نجاح القاري لصحيح البخاري

ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق

          ░27▒ (باب مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهمَا مِنَ الْخَلاَئِقِ) كذا في رواية الأكثرين «تخليق»، وفي رواية الكُشميهني: <في خلق السَّماوات>.
          قال الحافظ العسقلاني(1) : وهو الأولى المطابق للآية، وعليه شرح ابن بطَّال، وغرضُه في هذا الباب أن يعرِّفك أن السَّماوات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق لقيام دَلائل الحدوث بها من الآيات المشاهدات من انتظام الحكمة واتِّصال المعيشة فيهما، وقام برهان العقل على أن لا خالقَ إلا الله، وبطل قول من يقول: إنَّ الطَّبائع خالقةٌ للعالم، وأنَّ الأفلاك السَّبعة هي الفاعلة، وأنَّ الظُّلمة والنُّور خالقان. وقول من زعمَ أنَّ العرشَ هو الخالقُ، وفسدت جميع هذه الأقوال لقيام الدَّليل على حدوث ذلك كله، وافتقارهِ إلى مُحْدِث؛ لاستحالة وجودِ مُحدَث لا مُحْدِث له كاستحالة وجود مضروبٍ لا ضارب له، وكتاب الله ╡ شاهد بصحَّة هذا، وهو قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر:3]. فنفى خالقاً سواه، والآيات فيه كثيرة.
          (وَهْوَ) أي: التَّخليق أو الخلق باعتبار الرِّوايتين (فِعْلُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَمْرُهُ) أي: بقوله: {كنْ} [الأنعام:73] (فَالرَّبُّ) ╡ (بِصِفَاتِهِ) كالقدرة (وَفِعْلِهِ) أي: خلقه (وَأَمْرِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ: <وكلامه> وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ المراد بالأمر هنا هو قوله: {كنْ} وهو من جملة كلامه (وَهْوَ الْخَالِقُ هُوَ الْمُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ) بكسر الواو المشددة.
          قال الحافظ العسقلاني: لم يَرِد في الأسماء الحسنى، ولكن ورد معناه وهو المصوِّر، واختلف في التكوين هل هو صفة فعل قديمة أو حادثة، فقال جمع من السَّلف منهم أبو حنيفة: هي قديمة، وقال آخرون: منهم الأشعري وابن كلاب هي حادثةٌ؛ لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديماً.
          وأجاب الأوَّلون بأنَّه يوجد في الأزل صفة الخلقِ ولا مخلوق. وقال الأشعري: إنَّه لا يوجدُ خلقٌ ولا مخلوق / كما لا يوجدُ ضاربٌ ولا مضروبٌ، فألزموه بحدوث صفات، فيلزم حلول الحوادثِ بالله تعالى، فأجاب بأنَّ هذه الصِّفات لا تُحْدِثُ في الذَّات شيئاً جديداً فتعقَّبوه بأنَّه يلزم أن لا يسمَّى في الأزل خالقاً ولا رازقاً، وكلام الله تعالى قديمٌ، وقد ثبت فيه أنَّه الخالق الرَّازق فانفصلَ بعض الأشعريَّة بأن إطلاق ذلك إنَّما هو بطريقِ المجاز، وليس المراد بعدم التَّسمية عدمها بطريقِ الحقيقة، ولم يرتض بعضهم هذا، بل قال _وهو المنقول عن الأشعريِّ نفسه_ إنَّ الأسامي جارية مجرى الأعلام، والعَلَمُ ليس بحقيقة ولا مجاز في اللُّغة.
          وأمَّا في الشَّرع فلفظ: الخالق والرَّازق صادقٌ عليه تعالى بالحقيقة الشرعيَّة، والبحث إنَّما هو فيها لا في الحقيقة اللُّغوية، فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقمْ به الفعل، فأجاب بأنَّ الإطلاق هنا شرعي لا لغوي.
          وقال الحافظُ العسقلاني: وتصرُّف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة الأوَّل، والصَّائر إليه لَيَسْلَمُ من الوقوع في مسألة حوادثَ لا أوَّل لها، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «هو» من قوله: «هو المكوِّن»، وسقط من بعض النُّسخ قوله: «وفعله» قال الكرمانيُّ: وهو أولى ليصحَّ لفظ: «غير مخلوق».
          وقال الحافظُ العسقلاني: سياق المؤلِّف يقتضي التَّفرقة بين الفعل وما ينشأ عن الفعل، فالفعل من صفة الفاعل، والباري غير مخلوقٍ، فصفاته غير مخلوقة، وأمَّا مفعوله فهو ما ينشأُ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثمَّة عقَّبه بقوله:
          (وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهْوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ) بفتح الواو المشددة، والمراد بالأمر هنا المأمور به، وهو المراد بقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء:47]. وبقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف:21]. إن قلنا الضَّمير لله، وبقوله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق:1]. وبقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85].
          وفي الحديث الصَّحيح: ((إنَّ الله يحدث من أمره ما شاء)) [خ¦97/42-11084]، وفيه: ((سبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح)) وأما قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54]. فسيأتي في أواخر «كتاب التَّوحيد» [خ¦97/42-11084] احتجاج ابن عيينة وغيره به على أنَّ القرآن غير مخلوق؛ لأنَّ المراد بالأمر قوله تعالى: {كُنْ} وقد عطف على الخلق، والعطف يقتضي المغايرة، و{كنْ} من كلامه فصحَّ الاستدلال، ووهم من ظنَّ أنَّ المراد بالأمر هنا هو المراد بقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب:37] لأنَّ المراد به في هذه الآية المأمور، فهو الذي يوجد «بكن»، و«كن» صيغة الأمر، / وهي من كلامِ الله وهو غيرُ مخلوق، والذي يوجد بها هو المخلوق، وأطلق عليه الأمر؛ لأنَّه نشأ عنه.
          وقال البخاري في كتابه الذي أفرده في «خلق أفعال العباد»: اختلف النَّاس في الفاعل والفعل والمفعول، فقالت القدريَّة: الأفاعيل كلها من البشر، وقالت الجبريَّة: كلها من الله، وقالت الجهميَّة: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا: «كنْ» مخلوق، وقال السَّلف: التَّخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقة، ففعل الله صفة والمفعول من سواه من المخلوقات. انتهى.


[1] كذا قال المؤلف، وهذا النص على طوله هو بحروفه في عمدة القاري للعيني، واستفاد العيني بعضه من الحافظ ابن حجر ⌂.