مختصر الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله

          ░53▒ (بابٌ: مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ): موقعُ حديث عبدِ اللهِ بنِ عُمَر مِن الترجَمة: التنبيهُ على أنَّ مطابقةَ الجوابِ للسائلِ _حين لا يكون الجواب عامًّا والسؤال خاصًّا_ غيرُ لازمٍ، فيُوجبُ ذلك حمْلَ اللفظِ [العامِّ الواردِ] على سببٍ خاصٍّ على عُمُومِه، لا على خُصوصِ السببِ؛ لأنَّه جوابٌ وزيادةُ فائدةٍ، وهو المذهبُ الصحيحُ في القاعدةِ، ويؤخَذُ منه أيضًا أنَّ المفتيَ إذا سُئلِ عن واقعةٍ واحتَمَل عنده أن يكون السائلُ يتذرَّعُ بجوابهِ إلى أن يُعدِّيَه إلى غيرِ مَحلِّ السؤالِ؛ وجَبَ عليه تفصيلُ جوابهِ، وأن يزيدَه بيَانًا، وأن يذكرَ مع الواقعةِ مَا يتوقَّعُ التباسَه بها، ولا يعدُّ ذلك تَعدِّيًا، بل تَحرِّيًا، وكثيرٌ مِنَ القاصرينَ يدفعُ بما لا يَنفع، ويأتي بالجوابِ أبْتَر؛ تَسرُّعًا لا تَورُّعًا، والزيادةُ في الحديثِ بقوله: «فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ...» إلى آخره، قالَه ابنُ المُنَيِّر.
          ورواهُ سفيانُ مرَّةً عن الزهريِّ عن سالمٍ عن أبيه: (مَا يَتْرُكُ المُحْرِمُ؟) مكان (يَلْبَسُ)، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والدارقُطْنِيُّ، ولا سؤالَ على هذه الروَاية.
          قال وَالدي ⌂: (ولو قيل في الجوابِ: إنَّه لمَّا حَصَرَ ما لا يجوزُ؛ فُهِمَ منه ما يجوز _الذي سُئلَ عنه_؛ لأنَّ مَا يجوزُ كثيرٌ / ولا يُمكِنُ حصرُه، فحَصَرَ ما لا يجوزُ، فُفُهِمَ منه مَا يجوزُ).
          وقال الكَرمَانِيُّ: (إنَّما أجابه ◙ بهذا الجواب؛ لأنَّ السؤالَ كان مِن حقِّه أن يكونَ عمَّا لا يَلْبَس؛ لأنَّ الحُكمَ العَارِض المحتاجَ إلى البيَانِ هو الحُرمَة، وأمَّا جوَازُ مَا يَلْبَس؛ فثابتٌ بالأصلِ، معلومٌ بالاسْتِصْحَابِ)، ولو ذَكَرَ الحديث الذي فيه السؤالُ عن الوُضوء بماءِ البحرِ، فقال ◙ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ كان أصرَحَ في مقصودِه، لكنَّه ليس على شَرْطِهِ، وهو في «السُّنَنِ» الأربعَةِ، والسائلُ عُبَيْدٌ الْعَرَكِيُّ.