الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة

عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري

          88- أبو موسى؛ عبد الله بن قيس بن سُلَيم الأشعري.
          وأشعرُ هو ابن نَبْت بن أدد بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطان.
          و(1) أمُّ أبي موسى طيبةُ بنت وهب العَكِّيِّة، أسلمت وتوفيت بالمدينة.
          قَدِم أبو موسى على النبي صلعم بمكة قبل الهجرة فأسلم(2) ثم هاجر إلى الحبشة، وقَدِم مع جعفر وأصحاب السفينة بعد فتح خيبر، وأسْهَمَ لهم رسول الله صلعم منها كمن حضرها، وقال لهم: «لَكُمْ أَصْحَاب السفينةِ هِجْرَتَيْنِ(3)».
          وكان لأبي موسى ثلاث هِجَر: إلى مكة، ثم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
          واستعمله رسول الله صلعم ، على زُبيد وعدَن وساحل اليمن، كما استعمل معاذ بن / جبل على الجَنَد وجبالها، وخالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أُميه على كِندة، وزياد بن لبيد على حضرموت.
          وكان ☺ قصيرًا نحيفًا أنطَّ، قارئًا صَيِّتًا، شجاعًا مفرطًا، عالمًا عاملًا(4).
          وكان النبي صلعم ، يكرمه ويجله ويبجله، وقال له: «لقَدْ(5) أُوتِيتَ مِزمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاود». وولاه الولايات وله الأثر العظيم في يوم أوطاس، وقَتَلَ يومئذ قاتلَ عمِّه أبي عامر الأشعري.
          وولاه عمر بن الخطاب الكوفة والبصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وخطبةَ عمر ☺ بالجابية؛ وكان قدومه البصرة بدل المغيرة بن شعبة سنة سبع عشرة، وكتب إليه عمر ☺ أن يسير إلى الأهواز فسار وافتتحها(6)، وافتتح أصبهان وعدة أمصار.
          ومضت أحواله من أولها إلى آخرها على السداد والاستقامة ☺ ولما قرب موته زاد اجتهاده، فقيل له في ذلك، فقال: إن الخيل إذا قاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقيمن أجلي أقل من ذلك.
          وتناوله(7) بعض المتعصبين لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه(8) وزعموا أنَّه ولَّى معاوية بمواطأة منه، وأنَّه كان يُبغض عليًا، وحاشاه من ذلك، فإنه مؤمن مثبت كما صح في حديث بُرَيْدة ☺ حين قال للنبي صلعم في أبي موسى: أتراه يُرائي؟ فقال: «بَلْ مُؤْمِنٌ مُثْبتٌ».
          واشتهر في كتب التاريخ أنَّ معاوية ☺ كتب إليه كتابًا يحاول منه ذلك فردَّ عليه ردًا فظيعًا يتضمن موعظة حسنة، وكان يريد أن يولي عبد الله بن عمر لما ترجح عنده من دينه بإضرابه عن الدنيا والفتن، فغلبه المقدور.
          ولعل الواقع في أبي موسى أخذ بُغضه لعلي لِتَخَلُّفِهِ عن نصرته ورماه بالنفاق لقوله صلعم : «لا يُحِبُكَ إلا مُؤمنٌ ولا يُبغِضُكَ إلا مُنَافِقٌ»؛ ولا يدل ذلك على البغض ولا يلزم منه النفاق، فإنَّه قد تخلف عن نصرة عليٍّ جماعةٌ من فضلاء الصحابة الذين لا يتطرق إليهم الوهم كأبي سعيد الخدري، وعمران بن الحصين(9)، وأمامة(10) بن زيد وهو الذي قال لعلي ☺ : لو كنت في شدق الأسد ما / تخلفت عنك، ولكن هذا أمر لم أره(11)، وقد عذرهم عليٌّ ☺ وحملهم على أحسن المحامل، فينبغي لمحبيه الاقتداء به، والاعتذار عن زلات الصحابة وهفواتهم، لسابق فضلهم، ونصرهم(12) لدين الإسلام؛ فالمؤمن يتبع المعاذير والمنافق يتبع العثرات.
          وقد روى بعض الأئمة من أهل البيت أن أبا موسى اعتذر إلى عليٍّ كرم الله وجهه(13) وَقَبِل عذره، ونقل السيد الإمام(14) الشريف محمد بن إبراهيم بن المرتضى ☺ أن بغض عليٍّ إنَّما كان علامة النفاق في أول الإسلام، لأنَّه كان ثقيلًا على المنافقين؛ ولذلك جاء في الأنصار أنَّ بغضهم علامة النفاق أيضًا، وحبهم وحبَّ عليٍّ علامة الإيمان؛ واستُدل على ذلك بأنَّ الخوارج يُبغضون عليًا ويكفِّرونه، مع الإجماع على أنَّهم غير منافقين، وإن كان ذنبهم(15) عظيمًا ومروقهم من الدين(16) منصوصًا.
          والباطنية يحبونه مع الإجماع على كفرهم، ثم كذلك الروافض يحبونه مع ضلالتهم وفسوقهم؛ وعلى كل حال، فلا يصدر سب أهل السوابق من الصحابة وتتبع عوراتهم، والتفتيش عن مثالبهم من(17) ذي قلب سليم ودين مستقيم، نسأل الله العافية والسلامة.
          روى أبو موسى في «الصحيحين» ثمانية وستين حديثًا، اتفقا على تسعة وأربعين(18)، وانفرد البخاري بأربعة(19)، ومسلم بخمسة عشر، وخرَّج عنه جميع أهل المسانيد والسُّنن.
          روى عنه الجمُّ الغفير منهم بنوه: أبو بكر، وأبو بُرْدة، وإبراهيم، وموسى.
          توفي ☺ بمكة، وقيل: بالكوفة سنة اثنتين، أو أربع وأربعين، عن ثلاث وستين سنة.


[1] في (ص) زيادة : «واسم قحطان يقطن بن عامر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ◙».
[2] في (ص) : «وأسلم».
[3] في (ص) : «هجرتان».
[4] في (ص) : «عاملا عالما».
[5] في (ص) نقص: «لقد».
[6] في (ص) نقص: «وافتتحها».
[7] في (ص) : «وقد تناوله».
[8] في (ص) : «لعلي ☺».
[9] في (ص) : «بن حصين»، وفيها زيادة هنا: «وابن عمر».
[10] في حاشية الأصل: «سعيد»، وفي (ص) : «أسامة».
[11] في (ص) : «أن».
[12] في (ص) : «نصرتهم».
[13] في (ص) نقص: «علي كرم الله وجهه».
[14] في (ص) نقص: «الإمام».
[15] في (ص) : «دينهم».
[16] في (ص) : «من الإسلام».
[17] في (ص) : «عن».
[18] في «كشف النقاب» (ص118) : «خمسين».
[19] في «كشف النقاب» (ص119) : «بثلاثة».