-
خطبة الكتاب
-
المقدمة
-
حرف الألف
-
حرف الباء
-
حرف الثاء
-
حرف الجيم
-
حرف الحاء
-
حرف الدال فارغ
-
حرف الذال
-
حرف الراء
-
حرف الزاي
-
حرف السين
-
حرف الشين
-
حرف الصاد
-
حرف الطاء
-
حرف الظاء
-
حرف العين
-
المتفق عليه من حرف العين
-
عبد الله بن عثمان القرشي ابو بكر الصديق
-
عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي
-
عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي
-
علي بن أبي طالب
-
عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري
-
عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي
-
عبد الله بن مسعود بن غافلة الهذلي الزهري
-
عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري
-
عبد الله بن مغفل المزني
-
عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري
-
عبد الله بن سلام بن الحارث الأنصاري
-
عبد الله بن عمر بن الخطاب
-
عبد الله بن عمرو بن العاص
-
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب
-
عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب
-
عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي
-
عبد الله بن أبي أوفى
-
عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي
-
عبد الله بن مالك بن القشب الأسدي
-
عبد الله بن بسر الأنصاري
-
عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي
-
عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب القرشي
-
عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
-
عبادة بن صامت بن قيس الأنصاري
-
عمر بن أبي سلمة القرشي المخزومي
-
العباس بن عبد المطلب
-
عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي
-
عمار بن ربيعة بن كعب العنزي
-
عمرو بن عوف المزني
-
عمر بن أمية بن خويلد الكناني
-
عمرو بن العاص بن وائل القرشي
-
عويمر بن مالك بن ثعلبة الأنصاري
-
عمران بن الحصين الخزاعي البصري
-
عقبة بن عمرو الأنصاري البدري
-
عقبة بن عامر بن عبس الجهني
-
عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد القحطاني الطائي
-
عروة بن الجعد البارقي
-
عائذ بن عمرو بن هلال المزني
-
عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري
-
عبد الله بن عمار
-
عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي
-
عبد الله بن عثمان القرشي ابو بكر الصديق
-
افراد البخاري حرف العين
-
افراد مسلم حرف العين
-
المتفق عليه من حرف العين
-
حرف الغين فارغ
-
حرف الفاء
-
حرف القاف
-
حرف الكاف
-
حرف اللام فارغ
-
حرف الميم
-
حرف النون
-
حرف الواو
-
حرف الهاء
-
حرف الياء
-
فصل في الكنى
-
مسند النساء
-
فصل في فضل الكتابين
84- أمير المؤمنينَ مولانا أبُو الحَسَنِ علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشي الهاشمي المكي ثمَّ المدني الكوفي.
ابن عم رسول الله صلعم لأبويه، وأقربُ العترةِ(1) نَسَبًا إليه؛ أُمه فاطمة بنت أسَد بن هاشم، أول هاشمية وَلَدت هاشميًا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة وماتت بها، وصلى(2) عليها النَّبي صلعم ، وتولى دفنها، وأشعرها قميصه، واضجع في قبرها، وقال: «ألبَستُها قميصي لتلبسَ من ثيابِ الجنَّةِ، واضْجَعتُ في قبرها لأخففَ عنها(3) ضغطةَ القبرِ، إنَّها كانتْ مِنْ أحسنِ خَلْقِ اللهِ صنيعًا إليَّ(4) بعدَ أبي طالبٍ ♦».
كان(5) ☺ آدم اللون، مربوعًا، أدعج العينين عظيمهما، حسن الوجه كأنَّه القمر، أبيض الرأس واللحية، وربما خضَب، وكانت لحيته طويلة، عظيم البطن، عريض المنكبين، لمنكبه مُشاش كمشاش السَّبُع(6)، لا يبين عضُده من ساعده قد أُدمج إدماجًا، كأنَّ عنقه إبريقُ فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه.
كُنِّي بابنه الحسن، وكنَّاه رسول الله صلعم ، بأبي تراب، وأبي الريحانتين، وكان يعزى عند الحرب بحَيْدَرة، وقيل: إنَّه اسمه في الأصل.
وجملة من في الصحابة اسمه عليٌّ ثمانيةٌ، ليس فيهم ابن(7) أبي طالب غيره.
أسلم ☺ وهو ابن ثمان سنين، أو عشرٍ، أو أربع عشرة، أو خمس عشرة، / أو ست عشرة؛ قال بعضهم: والصواب الإضراب عن توقيت إسلامه، لأنَّه لم يكن مُشركًا فيستأنف الإسلام.
وكان من لُطف الله به وإرادته الخير له أنَّ قريشًا أصابهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب كثير العيال، فأراد أهله أن يخففوا عنه، فكلَّموه في ذلك، فقال: إذا تركتم لي عَقِيلًا وطالبًا فاصنعوا ما شئتم؛ فأخذ رسول الله صلعم عليًا وضمَّه إليه، فلم(8) يزل معه وفي حجره حتى بعثه الله نبيًا، فآمن به وصدَّقه.
وهاجر ☺ بعد رسول الله صلعم بثلاثة أيام، وكان النبي صلعم أَمَرَه بالتخلف(9) ليؤديَ عنه الودائع والأمانات التي عنده ثم يلحق به، فلحقه بِقُبا، ونزل معه على كلثوم ابن الهَدم، ولم يُقم بقبا إلا ليلةً أو ليلتين.
ذكر نبذ من فضائله
كان ☺ أول من أسلم من الصبيان، ويقال: هو أول من أسلم مطلقًا، وأول من هاجر بعد النبي صلعم ، وأبي بكر ☺ ، وأول من صلى من المسلمين، وأول من يجثو للخصومة(10) بين يدي الله تعالى، وأول هاشمي ولدته هاشمية، وأول خليفة من بني هاشم.
وأجمعوا على أنَّه شهد المشاهد كلها إلا تبوك، استعمله النبي صلعم (11) فيها على المدينة، فلما خرج النبي صلعم وسار قليلًا تبعه وقال: تُخلِّفُني في النساء والصبيان؟ فقال له: «أما ترضى أن يكون لك من الأجر والمغنم مثل ما لي؟»، وقال: «أَمَا ترضى أنْ تكونِ منِّي بمنزلةِ هارونَ منْ موسى، إِلَّا أنَّهُ لا نبيَّ بعدي».
وكان لواء النبي صلعم معه في أكثر حروبه، وإذا لم يغْزُ بنفسه أعطاه سلاحه. وكان له الأثر العظيم في كل مشهد حتى لا يُعلم لأحد من الصحابة في الشجاعة ومبالاة الحروب ما له. وقال النبي صلعم في غزوة خيبر: «لأُعطينَّ الرَّايةَ غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَهُ ويحبُّهُ اللهُ ورسولُهُ، يفتحِ اللهُ عليهِ أو على يديهِ». وكان(12) هو المعطى وفُتحت على يديه.
وتَفَلَ في عينيه يومئذٍ لرمدٍ شديد كان به، فلم يرمد / بعدها.
وخَوَّفَ به النبيُّ صلعم ، وفدَ ثقيفٍ وقال: «لَتنْتَهُنَّ أو لأبْعَثَنَّ عليكمْ(13) رجلًا مني _أو قال: مثل نفسي_ فيضربنَّ أعناقكمْ، وليسبينَّ ذَراريكمْ، وليأخذنَّ أموالكمْ»؛ قال(14) عمر ☺ فيهما أو في أحدهما: فوالله(15) ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، فجعلتُ أنصب صدري رجاء أن يقال هو هذا؛ قال: فالتفت إلى علي ☺ فأخذ بيده وقال: «هُوَ هَذَا، هُوَ هَذَا».
وأخبر النبي صلعم ، أن من آذاه فقد آذاه، ومن أبغضه فقد أبغضه، ومن سبَّه فقد سبَّه، ومن أحبَّه فقد أحبَّه، ومن تولاَّه فقد تولاَّه، ومن عاداه فقد عاداه، ومن أطاعه فقد أطاعه، ومن عصاه فقد عصاه.
وآخى بين الصحابة(16) اثنين اثنين، وتركه لنفسه وقال له: «أنتَ أخيْ في الدنيا والآخرةِ».
واختصه النبي صلعم (17) بتزويج البتول سيدة نساء العالمين، وأخبر أنَّه وَلِيُّ كلِّ مؤمنٍ من بعده، وبعثه بالبراءة من المشركين، من عهودهم وعقودهم(18)، على ما تضمنته سورة براءة(19)، وذلك عامَ حَجَّ أبو بكرٍ ☺ بالناس في عهد رسول الله صلعم ؛ وأشركه في هَدْيهِ في حجة الوداع، واستنابه في تفرقتها(20) لحومها وجلودها وجلالها؛ ودعا له حين بعثه إلى اليمن بهداية لسانه وثبات قلبه؛ وشهد له بالجنة وبالشهادة.
ولما نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33] دعاه النبي صلعم وزوجته وابنيه وجلَّلهم بكسائه وقال: «اللَّهُمَّ هؤلاءِ أهْلَ بيتيْ فأَذهبِ(21) الرِّجْسَ وطهرهُمْ تطهيرًا». ولما نزلت آية المباهلة دعاهم أيضًا.
ونزل في الثناء عليه آيات من كتاب الله تعالى، وكل آي وردت في الثناء على الصحابة أو على نفرٍ منهم فهو داخل فيها؛ قال ابن عباس ☻ : ليس آيةٌ في كتاب الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} إلا وعليٌّ أولها وأميرها وشريفها.
وأثنى عليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر، واعترفوا له بالسبق والتقدم في العلم والفهم، ورجعوا إلى قوله في الفتاوى الحادثة.
وسئل ابن عباس ☻ عن أبي بكر ☺ ، قال(22) : كان والله خيرًا كله مع حِدة / كانت فيه.
قيل: فعمر ☺ ؟ قال: كان والله كيِّسًا حذرًا كالطير الذي نُصب له الفخ وهو يراه، مع العنف(23) وشدة السباق.
قيل: فعثمان ☺ ؟ قال: كان والله صوَّامًا قوامًا.
قيل: فعليٌّ؟ قال: كان والله قد مُلئ علمًا وحِلمًا.
ثم إنَّه أحد العشرة النُّجباء، والستة أهل الشورى، والمشار إليهم بالفتوى(24)، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة الهادين(25)، والشجعان المشهورين، والزُّهَّاد المذكورين، والسابقين الأولين.
واختُصَّ بغسل النبي صلعم ، وتكفينه وإدخاله القبر.
وتعدادُ فضائله ومناقبه ومكانته في العلم والفهم والاستقامة والشجاعة والشهامة، والفراسة الصادقة والكرامات الخارقة، وشدته في نصر الإسلام ورسوخ قدمه في الإيمان، وسخائه وصدقته مع ضيق الحال، وشفقته على المسلمين، وزهده وتواضعه، وتفاصيل ذلك باب واسع يحتمل مجلداتٍ، وقد صنف الحافظ الذهبي وغيره في ذلك تصانيف نفيسة.
قال الإمام أحمد بن حنبل والقاضي إسماعيل بن إسحاق: لم يُروَ في فضائل أحدٍ من الصحابة ♥ بالأسانيد الحسان ما روي في فضائل عليٍّ ☺ .
وقد رُوي أن ضِرارًا الصدي _وكان من أولياء علي_ ألجأته ضرورة الحال آخرًا حتى وفد على(26) معاوية ☺ فقال له معاوية: صِف لي عليًّا، فقال: أعفِني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنَّه، فقال: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه؛ يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحَشته. وكان غزير العَبرة طويل الفكرة، يُعجبه من اللباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خشن. وكان فينا كأحدنا يُجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحنُ والله ما تقريبه إيانا وقربه منا(27) لا نكاد نكلمه هيبةً له، يعظِّم أهل الدين ويقرِّب المساكين، لا يطمع القويُّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهدُ، لقد رأيته في بعض مواقفه _وقد أرخى اللَّيل سدوله وغارت النجوم(28)_ قابضًا على لحيته يتململ تَملْمُلَ السليم، ويبكي بكاء الحزين، / ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري، إليَّ تَعرَّضتِ، أم إليَّ تشوَّفتِ، هيهات هيهاتَ، قد طلَّقتُك ثلاثًا لا رجعة لي فيها، فعُمرك قصير وخطرُك قليل، آه آه من قلَّة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق.
فبكى معاويةُ وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك؛ فكيف [حزنك](29) عليه يا ضرار؟ قال: حُزن من ذُبح ولدُها في حِجرها.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري _وقد سُئل عن عليٍّ ☺ _ فقال: كان والله سهمًا صائبًا من مَرامي الله ╡ على عدوه(30)، وربَّاني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا سابقتها وذا قرابتها من رسول الله صلعم ، لم يكن بالنومة عن(31) أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسَّروقة لمال الله ╡، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونِقة؛ ذاك عليُّ بن أبي طالب ☺ .
واعلم أن مولانا عليًا كرم الله وجهه قد صدق عليه الوصفُ النبوي فابتُلي به محبٌّ مفرط وباغض(32) مفرط، وتحقَّق فيه شبه الأنبياء وسمات الأصفياء، حيث قال صلعم مخاطبًا له: «يَا عليُّ: إنَّ فيكَ مثلًا من ابنِ مريمَ أبغضهُ اليهودُ حتى بَهتوا أمَّهُ، وأحبتْهُ النَّصارى حتى أنزلوهُ المنزلةَ الَّتي ليسِ بِها».
وسلك(33) قومٌ في محبته طريقةً ذات أخطارٍ، فترضَّوا عن الصحابة السابقينَ له بالخلافة وخطَّؤُوهم في تقدُّمهم عليه، فأقدموا على نقض إجماع خير القرون، وأسدِّهم إجماعًا(34) في أمرٍ قد انقضى وفُرغ منه؛ وتضمَّن قولهم أيضًا تعجيز عليٍّ، حيث بايع لمن قبله تُقيةً، وحاشاه؛ فلم يكن رعديد الجنان، ولا العاجز الجبان، ولا الإمعة المُهان، بل كان سيدًا شجاعًا مسموعًا مطاعًا؛ ويكفي في تعريف ذلك _و أنَّ(35) الصحابة ♥ لم تستخفهم الأهواء، ولم يحرصوا إلا على تسكين الدماء(36) ومراعاة ما هو الأولى_ ما رواه الإمام الحافظ(37) العدلُ أبو الفضل، أحمد بن الحسن(38) بن خيرون ⌂، بسنده إلى الحسن البصري ⌂ قال:
لما قدِم علينا علي بن أبي طالب ☺ البصرة قام إليه ابن الكوَّاء وقيسُ بن عبَّاد فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك / هذا الذي سرت فيه، لتستولي على الأمر وتضربُ الناس بعضهم على بعض(39)، أعهدٌ من رسول الله صلعم ، عَهِدَه إليك فحدِّثنا(40) به، فأنت الموثوق المأمون(41) على ما سمعت؟
فقال: أما أن يكون عندي عهدٌ من النبي(42) صلعم في ذلك فلا، والله لئن كنتُ أول من صدَّق به لا أكون أول من كذب عليه؛ ☻ ولو كان عندي عهد من النبي صلعم في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مُرة، وعمر بن الخطاب ☻ يقومان على منبره، ولقاتلتهما(43) بيدي، ولو لم أجد إلا بُردتي هذه؛ ولكن رسول الله صلعم ، لم يُقتل قتلًا ولم يمت فُجاءة، مكث في مرضه أيامًا وليالي، يأتيه المؤذِّنُ فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكرٍ فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني؛ ولقد أرادت امرأة من نسائه تصرفه عن أبي بكر ☺ فأبى وغضب وقال: «إنكن صواحبُ يوسف، مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس».
فلما قُبض رسول الله(44) صلعم ، نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلعم لديننا؛ وكانت(45) الصلاة أعظم شعار في الإسلام، وقوامَ الدين، فبايعنا أبا بكر ☺ ، وكان لذلك أهلًا، لم يختلف عليه منَّا اثنان، فلم(46) يشهد بعضنا على بعض، ولم يقطع منه البراءة(47) ؛ فأديتُ إلى أبي بكر حقه، وعرفتُ له طاعته، وغزوتُ معه في جنوده(48)، وكنت آخذًا إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما قُبض ولاها عمر ☺ (49)، فأخذ بسنَّة صاحبه وما نعرف من أمره؛ فبايعنا عمر ☺ ، لم يختلف عليه منَّا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع(50) منه(51) البراءة، فأدَّيت إلى عمر ☺ حقه، وعرفت له طاعته، وغزوتُ معه في جنوده، وكنت آخذًا إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما قُبض ذكرتُ في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي؛ وأنا أظن أن لن يَعْدِلَ بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفةُ بعده ذنبًا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده. ولو كانت محاباةً منه لآثر(52) ولده. وبَرِئ منها إلى رهطٍ من قريشٍ _ستة أنا أحدهم_ فلما اجتمع الرهط تذكَّرت في نفسي / قرابتي وسابقتي، وأنا أظن أن لن يَعْدلوا بي؛ فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاَّه الله ╡ أمرنا(53)، ثم ضرب بيده على يد عثمان فبايعه. فنظرتُ في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أُخذ لغيري.
فبايعنا عثمان، فأديتُ إلى عثمان حقه وعرفتُ له طاعته وغزوتُ معه في جنوده، وكنت آخذًا إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما أُصيب عثمانُ ☺ نظرتُ في أمري: فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله صلعم ، إليهما في الصلاة قد مضيا، وهذا الذي أُخذ له ميثاقنا قد أُصيب؛ فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المِصْريَن.
روى عليٌّ ☺ في «الصحيحين» أربعة وأربعين حديثًا، اتفقا على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر؛ وخرَّج له الجماعة.
ولم يُكْذَبْ على أحدٍ من الصحابة ما كُذب عليه، ومن جملة ما وضُع عنه الوصية الطويلة التي تكرر فيها : يا علي يا علي، نص جهابذة المحدثين على وضعها.
روى عنه بنوه: الحسن، والحسين، ومحمد، وعمر، وفاطمة، وابن أخيه عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن أبي رافع(54).
بويع له بالخلافة سنة خمسٍ وثلاثين، بعد أن دخل بيته وأغلق بابه غضبًا أن قُتل عثمان مظلومًا، فقصده الناس وألحوا عليه في ذلك وقالوا: إنَّه لابد من إمام ولا يتأهل لذلك غيرك، فلما علم ذلك وتحقق تَعَيُّينُهُ عليه، خرج إلى المسجد، وصعد المنبر، وبايعه الناس، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار.
وأول من بايعه طلحةُ بن عبيد الله، وسُئل عن نفر قليلين تخلَّفوا عن بيعته فقال: أُولئك قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل.
وتخلف أيضًا عن بيعته معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام، وكان(55) من أمرهم ما كان.
وقد سبق في ترجمة الزبير حكايةُ مذهب أهل السنة في تلك الحروب التي جرت بين الصحابة ♥ .
ورُوي أن عمر ☺ قال في أمر أهل الشورى: إن ولوها الأُصَيْلِعَ يحملهم على الحق وإن(56) / كان السيف على عنقه.
ولما دخل الكوفة قال له بعض حكماء العرب: لقد زِنْتَ الخلافةَ وما زَانَتْكَ، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
وابتلي في أيام خلافته بمحبٍ غالٍ ومبغضٍ قالٍ.
وتمادى أمر الخوارج حتى ضَلَلُّوا عليًا كرم الله وجهه وأتباعه، ومعاوية ☺ وأتباعه، وكفَّروا الجميع وخرجوا عليهم، مستحلين لقتالهم، فقال عليٌّ لأصحابه: تقاتلون أهل الإسلام وتَدَعُون(57) أهل الأوثان؛ ثم عمد(58) إلى قتال الخوارج فجرى له معهم وقعاتٌ.
ولما أفناهم قتلًا ولم يُبق لهم شوكة ولا جماعة اجتمع نفر من بقاياهم، وتعاقدوا على قتله وقتل معاوية وعمرو بن العاص، وكان الذي التزم لهم قَتْلَ عليٍّ كرم الله وجهه أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم الحِمْيَري ثم المُرَادي.
ولما قَدِم الكوفة قاصدًا لذلك وقع بصره على قَطامِ _العِجْلية_ وكانت جميلة _وكان قد قُتِل أباها وإخوتها بالنهروان_ فَهَوِيَهَا عبدالرحمن بن ملجم، ووعدته إن قتل عليًا تزوجت به؛ فخرج إلى السُّدة التي يخرج منها عليٌّ ☺ إلى المسجد، فكَمَنَ فيها ومعه شبيب بن بخرة(59)، فلما خرج علي ☺ ضربه(60) شبيب فأخطأه، ثم ضربه ابن ملجم على رأسه وقال: الحكم لله يا عليُّ، لا لك ولا لأصحابك.
فقال علي ☺ : لا يفوتكم الكلبُ.
فشدَّ(61) الناس عليه من كل جانب حتى أمسكوه، وخرج شبيب هاربًا من باب كندة.
ثم قال عليٌّ كرَّم الله وجهه: احبسوه فإن متُّ فاقتلوه ولا تمثِّلوا به، وإن لم أمت فالأمر إليَّ في العفو والقصاص.
فلما مات أخذه الحسين ومحمد ابن الحنفية فقطعاه قطعًا؛ ونهاهم الحسنُ.
ومات عليٌّ ☺ صبيحة يوم ضربته، وذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان صبيحة بدر، سنة أربعين، وقيل غير ذلك، ودفن في قصر الإمارة بالكوفة ليلًا، وغُيِّب قبره.
وقيل: دُفن في رحبة الكوفة، وقيل: نحو(62) الحيرة.
وقال الخُجَنْدي: الأصحُّ عندهم أنَّه مدفون من وراء المسجد، وهو الذي يؤمه الناس اليوم.
وغسله الحسن والحسين، وصلى عليه الحسين(63) وكبَّر أربع تكبيرات(64)، وقيل: تسعًا.
روي(65) عن صهيب ☺ قال، قال رسول الله صلعم / : «يا عليُّ، أتدري من أشقى الأولين؟» قال: الذي عقر ناقة صالح، قال: «صدقت، أتدري من أشقى الآخرين؟» قال: الله تعالى ورسوله أعلم. قال: «الذي يضربك على هذه وأشار إلى يافوخه فيبتلَّ منها هذه وأخذه بلحيته».
وكان عليٌّ بعدُ حين تراكمت عليه الفتن(66) يقول: والله لوددت أن(67) لو بُعث أشقاها.
ونُقل عنه آثار كثيرة تدل على أنَّه عَلِم مُصابه، وأنَّ الإوز صاحت في وجهه تلك الغداة، فسُكِتَتْ(68) عنه، فقال: دعوهنَّ فإنهنَّ نوائح.
واختُلف في سِنِّهِ يوم مات، وأسدُّ(69) الأقوال في ذلك ثلاث وستون سنة كالنبي صلعم ، وأبي بكر وعمر ☻ (70).
وقال ابن الذراع في مواليد أهل البيت: والصواب خمس وستون؛ ثم فصلها فقال: صحب النبي صلعم بمكة ثلاث عشرة سنة وله ثنتا عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا، وعاش(71) بعده ثلاثين سنة بمدة خلافته.
وكان له من الولد خمسة عشر ذكرًا، وثماني عشرة أنثى؛ وهذا الذي اتُّفِقَ عليه، واخْتُلِفَ في الذكور إلى عشرين، والإناث إلى اثنتين وعشرين.
أما الذكور: فالحسن والحسين سِبطا رسول الله صلعم ، وريحانتاه من الدنيا، ومُحسن _أمهم فاطمة بنت رسول الله صلعم _ورضي عنهم.
ومحمد الأكبر أمه خولة بنت قيس الحنفية، وقيل: كانت أَمَةً لهم سُبيت باليمامة، وكانت سِندية سوداء؛ وكان محمد ابن الحنفية هذا نهايةً في العلم والفضل، وغاية في العبادة، وهو الذي غلا فيه أهل الضلال، وادَّعوا أنَّه لم يمت، وأنَّه المهدي الذي يخرج في آخر الزمان؛ ولهم في ذلك أشعار طويلة وجهالات وبطالات؛ و(72) مات سنة ثمانين عن تسع وسبعين سنة.
وعبد الله قتله المختار بن أبي عبيد.
وأبو بكر قُتل مع الحسين؛ أمهما ليلى بنت مُعوِّذ النَّهشَلي، تزوجها عليٌّ ☺ (73)، فتزوجها عبد الله بن جعفر ☻ بعد عمِّهِ، فجمع بين زوجةِ عليٍّ وابنته.
والعباسُ الأكبر، وعثمان، وجعفر، وعبد الله، قُتلوا مع الحسين، أمُّهم أمُّ البنين بنت حزام الوحيدية ثم الكلابية.
ومحمد الأصغر، قُتل مع الحسين، أمُّه / أمُّ ولد.
ويحيى وعون، أمُّهما أسماء بنت عميس.
وعمر الأكبر، أمُّه أمُّ حبيبة من سبي الرِّدَّة.
ومحمد الأوسط، أمُّه أُمَامة بنت العاص.
وأما البنات فأمُّ كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى، شقيقتا الحسن والحسين.
ورُقَية شقيقة عمر الأكبر.
وأمُّ الحسن ورَمْلة الكبرى، أمُّهما أمُّ سعد بنت عروة بن مسعود الثقفي.
وأمُّ هانئ، وميمونة، ورملة الصغرى، وزينب الصغرى، وأمُّ كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأُمامة، وخديجة، وأمُّ الخير، وأمُّ سلمة، وأمُّ جعفر، وجمانة، وبقية لأمهات أولاد شتى.
والعقب من ولده في الحسن، والحسين، ومحمد، وعمر، والعباس؛ وسيأتي تنزيل بطون الفاطميين منهم في ترجمة أمِّهم في(74) فصل النساء إن شاء الله تعالى.
وتزوج أكثر بنات عليٍّ بنو عقيل وبنو العباس رضي الله عنهم أجمعين.
[1] في (ص) : «العشرة».
[2] في (ص) زيادة: «الله».
[3] في (ص) زيادة: «من».
[4] في (ص) : «إنها كانت أحسن الخلق إلي صنيعا».
[5] في (ص) زيادة: «علي».
[6] في (ص) : «الأسد».
[7] في (ص) : «ليس فيهم وابن أبي طالب».
[8] في (ص) : «ولم».
[9] في (ص) : «أخره».
[10] في (ص) : «للخصوم».
[11] في (ص) : «كان ا لنبي صلعم استعمله».
[12] في (ص) : «فكان».
[13] في (ص) : «لينتهن أو لأبعثن عليهم».
[14] في (ص) : «فقال».
[15] في (ص) : «والله».
[16] في (ص) : «أصحابه».
[17] في (ص) نقص: «النبي صلعم ».
[18] في (ص) : «عقودهم وعهودهم».
[19] في (ص) : «البراءة».
[20] في (ص) : «تفرقته».
[21] في (ص) زيادة: «عنهم».
[22] في (ص) : «فقال».
[23] في (ص) : «العتق».
[24] في (ص) : «والفتيا».
[25] في (ص) : «المهديين».
[26] في (ص) : «آخرًا على وفد معاوية».
[27] في (ص) : «مع قربنا منه و تقريبه إيانا».
[28] في (ص) : «نجومه».
[29] ما بين معقوفتين زيادة من (ص).
[30] في (ص) : «في أعدائه».
[31] في (ص) : «لم يكن بالتوبة من أمر الله».
[32] في (ص) : «مبغض».
[33] في (ص) : «ملك».
[34] في (ص) : «أشدهم الجماعا».
[35] في (ص) بدون واو.
[36] في (ص) : «الدهماء».
[37] في (ص) : «ما روى الامام العدل».
[38] في (ص) : «الحسين».
[39] في (ص) : «بعضهم ببعض».
[40] في (ص) : «فحدثني».
[41] في (ص) والمأمون.
[42] في (ص) : «من رسول الله».
[43] في (ص) : «لقاتلهما».
[44] في (ص) : «قبض الله نبيه».
[45] في (ص) : «وكان».
[46] في (ص) : «ولم».
[47] في (ص) : «نقطع منه القراءة».
[48] في (ص) : «وغزوت معه في جيوشه».
[49] في (ص) : «عمر بن الخطاب».
[50] في (ص) نقص: «يقطع».
[51] في (ص) نقص: «منه».
[52] في (ص) زيادة: «بها».
[53] في (ص) : «ولاه الله تعالى أمرنا».
[54] في (ص) زيادة : «وكاتبه عبد الله بن أبي الربيع»، و نقص: «عبيد الله بن أبي الرافع».
[55] في (ص) : «فكان».
[56] في (ص) : «ولو».
[57] في (ص) : «تعدون».
[58] في الأصل: «هزَّ».
[59] في (ص) : «بجرة».
[60] في (ص) : «بدره».
[61] في (ص) : «فسد».
[62] في (ص) : «ببحر».
[63] في (ص) : «الحسن».
[64] في (ص) : «أربعا» ونقص: «تكبيرات».
[65] في (ص) زيادة: «و».
[66] في (ص) زيادة : «والمحن».
[67] في (ص) نقص: «أن».
[68] في (ص) : «فسكتن».
[69] في (ص) : «أشد».
[70] في (ص) : «عنهم».
[71] في (ص) : «مات».
[72] في (ص) : «و».
[73] في (ص) نقص: «تزوجها علي ☺».
[74] في (ص) : «من».
