مصابيح الجامع

حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

          1399- 1400- (شُعَيْبُ بْنُ أَبي حَمزَةَ) بحاء مهملة وزاي.
          (فَقَالَ عُمَرُ: كيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) إلى آخر الحديث.
          قال ابن المنيِّر: وكيفيةُ تنزيلِ مناظرةِ العمرين (1) ☻ على القواعدِ أن نقول: استدلَّ عمرُ ☺ على عصمةِ مانعي الزكاة بكلام معناه: أنَّ العصمةَ من لوازم كلمة الشَّهادة، وقد قالها هؤلاء، فثبتت لهم العصمةُ عملاً بقوله: ((فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءهم))، والعموم يتناولهم؛ لأن الضَّمير عائدٌ على الناس في قوله: ((أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ))، فهو استدلالٌ بالعمومِ.
          قلت: الذي في البخاريِّ: ((فمن قالها، فقد عصمَ منِّي مالَه ونفسَه)) وهو صريحٌ في العموم، غيرُ محتاج إلى الاستدلال على عمومِ الضمير بعموم مَعاده.
          ثم قال: وبيَّن له أبو بكر ☺ أنَّ العمومَ لا يتناولهم؛ لأنَّه قال: ((إلَّا بحقها))، والحقُّ إن كان مجملاً، وقد اسُتثني من العام، انسحب الإجمالُ على أول المقال، فبطلَ الاستدلالُ بالعموم، وهي قاعدةٌ مختلَفٌ فيها في العام إذا استُثني منه مجمَل، هل (2) يبقى عامًّا، أو مجملاً؟
          وإن كان الحق مبيناً، فالزكاة من الحقِّ، وكما لا يتناول العصمةَ مَنْ لم يؤدِّ حقَّ الصلاة، كذلك لا يتناولُ العصمةَ مَنْ (3) لم (4) يؤد حقَّ الزكاة، وإذا لم تتناولهم العصمةُ، بقوا في عموم قوله: ((أُمرت أن أقاتلَ الناس))، فوجبَ قتالهُم حينئذٍ.
          وهذا من لطيف النَّظر أن يقلبَ المعترضُ على المستدلِّ دليلَه، فيكونَ أحقَّ به، وكذلك فعل أبو بكر، فسلَّم له عمر رضوان الله عليهما.
          قال: وفي قضية أبي بكر ☺ إشكال من حيثُ إن المنقول عنه: أنه سبى ذراريَّ المرتدين ونساءهم؛ كالحربيِّين الأصليِّين، ثم رأى عمرُ خلف ذلك، وردَّ الذريَّةَ والنساءَ من الرقِّ إلى العشائر، وعلى مذهب عمر الأكثر (5)، وهو مشهورُ مذهب مالكٍ ☺، فيقال: كيف نقضَ عمرُ حكمَ (6) السبي، وقد حكم به أبو بكر.
          والقاعدةُ: أن حكمَ الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينتقض (7) ؟
          وأجاب: بأنه يحتمل أن يكون عمرُ فهمَ عن أبي بكر ☻ الفُتيا لا الحكمَ، وكان الذين تولوا السبيَ والاسترقاقَ أقرَّهم أبو بكر على فعلِهم رأياً منه، لا حكماً، والفُتيا لا يلزم إمضاؤها.
          ويحتمل أن يكون عمر ☺ رأى أن الأمور العامَّة والمصالح التي تتعلق بالأيالة (8) الكلية يفعل فيها كلُّ إمام بمقتضى اجتهاده؛ بخلاف وقائع الخصومات بين المتداعيين المعينين (9)، تلك (10) التي يجب إمضاءُ حكم الحاكم فيها.
          وعلى هذا اختلف علماؤنا في تحبيس (11) الإمام طائفةً من بيت / المال على وجهِ مخصوص، هل هو حكمٌ يجب إمضاوه، أو لغيره من الأئمة أن يغير ذلك باجتهاده؟.
          قال: ويحتمل (12) وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون عمر رأى أن حكم أبي (13) بكر إنما يتناول من باشره بالحكم من الموجودين عند الواقعة لا نسلهم المتجدد، فلهذا استأنف فيهم حكماً باجتهاده.
          قال: وانظر على هذا لو حكم قاضٍ برقِّ أمةٍ أعتقها من لا يرى الإمامُ تنفيذَ عتقه؛ كما إذا أوصى مالكُها الصغيرُ بعتقها، فحكم حاكمٌ ببطلان وصيةِ الصغير وعتقِه، وأَرَق الأمَة، فولدت على تلك الحال، فرفع ولدُها الأمرَ إلى قاضٍ آخر بعدَه، فرأى تنفيذَ (14) عتقِ الصغير في الوصية، فهل له أن يحكم بحرية هذا الولد؟ أو يكون الحكم برقِّ الأم حكماً نافذاً فيما تلد أبداً (15) ؟.
          وهذا هو الظاهر.
          وحملُ الأمرِ على الفرقِ بين الأحكام الخاصة في الوقائع المعينة، والخصومات الراجعة إلى الآحاد (16)، وبين الأحكام العامَّة في مصالح الأمر، وتدبير السياسة أحسنُ وأظهرُ. والله أعلم.


[1] في (م): ((للعمرين))، وفي (د): ((المناظرة العمرين)).
[2] في (د): ((هنا)).
[3] قوله: ((مَنْ لم يؤد حقَّ الصلاة، كذلك لا يتناولُ العصمةَ مَنْ)): ليس في (ق).
[4] في (ق): ((أن)).
[5] في (ق): ((الأكثرون)).
[6] ((حكم)): ليست في (ق).
[7] في (م) و(ق) و(ج): ((ينقض)).
[8] في (ق) و(د) و(ج): ((بالإمالة)).
[9] في (د): ((المدعيين)).
[10] في (ق): ((بذلك)).
[11] في (م) و(د): ((تجييش)).
[12] في (ج): ((ويحتاج)).
[13] في (ق): ((أبا)).
[14] في (ق): ((بتنفيذ)).
[15] في (ق): ((حكماً نافذا فيها مؤبداً)).
[16] في (د) و(ج): ((الأحاديث)).