مصابيح الجامع الصحيح

{وإلى مدين أخاهم شعيبًا}

          ░34▒ (لأن مدين بلد): فيه نظر؛ لأن مدين المذكور في الآية هو ابن إبراهيم، وشعيب هو ابن صفوان، ويقال: ابن ملكان بن تويت بن مدين بن إبراهيم، وجدة أم شعيب بنت لوط كذا قاله ابن الملقن.
          ويظهر لي أن لا نظر في ذلك؛ بل: يكون قد مال البخاري إلى أنه بلد، قال ابن عبد السلام: مدين اسم مدنهم من مَدَن؛ أي:أقام، وقيل: نسبة إلى جدهم مدين ابن إبراهيم. /
          قوله: ({لا تأس على القوم الكافرين}) [المائدة:68]: ليس هنا قصة شعيب وإنما ذكره لمناسبة قوله: {فكيف آسى} [الأعراف:93].
          قوله: (وقال الحسن...) إلى آخره: يعني: أنهم عكسوا على سبيل الاستعارة التَّهكميَّة إذ غرضهم، أنت السَّفيه الغوي لا الحليم الرَّشيد.
          قوله: ({ليكة}) [الشعراء:176]: أي: الأيكة بدون همز كذا في أصلنا الشَّامي، وهي بلام واحدة وخفَّة الياء، وكان أولًا بكسرها فأصلح إلى الفتح، وصحح عليه، قرأ نافع وابن كثير وابن عامر هنا، وفي {ص} بلام مفتوحة من غير همز بعدها، ولا ألف قبلها، وفتح التَّاء، والباقون بالألف واللَّام مع الهمزة، وخفض التَّاء، والذي في الحجر و{ق} بهذه الترجمة إجماع غير أن ورشًا يلقي فيهما حركة اللام على أصله.
          ووجهها على ما قال: أبو عبيد: أن {ليكة} اسم القرية التي كانوا فيها، والأيكة اسم للبلد، وقد تعقب على أبي عبيد فيما حكاه أن {ليكة} اسم القرية، وأن الأيكة اسم للبلد بإن هذا شيء لا يثبت ولا يعرف من قاله، ولو عرف؛ لكان فيه نظر؛ لأن أهل العلم من المفسرين جميعًا والعالمين بكلام العرب على خلافه ولا يعلم خلافاُ بين أهل اللغة أن الأيكة: الشجر الملتف.
          فأما احتجاج بعض من احتج بقراءة من قرأه، وهذين الموضعين الشعراء و{ص} بالفتح لأنه في الشواذ{ليكة} فلا حجة فيه، والقول فيه أن أصله الأيكة ثم خففت الهمزة فألقت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل لأن اللام تحركت، فلا يجوز على هذا إلا الخفض كما تقول: مررت بالاحمر، على تخفيف الهمزة ثم تخففها فتقول: بلحمر، والكلام في هذا المكان طويل، فانظر للمطولات.
          والحاصل: أنهم زعموا أن هؤلاء الأئمة إنما أخذوا هذه القراءة من خط المصحف دون قراءة الرجال وكيف يظن بمثل أسن القراء وأعلاهم إسنًاد الآخذ للقرآن عن حملته من جملة الصحابة أبي الدرداء وعثمان بن عفان وغيرهما، وبمثل إمام مكة وبمثل إمام المدينة وكيف ينكر على أبي عبيد قوله أو يتهم في نقله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمتواتر قطعي فلا يعارض بالظني.
          فائدة: قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف:85] وقال تعالى فيهم: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء:177] ولم يقل أخوهم شعيب، الحكمة في ذلك أنه لما عرفهم بالنسب، وهو أخوهم في ذلك النسب قال: (أخوهم) فلما عرفهم بالأيكة التي أصابهم فيها العذاب لم يقل: أخوهم، وأخرجه عنهم، قاله السهيلي في «تعريفه».