تعليقة على صحيح البخاري

باب فضل مكة وبنيانها

          ░42▒ (باب فَضْلِ مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا...) إلى آخره.
          اعلم أنَّ الرَّبَّ جلَّ جلاله ذكر فضل مكَّة في غير موضع من كتابه، وقد عظم فضلها، وفرض على عباده حجَّها، وألزمهم قصدها، ولم يقبل من أحدٍ صلاة إلَّا باستقبالها، وهي قبلة أهل دينه أحياءً وأمواتًا، وقد بناها إبراهيم ╕ قبل ذلك، وبنته الملائكة قبل آدم، وحجَّه آدم، ثمَّ الأنبياء، ما من نبيٍّ إلَّا حجَّه، وفي «الرَّوض»: أوَّل من بناه شيث، وكانت قبل أن يبنيها خيمةً من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم، ويأنس بها؛ لأنَّها أُنزِلت(1) من الجنَّة، وبُني أيَّام جُرهم مرَّة أو مرَّتين؛ لأنَّ السَّيل كان قد صدَّعَ حائطه(2) ، وبناها عبد الله بن الزُّبير لمَّا نصب عليها المنجنيق الحصين بن بشر، وقيل: بل طارت شرارة من مجمرة في أستارها فاحترقت، فلمَّا أمر عبد الملك بهدمها، وبناها الحجَّاج على البناء الأوَّل، فلمَّا ولِّي أبو جعفر؛ أراد أن يهدمها ويردَّها إلى بناء ابن الزُّبير، فناشده مالك وقال له: لا تجعلوا حرم الله ملعبة، فتركها، وبناها آدم من خمسة أجبل: من حراء، وطور سيناء، وأبي قبيس، وطور زيتا والجودي، وقيل: قال الله تعالى لآدم: إنِّي مُنزِل معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول العرش، ويصلَّى إليه كما يصلَّى عند عرشي؛ فلمَّا كان زمان الطُّوفان؛ رفع، فكانت الأنبياء يحجُّون ولا يعلمون مكانه، حتَّى أراه الله تعالى لإبراهيم وأعلمه، فبناه من خمسة أجبل؛ حراء، وثبير، ولبنان، والطُّور، وجبل الخمر(3) ؛ هو جبل بالشَّام، لمَّا(4) أمر إبراهيم ببناء البيت؛ خرج معه إسماعيل وهاجر، فلمَّا قدم؛ رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فقال: يا إبراهيم؛ ابنِ على ظلِّي، ولا تزد ولا تنقص.


[1] في (ب): (نزلت).
[2] في (ب): (حائطها).
[3] في (ب): (الأحمر).
[4] في (أ): (كما).