الفيض الجاري بشرح صحيح الإمام البخاري

حديث: نعم ما لأحدهم يحسن عبادة ربه وينصح لسيده

          2549-وبالسند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) نسَبَه لجدِّه، وإلا فأبوه إبراهيمُ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة) هو: حمَّادُ بنُ أسامةَ (عَنِ الأَعْمَشِ) هو: سليمانُ بنُ مَهْرانَ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) هو: ذَكْوانُ الزَّيَّات.
          (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ☺ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ) وفي بعض الأصول: <قال رسولُ الله> (صلعم: نِعْمَ مَا لأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) قال شيخُ الإسلام: فاعلُ ((نِعمَ)) ضميرٌ مستتِرٌ فيها، يفسِّرُه ((ما)) و((لأحدهم)) متعلِّقٌ بـ((نعم)) وجملةُ: ((يُحسِنُ...)) إلخ، صفةُ ((ما)) و((ما)) مميِّزةٌ لفاعلِ ((نِعمَ)) والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ يدلُّ عليه: ((يُحسِنُ)) و((ينصَحُ)) والتقدير: نعمَ لأحدِهم الشيءُ شيئاً يُحسِنُ إحسانَه عبادةَ ربِّه ونُصحَه لسيِّدِه، انتهى.
          وقال الدَّمامينيُّ: فاعلُ ((نعمَ)) ضميرٌ مستترٌ فيها فُسِّرَ بـ((ما)) وقولُ ابنِ مالكٍ: ما مساويةٌ للضمير في الإبهام، فلا تميِّزُه؛ لأنَّ التمييزِ لبيان جنس المميَّزِ عنه، مرفوعٌ بأنَّ: ((ما)) ليس مُساوياً للضَّميرِ؛ لأنَّ المرادَ شيءٌ عظيم.
          فإن قلتَ: ما موقعُ قولِه: ((يُحسِنُ عبادةَ ربِّه وينصَحُ لسيده))؟ قلت: هو تفسيرٌ لها في المعنى، فلا محلَّ له من الإعرابِ.
          قال في ((الفتح)): زاد مسلمٌ من طريقِ همَّامٍ عن أبي هريرةَ: ((نِعِمَّا للمملوكِ أن يُتوفَّى بحُسنِ عبادة الله)) أي: يموتَ على ذلك، وفيه إشارةٌ إلى أن الأعمالَ بالخواتيم، انتهى.
          وفي ((نِعمَ)) أربعةُ أَوجُهٍ:
          أحدها: كسرُ النون وسكونُ العين وتخفيفُ الميم، وهذا ما في الفرع وغيره.
          ثانيها: كما في ((الفتح)): بفتح النون وكسر العين وإدغامِ الميم في الأخرى، قال القسطَلانيُّ: وبها قرأ ابنُ عامرٍ وحَمزةُ والكِسائيُّ وخلَفٌ والأعمَشُ في قولِه تعالى في سورة النساء: {نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} [النساء:58] على الأصلِ في أنَّ ((نَعِم)) بفتح النون وكسر العين.
          ثالثها: كسرُ النون وإسكانُ العين، قال القسطلانيُّ: وهي قراءةُ قالونَ وأبي عمرٍو وأبي بكرٍ وأبي جعفرٍ واليَزيديِّ والحسن؛ أي: البَصريِّ، واختارَه أبو عُبيدٍ، وحكاه لغةً للنبيِّ صلعم في قولِه عليه الصَّلاة والسلام: ((نِعِمَّا المالُ الصالح...)) وتصحيحُ الحاكمِ في ((المستدرك)) فتحَ النونِ وكسرَ العينِ روايةٌ أخرى.
          واعترض بعضُهم إسكانَ العينِ بأنَّه من وَهمِ الرُّواةِ عن أبي عمرٍو، وممن أنكرَه: المبرِّدُ والزجَّاجُ والفارسيُّ، قالوا: لأنَّ فيه جمعاً بين ساكنَينِ على غير حدِّهما، وهو لا يجوزُ.
          قال الفارسي: لعل أبا عمرَ أخفى كسرَ العين، فظنَّه الراوي سكوناً، وأُجيبَ بأنَّ الأصلَ في الراوي المستوفي شروطَ الروايةِ الضبطُ، واغتُفرَ التقاءُ الساكنَينِ هنا لعُروضِه كالوقف، انتهى.
          وأقول: المعروفُ في قراءةِ أبي عمرٍو الاختِلاسُ، ومَن عبَّرَ عنه بالإسكان أراد إسكاناً غيرَ محضٍ، فلا خِلافَ، فتأمل.
          رابعُها: فتح النون وسكون العين وتحريك الميم، وبهذا صرَّحَ في ((فتح الباري)) ثم قال القسطَلانيُّ: وتجويزُ هذه الأوجُهِ حكاها النوويُّ في ((شرح مسلم)) عند قوله: ((نعِمَّا المملوكُ)) فقال: المضبوطُ في الرِّوايةِ فيه بكسر النون والعين وتشديد الميم.
          قال: أما في روايةِ البخاريِّ، فالذي رأيتُه / في كثيرٍ من الأصُولِ المعتمدة وروَيتُه: بكسرِ النونِ وسكونِ العينِ وتخفيفِ الميم، ومَنْ حَفِظَ غيرَ ما ذكرتُه في روايةِ البخاريِّ فهو حُجَّةٌ، انتهى.
          وقال شيخ الإسلام: ((نعم ما)) بكسر النون وسكون العين وتخفيف الميم، وبفتح النون وكسر العين وتشديد الميم، ويجوزُ كسرُ النونِ مع إسكانِ العينِ وكسرِها واختلاسِ كسرَتِها وتشديدِ الميمِ، وقُرئَ بالجميع في العَشْر، واغتُفرَ التقاءُ الساكنَين في قراءةِ تسكينِ العين وإن كان على غير حدِّه لتبعيَّةِ ما قبلَ آخرِ الكلمة لآخرِها كعَكسِه في الوقفِ، انتهى.
          وقال في ((فتح الباري)): ووقعَ لبعض رُواةِ مسلمٍ: ((نُعْما)) بضم النون وسكون العين مقصوراً بالتنوين وغيرِه، وهو متَّجِهُ المعنى إن ثبتَتْ به الرِّوايةُ.
          وقال ابنُ التين: وقع في نسخةِ الشيخِ أبي الحسَن؛ أي: القابِسيِّ: <نعمَّ ما> بتشديد الميم الأولى وفتحها، ولا وجهَ له، وإنما صوابُه إدغامُها في ((ما)) وهي كقولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} انتهى.
          فتأمَّلْ قولَه: ((ولا وجهَ له...)) إلخ، وإقرارَ ((الفتح)) عليه.