أصل الزراري شرح صحيح البخاري

حديث المغيرة في المسح على الخفين

          203- وبه قال: (حدثنا عَمرو) بفتح العين المهملة (بن خالد) : بن فَرُّوخ؛ بفتح الفاء، وضم الراء المشددة، آخره خاء معجمة: أبو الحسن (الحَرَّاني)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الرَّاء، وبعد الألف نون، نسبة إلى حران، قال الكرماني: (موضع بالجزيرة بين العراق والشام)، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس كما قال، بل هي مدينة قديمة بين دجلة والفرات، كانت تعدل ديار مصر، واليوم خراب، وقيل: هي مولد إبراهيم ◙، ويوسف وإخوته ‰، وقال ابن الكلبي: لما خرج نوح ◙ من السفينة؛ بناها، وقيل: إنَّما بناها هاران خال يعقوب ◙، فأبدلت العرب الهاء حاء، فقالوا: حران) انتهى وفي ديارنا الشريفة الشامية قرية بأرض المرج تسمى حران، وبها قبر سيدنا حيا الحراني، وفي مسجده بئر عظيم ماؤه يشابه ماء زمزم في حلاوته وعذوبته، وبالقرية أعمدة سود كبار، ليس عليها بناء، وتنسب القرية إليها، فيقال: حران العواميد، والله تعالى أعلم، (قال: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة؛ أي: ابن سعْد؛ بسكون العين المهملة، من أتباع الإمام الأعظم ☺، (عن يحيى بن سعِيْد)؛ بكسر العين بعدها تحتية ساكنة، الأنصاري، (عن سعْد) بسكون العين (بن إبراهيم)؛ أي: ابن عبد الرحمن بن عوف ♥، (عن نافع بن جُبير)؛ بضم الجيم مصغرًا؛ أي: ابن مطعم، (عن عُروة) بضم العين (بن المُغيرة)؛ بضم الميم؛ أي: ابن شعبة ☺، (عن أبيه المغيرة بن شُعْبة)؛ بضم الشين المعجمة وسكون العين، الصحابي الجليل ☻، (عن رسول الله صلعم أنه خرج لحاجته)؛ أي: لقضائها، وذلك في غزوة تبوك_بلا تردد_ عند صلاة الفجر، كما في «الموطأ»، و«مسند أحمد»، و«سنن أبي داود» من طريق عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، لكن في (المغازي) : «أنه كان في غزوة تبوك»على تردُّد من بعض رواته، أفاده في «عمدة القاري»، (فاتَّبعه المغيرة) من الاتِّباع_بتشديد الفوقية_ من باب (الافتعال)، وفي رواية: (فأتبعه) من الإتباع_بتخفيف المثناة الفوقية_ من باب (الإفعال) (بإداوة)؛ بكسر الهمزة، وقد تفتح؛ أي: بمطهرة (فيها ماء) للوضوء، وعند المؤلف من طريق مسروق عن المغيرة في (الجهاد) وغيره: (أن النبي صلعم هو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة)، وزاد: (حتى توارى عني فقضى حاجته ثم أقبل فتوضأ)، وعند أحمد من طريق أخرى عن المغيرة: أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبي ◙ قال: «سلها إن كانت دبغتها؛ فهو طهور»، وأنها قالت: والله دبغتها، كذا في «عمدة القاري».
          (فصبَّ)؛ بالصَّاد المهملة؛ أي: المغيرة (عليه) ◙ (حين فرغ)؛ أي: وقت فراغه (من حاجته)، لكن بعد عوده منها، فكأنه ◙ قد استنجى بالأحجار، (فتوضأ)، فغسل وجهه ويديه، كما في رواية باب (الرجل يوضئ صاحبه)، وزاد في (الجهاد) المؤلف: (وعليه جُبَّةُ شامية)، وفي رواية «أبي داود»: (من صوف من جباب الروم)، وللمؤلف في (الجهاد) أيضًا: (أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه_زاد أحمد في «مسنده»: ثلاث مرات_، فذهب يخرج يديه من كميه، فكانا ضيقين، فأخرجهما من تحت الجبة)، ولمسلم من وجه آخر: (وألقى الجبة على منكبيه)، ولأحمد: (فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات)، وفي رواية أخرى للمؤلف: (ومسح برأسه)، وفي رواية مسلم: (ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين)، وبما تقدر ظهر أن المراد بقوله: (فتوضأ)؛ أي: بالكيفية المذكورة لا أنه غسل رجليه ومسح خفيه، كما توهمه الكرماني، فاخترع(1) سؤالًا وجوابًا، وذهل عن هذه الروايات، كما نبه عليه في «عمدة القاري».
          (ومسح على الخفين)؛ أي: بدلًا عن غسل الرجلين؛ للإجماع على عدم وجوب الجمع بين الغسل والمسح، بل على عدم جوازه، ويفهم من قوله: (على الخفين) عدم جواز المسح على أسفلهما، وعقبهما، وساقهما، وجوانبها، وهو كذلك عن الجمهور؛ لحديث علي ☺: (لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح عليه من ظاهره، وقد رأيت رسول الله ◙ يمسح على الخفين على ظاهرهما)، رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي وقال: (حديث حسن صحيح) .
          والسنة عند الشافعي ومالك: مسح أعلى الخف وأسفله؛ لما روي: (أنه ◙ مسح أعلى الخف وأسفله)، وقد ضعَّفه أهل الحديث، وقال الحفَّاظ: (إنه شاذ لا يُعْتَدُّ به، ولا يعارض الصحيح، وإن صحَّ؛ يُحْمَلُ على الاستحباب).
          والسنة في مسحهما أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدَّم خفِّه الأيمن، وأصابع يده اليسرى على مقدَّم خفِّه الأيسر من قبل الأصابع، فإذا تمكَّنت الأصابع؛ يمدَّها حتى ينتهي إلى أصل الساق فوق الكعبين؛ لأنَّ الكعبين يلحقهما فرض الغسل ويلحقهما سنة المسح، وإن وضع الكفين مع الأصابع؛ كان أحسن، هكذا روي عن الإمام محمد، كما في «البحر» عن «شرح الجامع» لقاضيخان.
          قال في «منهل الطلاب»: والتيامن فيه مسنون؛ لأنَّه ◙ كان يحبُّ التيامن في شأنه كله حتى في تنعله وترجله، ولا يخفى أن مسح الخفين طهارة ووسيلة للعبادة، فيسَنُّ فيه التيامن؛ لأنَّه لا يكون أحط رتبة من التنعُّل والترجُّل، بل المسح أشرف منهما، ولا يستحبُّ استيعاب الخفين بالمسح على المعتمد، كما في عامَّة المعتبرات، وقال بعض المشايخ: يستحب الجمع بين الظاهر والباطن، وهو ضعيف، وإن مشى عليه في «الدر» تبعًا «للنهر»، كما أوضحه في «منهل الطلاب»، ولا يسنُّ تكراره كمسح الرأس، كما في «البحر»، و«النهر»، و«الخلاصة»، لكن يسن إظهار الخطوط، كما في «البحر» وغيره.
          وفي الحديث: جواز الاستعانة بغيره.
          وفيه: جواز الانتفاع بجلود الميتات إذا كانت مدبوغات.
          وفيه: جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى تتحقق نجاستها؛ لأنَّه ◙ لبس الجبة الرومية، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا يتنجَّس بالموت؛ لأنَّ الجبة كانت شامية، وكان الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات.
          وفيه: الردُّ على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في (المائدة)؛ لأنَّها نزلت في غزوة المريسع، وكانت هذه القضية في غزوة تبوك، وهي بعدها بلا خلاف.
          وفيه: التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيِّقة فيه؛ لكونها أعون على ذلك.
          وفيه: قبول خبر الواحد في الأحكام ولو كانت امرأة سوداء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا؛ لأنَّه ◙ قبل خبر الأعرابية.
          وفيه: استحباب التواري عن أعين الناس عند قضاء الحاجة والإبعاد عنهم.
          وفيه: جواز خدمة السادات بغير إذنهم.
          وفيه: استحباب الدوام على الطهارة؛ لأنَّه ◙ أمر المغيرة أن يتَّبعه بالماء؛ لأجل الوضوء.
          وفيه: أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يجوز؛ لإخراجه ◙ يده من تحت الجبة ولم يَكْتَفِ بما بقي، كذا قرَّره في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.


[1] في الأصل: (فاخترق)، ولعل المثبت هو الصواب.