاً وسأذكر لفظه وفي حديث هشام بن عامر سمعت رسول الله صلعم يقول ((ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال)) أخرجه الحاكم وعند الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه ((أنه يخرج _يعني الدجال_ في نقص من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين فيرد كل منهل وتطوى له الأرض)) الحديث.
          وأخرج نعيم بن حماد في «كتاب الفتن» من طريق كعب الأحبار قال يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يلتمس فلا يقدر عليه ثم يرى عند المياه التي عند نهر الكسوة ثم يطلب فلا يدري أين توجه ثم يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة ثم يظهر السحر ثم يدعي النبوة فتتفرق الناس عنه فيأتي النهر فيأمره أن يسيل إليه فيسيل ثم يأمره أن يرجع فيرجع ثم يأمره أن ييبس فييبس ويأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا ويأمر الريح أن تثير سحاباً من البحر فتمطر الأرض ويخوض البحر في يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه وإحدى يديه أطول من الأخرى فيمد الطويلة في البحر فتبلغ قعره فيخرج من الحيتان ما يريد وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من «الحلية» بسند حسن صحيح إليه قال لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر / ألف رجل وسبعة آلاف امرأة وهذا لا يقال من قبل الرأي فيحتمل أن يكون مرفوعاً أرسله ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب.