الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة

عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي

          86- أبو عُبَيدة؛ عامر بن عبد الله بن الجرَّاح بن هِلال بن أُهَيب بن ضَبَّة بن الحارث بن فِهْر، القرشي(1) الفِهْري.
          أمُّه أمُّ غُنم أُميمة بنت جابر من بني الحارث بن فِهْر، ماتت مسلمة.
          كان ☺ طويلًا، نحيفًا، معروق الوجه، خفيف اللحية، يُخضب بالحنَّاء والكتم.
          ذكر نبذ من فضائله
          أسلم ☺ قديمًا(2)، وهاجر قديمًا، ويقال: إنَّه من مهاجرة الحبشة، وشهد بدرًا وهو ابن إحدى وأربعين سنة، وقَتَل أباه(3) يومئذ كافرًا، ونزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى(4) : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ(5)} [المجادلة:22]؛ وشهد ما بعد بدرٍ من المشاهد كلها، وكان ممن صبر يوم أُحد؛ وانتزع يومئذٍ من جبهة النبي صلعم حلْقَتَي المِغْفَر بثنيَّتيه فسقطتا، فما رؤي أهتمُ أحسنَ منه.
          ولما جاء أهل نجران وسألوا النبي صلعم أن يبعث معهم أَمِيْنه فقال: «سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ أَمِينًا حَق أَمِين»، فَشَرَفَ لها الصحابة كلهم يرجوها، فبعث معهم أبا عبيدة ☺ ، وقال: «لِكُلِّ أُمَةٍ أَمِينٌ وأَمِينُنَا أَيَتهَا الأُمَّةُ أبو عبيدة بنُ الجرَّاحِ».
          وأَمَّره النبي صلعم ، على جيش الخَبَط، وعقد / له اللواء على جِلَّة من المهاجرين والأنصار، ولما اشتد بهم الجهد ألقى لهم البحر دابة تسمى العنبر، فترددوا في جواز أكله، فقال أبو عبيدة: نحن رُسُل رسول الله صلعم ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا؛ فأكلوا منه شهرًا وادَّهنوا من وَدَكه حتى بانت أجسامهم(6) ؛ وأجلس أبو عبيدة ☺ في وَقب(7) عينه ثلاثة عشر رجلًا، وحسَّن النبي صلعم ، فعلهم وقرره.
          وقال صلعم : «نِعْمَ الرَّجُلِ أبو عبيدة بن الجراح»، وبشَّره بالجنَّة.
          وكان أبو بكر ☺ إذا قَدٌم عليه أمدادُ المسلمين أمَّر عليهم رجلًا منهم وأمرهم أن يلحقوا بأُمرائه، فإذا قالوا: اختر لنا أيُّهم، قال: عليكم بالهين اللِّين الذي إذا ظُلم لم يَظلم، وإذا أُسيء إليه غفر، وإذا قُطع وَصَل، رحيم بالمؤمنين شديدٌ على الكافرين أبي عبيدة.
          وقال للمسلمين(8) يوم مات النبي صلعم : قد رضيتُ أحد الرجلين عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة.
          واختصه عمر ☺ بالخلافة إن مات وهو حيٌّ، واشتد عليه خلافه لمَّا رجع من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: أفِرارًا من قَدَرِ الله يا ابن الخطاب! فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة.
          وسُئلت عائشة ♦: أيُّ أصحاب رسول الله صلعم ، كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر. قيل: ثم من؟ قالت: عمر. قيل: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة.
          وسُئلت أيضًا: من كان رسول الله صلعم مستخلفًا لو استخلف؟ فأجابت(9) بمثل ذلك.
          وكان ☺ أمير أُمراء الفتوح، وكان يسير في العسكر وهو يقول: ألا رُبَّ مبيِّض لثيابه(10) مدنسٍ لدينه! ألا رُبَّ مكرمٍ لنفسه(11) وهو لها مُهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحادثات، فلو أنَّ أحدكم عَمِل من السيئات ما بينه(12) وبين السماء ثم عمل حسنةً لَعَلَتْ فوق ذلك كله.
          وكان ☺ على قَدَمٍ في العبادة، له(13) حظ وافر في الزهد، والخوف، والتواضع.
          وكان أخوه من المهاجرين سالمًا مولى أبي حذيفة، ومن الأنصار سيدهم سعد بن معاذ الأشهلي.
          لم يكن له مُسند إلا(14) في حديث العنبر، وهو قوله: نحن رُسُل رسول الله صلعم . وهو معنى تام، وسمُّوه حديثًا، / وهو من أفراد مسلم.
          مات ☺ في طاعون عَمَواس _بفتح العين المهملة والميم_ وهي قرية بالأردن بين الرَّملة وبيت المقدس، وقبره بها.
          وقال(15) النووي ☼ : وعلى قبره من الجلالة ما هو لائق، وقد زرته فرأيت منه(16) عجبًا.
          وكان موته سنة ثمان عشرة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة؛ وصلى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره معاذ وعمرو بن العاص ♥ ، والضحاك بن قيس.
          ولما بلغ عُمر حصول الوباء بالشام كتب إليه يستنهضه موهمًا له(17) أنْ ثَمَّ حاجةً، فلما ورد عليه الكتابُ قال: رحم الله أمير المؤمنين، يريد أن يستبقي بما(18) ليس بباق.
          ولما عمَّ الموت قال أبو عبيدة: اللهم آتِ آل أبي عبيدة نصيبهم، فخرجت به بثرة(19)، فقال: اللهم بارك فيها، فكانت سبب موته.
          وجملة من أُحصي(20) في طاعون عَمَواس خمسةٌ وعشرون ألفًا، ومات فيه جماعة من الصحابة ♥ .
          وكان لأبي عبيدة ☺ من الولد: يزيد وعمير_أمُّهما هند بنت جابر_، فدرجا ولم يبقَ له عقب، والله أعلم.


[1] في (ص) نقص: «القرشي».
[2] في (ص) : «كان ☺ من أسلم قديما».
[3] في الأصل: «أبوه»، والمثبت من (ص)، وهو الأولى كما في مصادر ترجمته.
[4] في (ص) نقص: «قوله تعالى».
[5] في (ص) زيادة : «{وَلَو كَانُوا ءَابَاءَهُمْ}»
[6] في (ص) : «جسومهم».
[7] في (ص) : «وقت».
[8] في (ص) : «المسلمين».
[9] في (ص) : «وأجابت».
[10] في (ص) : «ثيابه».
[11] في (ص) : «نفسه».
[12] في (ص) : «بين».
[13] في (ص) «وله».
[14] في (ص) زيادة : «ما».
[15] في (ص) نقص : «و».
[16] في (ص) : «عنه».
[17] في (ص) نقص: «له».
[18] في (ص) : «ما».
[19] في (ص) زيادة : «في يده».
[20] في (ص) زيادة: «موته».