الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة

عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري

          85- أبو محمد؛ عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهْرة بن كِلاب القُرَشي الزُّهْري المكي ثم المدني.
          أمُّه الشِّفاء بنت عبد عوف(1) الزُّهْرية، يُقال إنَّها التي تولت ولادة النبي صلعم ، وكانت قابِلَته، ثم أسلمت وهاجرت.
          وكان اسم عبد الرحمن ☺ في الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الحارث، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه النبي صلعم عبد الرحمن، وسمَّاه أيضًا: الصادق البار.
          وُلد بعد الفيل بعشر سنين، وكان ☺ طويلًا، حسن الوجه، رقيق البشرة، أبيض اللون، مشربة بحمرة، لا يغيِّر شَيْبَه، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، أقنا، أجعد(2) جُمته أسفل أُذنيه، أعين ساقط الثنيَّتين، أعرج أُصيب يوم أُحد بهما.
          أسلم ☺ في أول الإسلام، وأسلم معه أخوه لأبويه الأسود، وهاجر قبل الفتح؛ وأخواه لأبيه عبد الله وحَمْنَنُ وأقاما بمكة ولم يهاجرا، وعاش حَمْنَنُ في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين(3)، وأوصى إلى الزُّبير.
          هاجر عبد الرحمن بن عوف ☺ قديمًا، قال(4) الضحاك: كان ممن هاجر الهجرتين، والله أعلم.
          وكان أخوه من المهاجرين عثمان بن عوف(5)، ومن الأنصار سعد بن الربيع أخو بني الحارث بن الخزرج.
          ذكر نبذ من فضائله / كان ☺ من قديمي الإسلام والهجرة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وثبت يوم أُحد، وأصابته عشرون جراحة فهتِم وعَرِج.
          وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة؛ وأحد الستة أهل الشورى الذين أخبر عمر ☺ أن رسول الله صلعم مات(6) وهو عنهم راضٍ، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر ☺ ، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، ومن المفتين في عهد رسول الله صلعم .
          وبعثه رسول الله صلعم إلى بني كلب بدُومة الجندل، وعَمَّمه بيده وسدلها بين كتفيه، وقال له: «سِرْ بِسمِ اللهِ» وقال له: «إِنْ ظَفِرْتَ بهمْ فتزوجْ بنتَ شريفِهِمْ»، فتزوجها، وهي تماضر بنت الأصيبع الكلبي، وبَشَّرَهُ بالجنة.
          ومن مناقبه التي لا يُشارك فيها أنَّ النبي صلعم قال: «مَا قُبِضَ نَبِيٌ حَتَى يُصَلِّيَ خَلْفَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أُمَتِهِ»؛ فكان هو، وذاك في غزوة تبوك حين حضرت الصلاة وفقدَ الناس النبي صلعم ، فقدَّموا عبدالرحمن بن عوف؛ فأدركَ النبيُّ صلعم معهم إحدى الركعتين، وأفزع ذلك المسلمين، فقال النبيُّ صلعم : «أصبتم أو أحسنتم».
          وأخبر(7) صلعم أنَّه ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه، ووصفه بقوة الإيمان، وأخبر أنَّه أمين في الأرض وأمين في السماء، وأنَّه سيدٌ من سادات المسلمين، ودعا له وقد وصلهم بصلة على حاجة، فقال صلعم : «كفاك الله أمر دنياك، وأمَّا آخرتك فأنا لها ضامن».
          وقال: «سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة».
          وكان ☺ كثير المال، وعامةُ ماله التجارة وكان مجدودًا فيها، وأنفق(8) بقدر ذلك؛ ورُوى أنَّه جاء إلى النبي صلعم ، بأربعة آلاف درهم، قال: وكان عندي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة لنفسي وعيالي، وأربعة أقرضتها ربي ╡ فقال صلعم : «بارك الله لك(9) فيما أمسكت وفيما أعطيت».
          ورُوي أنَّه تصدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمسمئة فرسٍ، وعلى(10) خمسمئة بعير(11) في سبيل الله.
          قيل: ونزل فيه وفي عثمان ☻ قوله / تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:262].
          ورُوي أنَّه قال لأمِّ سلمة ♦: لقد خفتُ أن يهلكني كثرة مالي، فقالت: يا بني، أنفق(12)، فبسط يديه وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمئة ألف، وأوصى لمن بقي من البدريين كل واحد بأربعمئة دينار_وكانوا مئة_، وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله وألف فرس.
          وأخباره في الجود، والشجاعة(13)، وسعة الصدقة، والبرِّ، والصِّلة، والتواضع، والخوف لله تعالى، والأمانة، والتعفف كثيرة مشهورة.
          أخرج له الشيخان أربعة أحاديث، اتفقا على حديثين(14)، وباقيها للبخاري(15) ؛ وخَرَّج عنه الأربعة وغيرهم.
          روى عنه بنوه: إبراهيم، وحُميد، ومصعب، وأبو سلمة.
          ورُوي أن عثمان ☺ مرض مرضًا فكتب له بالخلافة، فشقَّ عليه ذلك، ودعا الله أن يميته قبل عثمان، فمات بعد ذلك بستة أشهر، وذلك سنة إحدى أو ثلاث وثلاثين، عن خمسٍ وسبعين سنة، ودُفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان بوصية منه؛ وكان ممن حمل جنازته سعد بن أبي وقاص؛ ولما مات قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:(16) أدركت صفوها وسبقت كدرها(17).
          ورُوي أنَّ عائشة ♦ أرسلت إليه في مرضه بالإذن منها أن يُدفَن مع النَّبي صلعم ، وصاحبيه فقال: لستُ بمضيِّقٍ عليك بيتك، إنِّي كنت عاهدت ابن مظعون أينَا مات أولًا دُفن الآخر إلى جنبه.
          وورد أنَّ النبي صلعم لما مات ابنه إبراهيم قال: «ادفُنُوهُ إلى جَنْبِ فَرَطِنَا عثمان بن مظعون».
          ولإبراهيم ◙ قبة عالية مَزورة(18) بالبقيع، فعلى هذا يُزار الثلاثة جميعًا(19)، والله أعلم.
          وكان فيما خَلَّفَه عبد الرحمن ☺ ذهبٌ كثير ضُرب فيه(20) بالفؤوس(21) حتى مَجِلت منه(22) أيدي الرجال، وأصاب كل واحدة(23) من نسائه الأربع ثمانون ألفًا.
          وكان له من الولد عشرون ذكرًا، وثمان بنات.
          أما الذكور:
          فمحمد الأكبر(24) وبه كان يكنَّى، مات في الإسلام.
          وسالم الأكبر، مات قبل الإسلام_أمُّهما أمُّ كلثوم بنت / عتبة(25) بن ربيعة_.
          وأبو سلمة أحد فقهاء المدينة السبعة، واسمه: عبد الله الأصغر، أمُّه تماضر بنت الأصيبع الكلبية.
          وإبراهيم وإسماعيل وحُميد وزيد، أمهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
          ومعن وعمر، أمهما سهلة بنت سهيل بن عمرو.
          وأبو بكر، أمُّه أمُّ حكيم بنت قارظ.
          وعبد الله، أمُّه بنت أبي الحشحاش.
          وعبد الرحمن، أمُّه أسماءُ بنت سلامة.
          ومصعب، أمُّه أمُّ ولد من سبي بهرا.
          وسهيل أبو(26) الأبيض، أمُّه مجد بنت يزيد.
          وعثمان، أمه عراك بنت كسرى أم ولد.
          وعروة ويحيى وبلال لأمهات أولاد.
          وأما الإناث:
          فأمُّ القاسم شقيقة سالم الأكبر.
          وحميدة وأمة الرحمن الصغرى شقيقتا مَعْن.
          وأمُّ يحيى، أمُّها زينب بنت الصياح.
          وجويرة(27) أمُّها بادية بنت غيلان التي وصفها هيت.
          وآمنة ومريم شقيقتا مصعب رضي الله تعالى(28) عنهم.


[1] في (ص) نقص: «عبد عوف».
[2] في (ص) : «جعدا».
[3] في (ص) : «ستين في الجاهلية وستين في الإسلام».
[4] في (ص) زيادة : «ابن».
[5] في (ص) : «عفان».
[6] في (ص) : «توفي».
[7] في (ص) : «النبي».
[8] في (ص) : «اتفق».
[9] في (ص) نقص: «لك».
[10] في (ص) نقص: «على».
[11] في (ص) : «راحلة».
[12] في (ص) : «أرفق».
[13] في (ص) : «السخاء».
[14] في (ص) : «حديث واحد».
[15] في «كشف النقاب» (ص124) : «اتفقا على حديثين وخمسة للبخاري».
[16] في (ص) زيادة: «يا ابن عوف».
[17] في (ص) : «كدها».
[18] في (ص) : «سرورة».
[19] في (ص) : «فيها».
[20] في (ص) نقص: «فيه».
[21] في (ص) : «بالقوس».
[22] في (ص) : «فيه».
[23] في (ص) : «امرأة».
[24] في (ص) نقص: «الأكبر».
[25] «بن» زيادة من (ص).
[26] في (ص) نقص: «أبو».
[27] في (ص) : «جويرية».
[28] في (ص) نقص: «تعالى».