مختصر الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

باب إثم من كذب على النبي صلعم

          ░38▒ (بابُ: إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ الله صلعم ): الكذبُ على رسولِ اللهِ صلعم كَبِيرَةٌ، والمشهورُ أنَّ فاعله لَا يَكْفُر إلَّا أنْ يستحِلَّ ذلك، خِلافًا لِلْجُوَيْنِيِّ حيث قال: (يَكْفُرُ وَيُرَاقُ دَمُهُ)، وضَعَّفَهُ وَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وجعلَه مِنْ هَفَوَاتِ وَالِدِهِ، وبخطِّ شيخِنا قاضِي القُضَاة عَلَاءِ الدِّينِ ⌂ عن الشَّيْخِ عِمَادِ الدِّينِ بْنِ كَثِيرٍ: (تابَعه على ذلك أَبُو الفَضْلِ الهَمَدَانِيُّ شَيْخُ ابْنِ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيِّ)، لكنْ بِخَطِّهِ: (تَابَعَ الجُوَيْنِيَّ في تكفيرِ مَن استحَلَّ الكذبَ على النبيِّ صلعم )، وهذا وَهمٌ، والصوابُ ما تقدَّم نقلُه عنه.
          وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: (قد ذَهَبت طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْكَذِبَ عليهِ ◙ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، قَالَ: وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فِي تَحْلِيلِ حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ كُفْرٌ مَحْضٌ)، انتهى.
          نعم؛ مَن كذبَ في حديثٍ واحدٍ عَمْدًا؛ فُسِّقَ وَرُدَّت رِوَايَاتُهُ كُلُّها وإنْ تابَ، وبه قال أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ، وأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ، وأَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في الكذِبِ، والظاهرُ مِن عبارَتِه أنَّ مُرَادَه: في الحديثِ، وهذا نظيرُ ما قالَه مالكٌ في شاهدِ الزُّورِ إذا تابَ: إنَّها لا تُقْبَلُ شهادَتُه، وما قاله الشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيْفَة فِيمَن رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بالفِسْقِ أو العَدَاوَةِ ثمَّ تَابَ وحَسُنَتْ حَالُه: لا يُقْبَلُ منهُ إِعَادَتُهَا؛ لِمَا يَلْحَقُهُ مِن التُّهمَةِ في تصديقِ نفسهِ، وما قاله أَبُو حَنِيفَة في قَاذِفِ المُحْصَنِ إذا تابَ: لا تُقْبَلُ شهادَتُه أبدًا، وما قاله أيضًا مِن أنَّه إذا رُدَّت شهادةُ أَحَدِ الزوجَين للآخَرِ ثمَّ ماتَ؛ لا تُسْمَعُ؛ للتُّهَمَةِ، ولأنَّ الكذبَ على رسول اللهِ صلعم مَفْسَدَةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّه يصيرُ / شرعًا مستمرًّا إلى يوم القيامة؛ فجُعِلَ ذلك تَغْلِيظًا وزَجرًا من الكذبِ عليهِ، بخلافِ غيره، قال ابْنُ المُبَارَكِ: (مِن عُقُوْبَةِ الكَذَّابِ أنْ يُرَدَّ عليهِ صِدْقُهُ)، وخالَف النَّوَوِيُّ في ذلك فقال: (الْمُخْتَارُ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَبُولِ رِوَايَتِهِ بَعْدَ صِحَّةِ التَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ) انتهى.