مصابيح الجامع الصحيح

باب: {يعكفون على أصنام لهم}

          ░29▒ (باب قوله تعالى: {يَعْكِفُونَ} [الأعراف:138])
          قوله في الترجمة: ({يَعْكِفُونَ}): هو بضم الكاف وكسرها، قراءتان: حمزة والكسائي: بكسر الكاف، والباقون بضمها، قال الكرماني: وتبعه البرماوي: لعل المناسبة؛ يعني: بين الترجمة والحديث من جهة أن بني إسرائيل كانوا مستضعفين جهالًا، ففضلهم الله على العالمين، وسياق الآية يدل عليه، انتهى
          ولما قدم شيخنا حلب أمرني أن أسأل والدي ⌂ عن وجه المناسبة، فسألته، فأرسل معي إليه بشرح شيخنا ابن الملقن: ولفظه: قد قال بعض شيوخنا لا مناسبة، قلت: مناسبته ظاهرة لدخول موسى ◙ فيمن رعى الغنم، انتهى، ولم يرفض والدي ولا شيخي هذا الجواب.
          ثم أرسلت إلى شيخنا أسأله عن وجه الجمع بينهما فكتب إليَّ: وقع في «الفتح» باب: {يعكفون على أصنام لهم} أتى بتفسير ذلك؛ أي: الآية التي فيها هذا القدر وهي قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [الأعراف:138] ولم يفسر البخاري منها إلا قوله تعالى فيها: {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ} [الأعراف:139] ففسر لفظ (متبر) فقط، وهو من تفسير ابن عباس رواية علي بن أبي طلحة، أخرجه الطبري من طريقه، وأما قوله: {وَلِيُتَبِّرُوا}: ليدمروا، فذكره استطرادا كعادته، وهذا أخرجه الطبري من تفسير قتادة، من طريق سعيد بن أبي عروبة، وأما حديث جابر فمناسبته للترجمة غير ظاهرة، وقد تكلف بعضهم لها وجهًا، فقال: المناسبة بينهما أن بني إسرائيل كانوا مستضعفين جهالًا ففضلهم الله تعالى على العالمين، كما يدل عليه سياق الآية؛ أي: فيما يتعلق ببني إسرائيل، قال: فكذلك الأنبياء كانوا أولًا مستضعفين بحيث أنهم كانوا يرعون الغنم، انتهى
          وقال بعضهم: وجه المناسبة أن بني إسرائيل لما جاوزوا البحر ورأوا أولئك القوم الذين يعكفون على أصنامهم، كان فيما قيل على صورة البقرة سألوا موسى ما سألوا ورد عليهم، وبقي ذلك في نفوسهم حتى وقع / من السامري ما وقع، فمن هنا تدخل المناسبة، وتمامه أن سبب طلبهم ذلك علمهم بأن موسى كان في أول أمره يرعى الغنم، فرأوا أن لملازمته الغنم فضيلة فتكون ملازمة البقر فوق ذلك، ولا يخفى تكلف ذلك وبُعده.
          إلى أن قال: والذي يهجس في خاطري أنه كان بين التفسير المذكور، وبين الحديث بياض أُخلي ليُدخَل فيه حديث يناسبه، وأخلي لترجمة تصلح لحديث جابر فوصل ذلك كما وقع في نظائره، وترك البياض فصار الحديث للترجمة التي قبله فأشكل.
          ومناسبة حديث جابر لقضية موسى من جهة عموم قوله: «وهل من نبي إلا وقد رعاها» فدخل فيهم مرتين، بل وقع في بعض طرق الحديث المذكورة: «ولقد بعث موسى وهو راعي الغنم» أخرجه النسائي في (التفسير) من طريق أبي إسحاق عن نصر بن حزن، ورجال إسناده ثقات.
          هذا الذي يظهر لي من ذلك، وقد وقع في رواية إبراهيم بن معقل عن البخاري (باب) بغير ترجمة، وساق فيه حديث جابر، ولم يذكر التفسير المذكور أولًا، فكأنه حذف التفسير المذكور لأنه لا يصلح أن يكون ترجمة لحديث جابر، وهو يؤيد ما ذهب إليه، والعلم عند الله تعالى.
          وقال والدي ⌂: كان اللائق بهذا التبويب حديث (ذات...) وهو حديث أخرجه الترمذي والنسائي من رواية أبي واقد الليثي.
          ولمَّا قدم سراج الدين البلقيني إلى حلب سأله والدي ⌐ عن وجه المناسبة فأظهر كتابه في المناسبات فإذا فيه بياض ولم يجب عنه فكتب
          قال الخطابي: يريد أن الله تعالى لم يضع النبوة في أبناء الدنيا والمترفين منهم، إنَّما جعلها في رعاء الشاء، وأهل التواضع من أصحاب الحرف، كما روي أن أيوب كان خياطًا، وزكريا كان نجارًا، {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتَهُ} [الأنعام:124].
          النووي: فيه فضيلة رعاية الغنم، قالوا: والحكمة في رعاية الأنبياء لها ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتصفو قلوبهم بالخلوة، ويترَقُّوا من سياستها إلى سياسة أممهم.
          قال السهيلي: للقعنبي في «غريب الحديث» : «بعث موسى ◙ وهو راعي غنم، وبعث داود ◙ وهو راعي غنم، وبعثت أنا راعي غنم أهلي بأجياد»، وإنما جعل الله سبحانه هذا في الأنبياء مقدمة لهم ليكونوا رُعاء الخلق، وليكون أممهم رعايا لهم، انتهى