نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}

          ░35▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ} [الفتح:15]) هذا المقدار في رواية الأكثرين وفي رواية أبي ذرٍّ: <{يريدون أن يبدِّلوا كلام الله} الآية>. قال المفسِّرون: واللَّفظ للمدارك؛ أي: يريدون أن يغيروا مواعد الله لأهل الحديبية، وذلك / أنَّه وعدهم أن يعوِّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادِعين لا يصيبون منهم شيئاً.
          وقال ابن بطَّال: أراد البخاري بهذه التَّرجمة وأحاديثها ما أراد في الأبواب قبلها أنَّ كلام الله صفةٌ قائمةٌ به، وأنَّه لم يزل متكلِّماً ولا يزال. انتهى.
          وقال الحافظ العسقلاني: والَّذي يظهر لي أنَّ غرضه أنَّ كلام لله لا يختصُّ بالقرآن، فإنَّه ليس نوعاً واحداً وأنه وإن كان غير مخلوقٍ وهو صفةٌ قائمةٌ بذاته، فإنَّه يلقيه على من يشاء من عباده بحسب حاجتهم في الأحكام الشَّرعيَّة وغيرها من مصالحهم وأحاديث الباب كالمصرَّحة بهذا المراد. انتهى.
          وقال العيني: معنى قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح:15] هو أنَّ المنافقين تخلَّفوا عن الخروج مع رسول الله صلعم إلى غزوة تبوك، واعتذروا بما عَلِم الله إفكهم فيه، وأمر الله رسوله أن يقرأ عليهم: {قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً} [التوبة:83] فأعلمهم بذلك وقطع أطماعهم بخروجهم معه، فلمَّا رأوا الفتوحات قد تهيَّأت لرسول الله صلعم أرادوا الخروج معه رغبةً منهم في المغانم، فأنزل الله: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} [الفتح:15] الآية. فهذا معنى الآية أي: أن يبدِّلوا أمره له صلعم بأن لا يَخرجوا معه بأن يخرجوا معه، فقطع الله أطماعهم من ذلك مدَّة أيَّامه صلعم بقوله: {قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً} [التوبة:83].
          وقوله تعالى: ({لَقَوْلٌ}) وفي رواية أبي ذرٍّ: <{إنه لقول} [الطارق:13]> ({فَصْلٌ}) أي: (حَقٌّ) وفي غير رواية أبي ذرٍّ: ثبت «حق» بغير ألف ولام، وسقط من رواية أبي زيدٍ المروزي.
          ({وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:14]) أي: باللعب، كذا فسَّره أبو عبيدة في كتابه «المجاز»، ومن حقِّ القرآن وقد وصفه الله بهذا أن يكون مهيباً في الصُّدور معظَّماً في القلوب يترفَّع به قارئه وسامعه أن يلمَّ بهزلٍ أو يتفكَّه بمزاحٍ.
          قال الحافظ العسقلاني: والمراد بالحقِّ الشَّيء الثَّابت الَّذي لا يزول، وبهذا يظهرُ مناسبة هذه الآية للآية الَّتي في التَّرجمة.