نجاح القاري لصحيح البخاري

قول النبي: «لا شخص أغير من الله»

          ░20▒ (باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلعم : لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ) كلمة ((لا)) لنفي الجنس و((أغيرُ)) مرفوع خبرها، وسقط لفظ: «باب» في رواية غير أبي ذرٍّ فالتَّالي مرفوع، ووقع في بعض النُّسخ: <لا أحد أغير من الله> (وقال عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابنُ عَمْرٍو) بفتح العين؛ أي: ابن أبي الوليد الأسدي مولاهم الرقِّي يروي (عن عَبْدِ المَلِكِ) هو: ابنُ عمير بن سويد الكوفي، وهو أول من عَبَر نهر جيجون نهر بلخ على طريق سمرقند مع سعيد بن عثمان بن عفان خرج غازياً معه، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره يوم مات مائة سنة وثلاث سنين.
          وقد وصله الدَّارمي عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عَمرو عن عبد الملك، وقد غيَّر ابن بطَّال قوله: ((لا شخص)) بقوله: <لا أحد> وعليه شرحه، وقال: اختلف ألفاظ هذا الحديث، فلم يختلف في حديث ابن مسعودٍ ☺ أنَّه بلفظ: ((لا أحد)) فظهر أنَّ لفظ «شخص» جاء موضع «أحدٍ»، فكان من تصرُّف الرَّاوي.
          وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ اختلاف ألفاظ هذا الحديث هو أنَّ في رواية ابن مسعودٍ: ((ما من أحدٍ أغير من الله)) [خ¦5220]، وفي رواية عائشة: ((ما أحدٌ أغير من الله)) [خ¦5221]، وفي رواية أسماء: ((لا شيء أغير من الله)) [خ¦5222]. وفي رواية أبي هريرة: ((إنَّ الله يغار)) [خ¦5223] كلُّ ذلك مضى في «كتاب النِّكاح»، في «باب الغيرة»، ورواية ابن مسعود مبينة أنَّ لفظ الشَّخص موضوعٌ موضع أحدٍ. وقال الدَّاودي: في قوله: ((لا شخص أغير من الله)) لم يأتِ متَّصلاً ولم يتلقَّ الأئمَّة مثل هذه الأحاديث بالقبول.
          وقال الخطَّابي: إطلاق الشَّخص في صفات الله غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الشَّخص إنَّما يكون جسماً مؤلَّفاً، فخليق أن لا تكون هذه اللَّفظة صحيحةً وأن تكون تصحيفاً من الرَّاوي، ودليل ذلك أنَّ أبا عَوانة روى هذا الحديث عن عبد الملك فلم يذكرها فمن لم يُمعن في الاستماع لم يأمن الوهم، وكثيرٌ من الرُّواة يحدِّث على المعنى وليس كلُّهم فقهاء بل في كلام آحاد الرُّواة جفاء وتعجرفٌ.
          وقال بعض كبار التَّابعين: نعم المرء ربُّنا لو أطعناه ما عصانا، ولفظ المرء إنما يطلق على الذُّكور من الآدميين فأرسل الكلام، فلعلَّ لفظ شخصٍ جرى على هذا السَّبيل إن لم يكن غلطاً من قبيل التَّصحيف فاعْتَوَرَهُ الفساد من وجوهٍ:
          أحدها: أنَّ اللَّفظ لا يثبت إلَّا من طريق السَّمع.
          والثَّاني: إجماع الأمَّة على المنع منه.
          والثالث: أنَّ معناه أن يكون جسماً مؤلفاً فلا يطلق على الله ╡، وقد منعت الجهميَّة إطلاق الشَّخص مع قولهم بالتَّجسيم فدلَّ ذلك على الإجماع على منعه في صفته ╡، ثمَّ قال الخطَّابي: انفرد به عبيد الله عن عبد الملك ولم يتابع عليه. انتهى.
          وقال ابنُ فورك: لفظ «الشَّخص» غير ثابتٍ من طريق السُّنَّة والإجماع على المنع منه؛ لأنَّ معناه الجسم مركَّبٌ، وكذا أنكره القرطبي.
          قال القسطلاني: وطعنهم في السَّند / بنوه على تفرُّد عبيد الله بن عَمرو به، وليس كذلك فقد أخرجهُ الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن عمر القواريري وأبي كامل فُضيل بن حسين الجَحْدري، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشَّواب، ثلاثتهم عن أبي عَوانة الوضَّاح بالسَّند الَّذي أخرجه به البخاري، لكن قال في المواضع الثلاثة: «لا شخص» بدل: «لا أحد» ثمَّ ساقه من طريق زائدة بن قدامة عن عبد الملك كذلك، فكأنَّ هذه اللَّفظة لم تقع في رواية البخاري من حديث أبي عَوانة عن عبد الملك، فلذلك علَّقها عن عبيد الله بن عَمرو. انتهى.
          وردَّ الحافظ العسقلاني على الخطَّابي دعوى تفرُّد عبيد الله بن عَمرو به، فقال: كأنَّه لم يراجع «صحيح مسلم» ولا غيره من الكتب الَّتي وقع فيها هذا اللَّفظ من غير رواية عبيد الله بن عَمرو، فقد أخرجهُ مسلمٌ عن القواريري، وأبي كامل كذلك، ومن طريق زائدة أيضاً، وَرَدُّ الرِّوايات الصَّحيحة والطَّعن في أئمَّة الحديث الضَّابطين مع إمكان توجيه ما رووه من الأمور التي أقدمَ عليها كثير من غير أهل الحديث وهو يقتضي قصورَ فهم من فعل ذلك منهم.
          ومن ثمَّة قال الكرماني: لا حاجة لتخطئة الرُّواة الثِّقات بل حُكْمُ هذا حكم سائر المتشابهات، إمَّا التَّفويض، وإمَّا التَّأويل. انتهى.
          والتَّأويل إمَّا بأنَّ الشَّاخص عالٍ مرتفع، أو هو من باب إطلاق الخاصِّ وإرادة العامِّ كالشَّيء الذي منصوصٌ به في الرِّوايات، وقيل: معناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله تعالى.
          وفي «المصابيح»: هذا ظاهرٌ إذ ليس في هذا اللَّفظ ما يقتضي إطلاق الشَّخص على الله، وما هو إلَّا بمثابة قولك: لا رجل أشجعُ من الأسد، وهذا لا يدلُّ على إطلاق الرَّجل على الأسد بوجهٍ من الوجوه، فأيُّ داعٍ بعد ذلك إلى توهيم الرَّاوي في ذكر الشَّخص أنَّه تصحيفٌ من قوله: ((لا شيء أغير من الله)) كما صنعه الخطَّابي ومن حذا حذوه. انتهى.
          وتعقَّب العيني بما لا طائلَ تحته، فقال: هذا وقع في غير ما أنكر عليه، والخطَّابي لم ينكر هذه اللَّفظة وحده بل أنكرها كذلك الدَّاودي، وابن فورك. وقال القرطبي: أصل وضع الشَّخص في اللغة لجِرْم الإنسان وجسمه، واستعمل في كلِّ شيءٍ ظاهر، يقال: شَخَصَ الشَّيءُ: إذا ظهر، وهذا المعنى محالٌ على الله تعالى. انتهى.
          فكلامه يدلُّ على أنَّه لا يرضى بإطلاق هذه اللَّفظة على الله تعالى وإن كان قد أوَّل، والعجب من هذا القائل أنَّه أيَّد كلامه بما قاله الكرماني مع أنَّه ينسبه في مواضع إلى الغفلة وإلى الوهم والغلط، ومن أين ثبت له عدم مراجعة الخطَّابي إلى «صحيح مسلم» وغيره وكلامه عامٌّ في كلِّ موضعٍ فيه، والسَّهو والنِّسيان غير مرفوعين عن كلِّ أحدٍ يقعان عن الثِّقات وغيرهم، وفي نسبته الثِّقات إلى قصور الفهم واقعٌ هو فيه. انتهى فليتأمَّل، والله الموفق والمعين.