نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول النبي: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة»

          ░52▒ (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلعم : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ) الماهر: الحاذق، والمراد: جودة التِّلاوة مع حسن الحفظ (مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ) كذا في رواية الأَصيلي، وأبي ذرٍّ عن الكُشميهني. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي: <مع سفرة الكرام> من باب إضافة الموصوف إلى الصِّفة، ويروى: <مع الكرام>.
          و«السَّفرة»: الكتبة جمع: سافر مثل كاتب وكَتَبة، وزناً ومعنًى، وهم الَّذين يكتبون من اللَّوح المحفوظ. و«الكرام»: المكرمون عند الله.
          (الْبَرَرَةِ) أي: المطيعين المطهَّرين من الذُّنوب. وفي التِّرمذي: ((الَّذي يقرأ القرآن وهو به ماهرٌ مع السَّفرة الكرام البررة)). وقال: هو حسنٌ صحيحٌ. وأصل هذا الحديث مضى مسنداً في «التَّفسير» [خ¦4937]، لكن بلفظ: ((مثل الَّذي يقرأُ القرآن وهو حافظٌ له مع السَّفرة الكرام)). وقال ابنُ الأثير: ((مع السَّفرة الكرام البررة)) أي: الملائكة. وقال الهروي: والمراد بالمهارةِ بالقرآن: جودة الحفظ، وجودة التِّلاوة من غير تردُّدٍ فيه؛ لكونه يسَّره الله تعالى عليه، كما يسَّره على الملائكة، فكان مثلها في الحفظ والدَّرجة.
          (وَ) قوله صلعم : (زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) هذا من الأحاديث التي علَّقها البخاري، ولم يَصِلْها في موضعٍ آخر من كتابه، وأخرجه في كتاب «خلق أفعال العباد» من رواية عبد الرَّحمن بن عوسجة، عن البراء بهذا. وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من هذا الوجه. وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه».
          ومعنى: ((زيِّنوا القرآن بأصواتكم))، يعني: بالمدِّ والتَّرتيل، وليس بالتَّطريب الفاحش الَّذي يَخرج إلى حدِّ الغناء. وقيل: بتحسين أصواتكم. ومراد المؤلِّف: إثبات كون التِّلاوة فعل العبد، فإنَّها يدخلها التَّرتيل والتَّحسين والتَّطريب.