نجاح القاري لصحيح البخاري

باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى

          ░1▒ (باب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صلعم أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَبَارَكَ) وفي نسخة: <╡>، وهو الشَّهادة بأنَّ الله إلهٌ واحدٌ، ومعنى أنَّه تعالى واحدٌ _كما قال بعضهم_ نفي التَّقسيم في ذاته ونفي التَّشبيه في حقِّه وصفاته، ونفي الشَّريك معه في أفعاله ومصنوعاتهِ، فلا تُشبه ذاته الذَّوات ولا صفته الصِّفات، ولا فعله فعلَ غيره حتَّى يكون شريكاً له في عدله أو عديلاً له، وهذا هو الَّذي تضمَّنته سورة الإخلاص من كونه واحداً صمداً إلى آخرها، فالحقُّ سبحانه وتعالى مخالفٌ لمخلوقاته كلِّها مخالفةٌ مطلقة.
          هذا وقال الحافظُ العسقلاني: وهو الَّذي يسمِّيه غلاة الصُّوفية توحيد العامَّة، وقد ادَّعى طائفتان في تفسير التَّوحيد أمرين اخترعوهما:
          أحدهما: تفسير المعتزلة الَّذين سمُّوا أنفسهم أهل العدل والتَّوحيد، وعنوا بالتَّوحيد: ما اعتقدوهُ من نفي الصِّفات الإلهيَّة لاعتقادهم أنَّ إثباتها يستلزم التَّشبيه، ومن شبَّه الله بخلقهِ أشرك، وهم في النَّفي موافقون للجهميَّة.
          وثانيهما: غلاة الصُّوفية فإنَّ أكابرهم لَمَّا تكلَّموا في مسألة المحو والفناء، وكان مرادُهم بذلك المبالغة في الرِّضى والتَّسليم وتفويض الأمر، بالغَ بعضهم حتَّى ضاهى المرجئة في نفي نسبة الفعل إلى العبد وجرَّ ذلك بعضهم إلى معذرةِ العصاة، ثمَّ غلا بعضهم فعذر الكفَّار، ثمَّ غلا بعضهم فزعم أنَّ المراد بالتَّوحيد اعتقاد وحدة الوجود، وعَظُم الخطب حتَّى ساء ظنُّ كثيرٍ من أهل العلم بمتقدِّميهم وحاشاهم من ذلك.
          وقد تقدَّم كلام شيخ الطَّائفة الجنيد، وهو قوله: التَّوحيد إفراد القدم من الحدث، وهو في غاية الحسن / والإيجاز. وقد ردَّ عليه بعض من قال بالوحدة المطلقة، فقال: وهل من غيرٍ، ولهم في ذلك كلامٌ طويلٌ ينبو عنه سمع كلِّ من كان على فطرةِ الإسلام، والله المستعان، كذا قرَّره الحافظ العسقلاني.