مصابيح الجامع الصحيح

باب: الأرواح جنود مجندة

          ░2▒ (باب: الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ)
          سئل شيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي ⌂: هل الأرواح تفنى كما تفنى الأجسام أو لا؟
          فأجاب: أما فناء الأجسام، فقال أكثر المتكلمين به، ثم يعيدها الله تعالى يوم القيامة.
          وقال بعض المتكلمين: لا تفنى بل تتفرق ثم يجمعها الله تعالى يوم القيامة، وأطلق المتكلمون ذلك من القولين من غير ثالث.
          وورد في الحديث: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب»، وفسروه بأنه عظم كالخردلة أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب منه يركَّب ابن آدم ومنه خلق، فقال بعض الناس بظاهر هذا الحديث وأثبت قولًا ثالثا.
          وردَّ المزني عليه بقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26]، وتأول المزني الحديث على أن الإنسان يبلى بالتراب فإذا لم يبق إلا عجب الذنب أفناه الله تعالى بلا تراب.
          وأما الأرواح فللحكماء فيها ثلاث مذاهب؛ أشهرها: مذهب أرسطو وأتباعه أنها يجب بقاؤها بعد مفارقتها البدن، والثاني: مذهب المتقدمين منهم أنه يجب فناؤها، والثالث: التفصيل فإن كانت مفارقتها للبدن قبل تصور المعقولات وتجريد الكليات من الجزئيات فإنها لا تبقى، وإن كانت قد تكملت بما حصل لها من التصورات الكلية والتصديقات العقليات في حالة اتصالها بالبدن فإنها تبقى وإن فارقت البدن، وهذه كلها مذاهب فاسدة، والحق أن بقاءها ممكن ليس بواجب ولا مستحيل سواء تكملت أو لم تتكمل وأعني بالإمكان الإمكان العقلي.
          وأما المشرعون: فأطبقوا على أنها باقية بعد مفارقة البدن، وقد دلت الشرائع على وقوعه ولا أعلم بين الشرائع خلافًا ولا يتشكك في ذلك أحد من أهل الإسلام لا عالم ولا عامي، بل زادوا على ذلك، وادعوا إطلاق القول بحياة جميع الموتى، وقالوا في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} [البقرة:154] أن هذا ليس خاصًا بمن يقتل في سبيل الله، وإنما قصد بالآية الرد على الكفار القائلين بعدم البعث وأن بالموت يفنى الإنسان بالكلية / ولا يبقى له أثر من إحساس ونحوه فرد الله تعالى عليهم، ولكن حياة الموتى مختلفة فحياة الشهيد أعظم، وحياة الميت الذي ليس بشهيد دونه، وحياة الكافر لما يحصل له من العذاب دونه، والكل مشتركون في الحياة ومنهم من يبلى جسده ومنهم من لا يبلى، والأرواح كلها باقية.
          هذا دين الإسلام، وإنما اختلف علماء الإسلام في أمور أخرى جزئية تتعلق بذلك:
          منها: رجوع الروح إلى البدن بعد الدفن، وقد ورد في ذلك حديث جيد في «الطيالسي»، وغيره وضعفه ابن حزم بأن في سنده المنهال بن عمرو، وهذا التضعيف غير مقبول؛ فإن المنهال بن عمرو أخرج له البخاري.
          ومنها: كون الأرواح عند أقبية القبور، أو أن أرواح المؤمنين في السماء وأرواح الكفار تحت الأرض.
          ومنها: أن بعض الأرواح هل هي الآن في الجنة كأرواح الأنبياء والشهداء؟
          ومنها: أن الأرواح مع قولنا ببقائها هل يحصل لها عند القيامة فناء ثم تعاد لتوفى بظاهر قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26] أو لا بل يكون مستثنى؟ هذا لم أر فيه نقلا، والأقرب أنها لا تفنى، وأنها من المستثنى كما قيل في الحور العين، والله تعالى أعلم.
          [قوله: (مجندة):] قال النووي: معناه جموع مجتمعة وأنواع مختلفة، وأما تعارفها، فقيل: إنها متوافقة في صفاتها التي خلقها الله عليها، ومناسبتها في أخلاقها، وقيل: أنها خلقت مجتمعة، ثم فرقت في أجسادها، فمن وافق صِنفَهُ ألفه ومن باعده نافره.
          الخطابي: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر، وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله، والشرير يميل إلى نظيره، فالأرواح إنما تتفاوت بضرائب طباعها التي جبلت عليها من الخير والشر، فإذا اتفقت الأشكال تعارفت وتآلفت، وإذا اختلفت تنافرت وتناكرت، والآخر: أنَّه روي أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فكانت تلتقي، فلما اُلتبست بالأجسام تعارفت بالذكر الأول فصار كل منها إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد المتقدم.
          فائدة: لعل مناسبة هذا الباب بكتاب الأنبياء للإشارة إلى أن آدم، وأولاده مركَّب من البدن والروح.