الفيض الجاري بشرح صحيح الإمام البخاري

حديث: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله

          2904- وبالسند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي: ابن المدِيني، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينار (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي: محمد بن شهاب (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) نعت: لأوس، والحَدَثان: بفتح الحاء والدال المهملتين المفتوحتين فمثلثة فألف فنون؛ أي: النصري _بالنون_ المدني، قيل: له صحبة.
          (عَنْ عُمَرَ) أي: ابن الخطاب (☺، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة الساقطة، بطنٌ من اليهود كبَني قُريظة، وكانت غزوةُ بني النَّضير سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث (مِمَّا) من للتَّبعيض (أَفَاءَ) بالمدِّ من الفيء؛ أي: أعاد (اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلعم) أي: لأنَّه حقيق بأن يكون له؛ لأنه تعالى خلقَ الخلقَ لعبادتهِ، وخلق لهم ما يتوصَّلون به إلى طاعته والنبي عليه السلام جدير به؛ لأنه القائم بحقِّ عبادة مَولاه.
          وقوله: (مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ) بيان لما أفاءَ الله، ويُوجِف _بضم التحتية أوله وكسر الجيم وبالفاء_؛ أي: لم يسرعْ المسلمون ولم يعملوا أنفسهم في تحصيلهِ بخيلٍ ولا إبل، وهي بكسر راء الرِّكاب، والمراد: أنهم لم يقاتلوا الأعداءَ بهما مبارزَةً ولا مصالحةً في تحصيل المال بل حصل للمسلمين بما حصلَ للمشركين من الرُّعب والهيبةِ اللَّذين ألقيا في قُلوبهم من هيبةِ رسولِ الله صلعم.
          (فَكَانَتْ) أي: أموال بني النَّضير؛ أي: معظمها بسببِ ذلك (لِرَسُولِ اللَّهِ صلعم خَاصَّةً) وحينئذٍ فالأمرُ إليه يضعُها حيث شاء فلا تقسم كالغنائم (وَكَانَ) أي: رسول الله (يُنْفِقُ) بضم التحتية أوله (عَلَى أَهْلِهِ) أي: من المال المذكور (نَفَقَةَ) بفتحات معمول ((ينفق))؛ أي: يصرف في مصالحهم منه نفقة (سَنَة) بفتح السين المهملة والنون؛ أي: عام، وفي أكثر النسخ: <سنته> بالإضافة إلى ضمير الغيبة.
          (ثُمَّ يَجْعَلُ) أي: النبي (مَا بَقِيَ) بكسر القاف أي: فضل من المال بعدَ النَّفقة (فِي السِّلاَحِ وَالْكُرَاعِ) أي: في شرائهما منه، والسِّلاح: بكسر السين المهملة، يشملُ المجنَّ وغيره من آلات الحرب وبه تحصل المطابقةُ.
          وقال في ((الفتح)): لأن المجنَّ من جملة آلات السلاح، كما روى سعيد بن منصورٍ بإسناد صحيحٍ عن ابن عمر أنَّه كانت عندَه درقة فقال: لولا أن عمر قال لي: احبس سلاحك لأعطيت هذه الدرقة لبعض أولادي انتهى.
          والكُرَاع: بضم الكاف وتخفيف الراء، هنا خاصة الخيل، قال في ((القاموس)): الكراع _كغراب_ من البقر والغنم بمنزلة الوظيفِ من الفرس، وهو مستدقُّ السَّاق، ويؤنَّث، والجمعُ: أكرع وأكارع، ومِن كلِّ شيءٍ طرفُه، واسم يجمع الخيل، انتهى.
          وقال في ((المصباح)) _بعد أن ذكر نحو ما في ((القاموس))_:وقيل: لجماعة الخيل خاصة كراع.
          (عُدَّةً) بضم العين وتشديد الدال المهملتين، مفعول ثان لـ((يجعل))؛ أي: استعداداً، وفي السلاح حال أو متعلِّق بـ((يجعل))، والأقرب جعل في السلاح هو المفعول الثاني وعدة حال، فافهم.
          (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال الكرماني: والعدة: الاستعداد، وما أعددتُه لحوادث الدَّهر من السِّلاح ونحوه.
          وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الخراج، والترمذي في الجهاد، والنسائي في عشرة النساء.