نجاح القاري لصحيح البخاري

قول الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي}

          ░30▒ (باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ}) أي: ماء البحر ({مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف:109]) سُمِّي المداد مداداً لإمداده الكاتب، وأصله من الزِّيادة، فإن قلت: الكلمات لأقل العدد وأقلها عشرة فما دونها فكيف جاء هنا؟
          قلت: العرب تستغني بالجمع القليل عن الكثير وبالعكس، قال تعالى: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ} [سبأ:37] وغرف الجنَّة أكثر من أن تُحصى؛ أي: لو كُتِبت كلمات الله المتعلِّقة بعلمه وحكمته، وكان البحر مداداً لها، والمراد بالبحر الجنس.
          ({لَنَفِدَ الْبَحْرُ}) النَّفاد: الفراغُ ({قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} [الكهف:110]) أي: بمثل البحر ({مَدَداً}) أي: زيادة لنفدِ أيضاً والكلمات غير نافدة، و«مداداً» تمييز، والمراد مثل المداد، وهو ما يُمَدُّ به. فإن قيل: قال في أوَّل الآية «مِدَاداً»، وفي آخرها «مَدَاداً»، وكلاهما بمعنى، واشتقاقهما غير مختلف.
          فالجواب: أنَّ الثانية آخر الآية فَرُوْعِيَ فيها السَّجع، وهو الذي يقال في القرآن الفواصل، وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة ((مِدَاداً)) مثل الأوَّل. وسبب نزول الآية: أنَّ اليهود قالوا: لمَّا نزل قوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء:85] وكيف وقد أوتينا التَّوراة فيها علم كلِّ شيء، فنزلت هذه الآية، والمعنى: لو كان البحر مداداً للقلم والقلم يكتب لنفد البحر قبل أن تنفدَ كلمات ربِّي؛ لأنها أعظم من أن يكون لها أمد؛ لأنها صفة من صفات ذاتهِ، فلا يجوز أن يكون له غاية ومنتهى.
          ({وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ} [لقمان:27]) أي: من خلفه ({سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان:27]) أي: ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً، وكان البحر معه سبعة أبحر مداداً ما نفدت كلمات الله، وقيل: فيه حذف تقديره فكُتِبت بهذه الأقلام وهذه الأبحر كلماتُ الله لتكسَّرت الأقلام ونفدت البحور ولم تنفد كلمات الله.
          وقال أبو عبيدة: البحر هنا العَذْبُ، وأمَّا الملح فلا تثبت فيه الأقلام، هذا وكان مقتضى الظَّاهر أن يقال: ولو أنَّ الشَّجرَ أقلامٌ والبحرَ مدادٌ، لكن أغنى عن ذِكْرِ المداد قولهُ: {يمده}؛ لأنه من قولك: مد الدُّواة؛ أي: جعل فيها مداداً، فجعل البحر بمنزلة الدُّواة وجعلَ الأبحر السَّبعة مملوءة مداداً فهي تصبُّ فيه مدادها أبداً صباً لا ينقطعُ.
          وأخرج عبد الرَّزاق في «تفسيره» من طريق أبي الجوزاء قال: لو كان كل شجرة في الأرض أقلاماً والبحر مداداً لنفد الماء، وتكسَّرت الأقلام / قبل أن تنفدَ كلمات الله.
          وقال ابن أبي حاتم: حدَّثني أبي سمعت بعضَ أهل العلم يقول قول الله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] وقوله: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} [الكهف:109] الآية؛ يدلُّ على أنَّ القرآن غير مخلوق، إذ لو كان مخلوقاً لكان له قدر، وكانت له غاية، ولنفذ كنفاذ المخلوقين، وتلا قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي} الآية، وسبب نزول تلك الآية أنَّ المشركين قالوا: إنَّ القرآن كلام قليل يوشك أن ينفد، فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ} [لقمان:27] الآية.
          ({إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف:54]) أراد السَّموات والأرض وما بينهما، بيَّن الله ╡ أنَّه المنفردُ بقدرة الإيجاد، وهو الَّذي يجب أن يُعبدَ دون غيره، واختلفوا أيَّ يومٍ بدأ الخلق على ثلاثة أقوال:
          أحدها: يوم السَّبت كما جاء في «صحيح مسلم».
          والثَّاني: يوم الأحد، قاله عبد الله بن سَلَام وكعب والضَّحاك ومجاهد، واختاره ابن جرير والطَّبري وبه يقول أهل التَّوراة وهو المشهور الشَّائع.
          والثَّالث: يوم الاثنين قاله ابن سُحنون وبه يقول أهل الإنجيل.
          ومعنى قوله: {في ستَّة أيام}؛ أي: مقدار ذلك؛ لأنَّ اليوم يُعرفُ بطلوع الشَّمس وغروبها ولم يكن يومئذٍ شمسٌ ولا قمر، والحكمة في خلقهما في ستَّة أيام مع قدرته على خلقهما في لحظةٍ واحدةٍ لوجوه:
          الأول: أنَّه أراد أن يوقعَ في كلِّ يومٍ أمراً تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، وهذا عند من يقول: خَلَقَ الملائكةَ قبل السَّموات والأرض.
          الثَّاني: ليُعلِّم التَّثبت في الأمور والتَّأني فيها، فالتَّثبت أبلغُ في الحكمة، والتَّعجيلُ أبلغ في القدرة.
          الثَّالث: أنَّ الإمهالَ في خلقِ شيءٍ بعد شيءٍ أدلُّ على عالمٍ مدبِّر مريدٍ تصرّفه على اختياره، فيكون ذلك أبعد من أن يظنَّ أنَّ ذلك وقع بالطَّبع أو بالاتِّفاق.
          الرَّابع: ليعلِّمنا بذلك الحساب لأنَّ أصل الحساب من ستةٍ، ومنه تتفرع سائر الأعداد.
          ({ثُمَّ اسْتَوَى}) أي: استولى ({عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]) والعرش في اللغة: السَّرير، قاله الخليل وأضاف: الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه مستولياً على جميع المخلوقات؛ لأنَّ العرش أعظمها وأعلاها، وتفسيرُ العرش بالسَّرير، والاستواء بالاستقرار كما يقوله المشبِّهة باطلٌ؛ لأنَّه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما كان؛ لأنَّ التَّغير من صفات الأكوان.
          ({يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف:54]) الإغشاء: إلباس الشَّيء الشيءَ، وقال الزَّجاج: المعنى أنَّ الليل يأتي على النَّهار فيغطيه، وإنما لم يقل: ويغشى النَّهار الليل؛ لأنَّ في الكلام دليلاً عليه كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] وإضافة الإغشاء إلى اللَّيل أنسب من إضافته إلى النَّهار.
          وقال في موضعٍ آخر: / {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } [الزمر:5]، والمعنى: يُلحِقُ اللَّيل بالنَّهار، ويُلحقُ النَّهار باللَّيل.
          ({يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} [الأعراف:54]) حالٌ من «اللَّيل»؛ أي: يطلبُ اللَّيلُ النهارَ محثوثاً؛ أي: سريعاً وكأنَّه لسرعة مضيه يطلب النَّهار ({وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ} [الأعراف:54]) أي: وخَلْقها ({مُسَخَّرَاتٍ}) حالٌ، مدبرات أو منقاداتٍ مذلَّلات لِمَا يُرَادُ منهنَّ من طلوعٍ وأفول وسيرٍ على حسب الإرادة ({بِأَمْرِهِ}) هو أمر تكوين ({أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}[الأعراف:54]) أي: هو الَّذي خلق الأشياء وله الأمر ({تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54]) كثر خيره ودام برُّه من البركة والنَّماء ({سَخَّرِ} ذَلَّلَ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ من قوله: «{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} إلى آخره»، وقال بعد قوله: {النَّهَارَ}: <الآية>.
          وقال العيني: والغرضُ من إيرادِ هذه الآية أن يعلمَ أنَّ الأمر غير الخلق؛ لأنَّ بينهما حرف العطف، وعن ابن عُيينة: فرقٌ بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفرَ؛ أي: من جعل الأمر من جملة ما خلقه فقد كفرَ، وفيه خلاف المعتزلة، ومعنى هذا الباب إثباتُ الكلام لله تعالى صفةً لذاتهِ ولم يزل متكلِّماً ولا يزال كمعنى الباب الَّذي قبله، وإن كان وصف الله كلامه بأنَّه كلمات، فإنَّه شيءٌ واحدٌ لا يتجزأ ولا ينقسم، وكذلك (1) يعبَّر عنه بعباراتٍ مختلفةٍ تارةً عربيَّة، وتارةً سريانيَّة وبجميع الألسنة الَّتي أنزلها الله تعالى على أنبيائهِ، وجعلها عبارةً عن كلامهِ القديم الَّذي لا يشبهُ كلام المخلوقين ولو كانت كلماته مخلوقةً لنفدت، كما ينفدُ البحر والأشجار وجميعُ المُحْدَثات، فكما لا يحاطُ بذاته تعالى كذلك لا يحاط بكلماتهِ وجميع صفاته.


[1] في هامش الأصل: ولذلك. والمثبت موافق للعمدة