تعليقة على صحيح البخاري

باب ما ذكر في الحجر الأسود

          ░50▒ (باب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الأَسْوَدِ...)؛ الحديث.
          إنَّما قال عمر ذلك؛ لأنَّ النَّاس كانوا حديثَ(1) عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنَّ الجهَّال أنَّ استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله في الجاهليَّة، فأراد أن يُعلِم أنَّ استلامه لا يقصد به إلَّا تعظيم الله(2) تعالى، والوقوف عند أمر نبيِّه؛ إذ ذلك من شعائر الحجِّ التي أمر الله بتعظيمها، وقد قال عليٌّ: إنَّه يضرُّ وينفع، فإنَّ الله تعالى لمَّا أخذ العهد على الذُّرِّيَّة؛ كتب في رقٍّ وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح، ففتح فاه، فألقمه ذلك الرِّقَّ فقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وقيل: إنَّ الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة مجسَّمة، وإنَّما شرَّع النَّبيُّ صلعم تقبيله على ما كانت شريعة إبراهيم، مع أنَّ معناه: التَّذلُّل والخضوع، وقد روي أنَّ القرمطيَّ قلع الباب وأصعد رجلًا من أصحابه؛ ليقلع الميزاب، فتردَّى على رأسه إلى جهنَّم، وأخذ أسلاب مكَّة والحاجِّ، وألقى القتلى في بئر زمزم، فهلك تحت الحجر من مكَّة إلى الكوفة أربعون جملًا، فعلَّقه _لعنه الله_ على الأسطوانة السَّابعة من جامع الكوفة من الجانب الغربيِّ؛ ظنًّا منه أنَّ الحجَّ(3) ينتقل إلى الكوفة، / ثمَّ نقله إلى هَجَر سنة سبعَ عشرةَ(4) وثلاث مئة، وبقي عند القرامطة اثنتين وعشرين سنة إلَّا شهرًا، ثمَّ رُدَّ لخمسٍ خلون من ذي الحجَّة سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، قيل: سؤاله في ردِّه خمسين ألف دينار، فلمَّا أراد أن يسلمه إلى الرَّسول؛ قال: لا عقل لكم، من أين لكم أنَّ هذا الحجر الأسود؟! ولعلَّنا أحضرنا حجرًا أسود من هذه البريَّة عوضه، فسكت النَّاس، وكان فيهم(5) عبد الله بن عليم المحدِّث، فقال لنا: في الحجر الأسود علامة، فإن كانت موجودة؛ فهو هو، وإن كانت معدومة؛ فليس هو إيَّاه، ثمَّ رفع حديثًا غريبًا: أنَّ الحجر الأسود يطوف على الماء، ولا يسخن بالنَّار إذا أوقد عليه، [فأحضر القرمطيُّ طستًا فيه ماء، ووضع الحجر فيه، فطفا على الماء، ثمَّ أوقد عليه](6) النَّار، فلم يُحمَ بها، فمدَّ عبد الله المحدِّث يده وأخذ(7) الحجر وقبَّله وقال: أشهد أنَّه الحجر الأسود، فتعجَّب القرمطيُّ من ذلك وقال: هذا دين مضبوط بالنَّقل، وأرسل الحجر إلى مكَّة على قعود أعجف، فسمن تحته، وزاد جسمه إلى مكَّة.


[1] في (ب): (حديثو).
[2] في (ب): (التعظيم لله).
[3] في (أ): (الحاج).
[4] في النسختين: (عشر).
[5] في (ب): (بينهم).
[6] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[7] في (ب): (فأخذ).