نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها}

          ░47▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} [آل عمران:93]) وسبب نزولها ما رُوي عن ابن عبَّاسٍ ☻ أنَّه قال: كان إسرائيل اشتكى عِرْق النَّساء، فكان له صياح، فقال: إن برَّأني الله من ذلك لا آكل عرقاً.
          وقال عطاء: لحوم الإبل وألبانها.
          قال الضَّحَّاك: قال اليهود لرسول الله صلعم : حُرِّم علينا هذا في التَّوراة، فأكذبهم الله تعالى، وأخبر أنَّ إسرائيل حرَّم على نفسه من قبل أن تنزل التَّوراة، ودعاهم إلى إحضارها، فقال: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ} [آل عمران:93] الآية.
          وغرضُ البخاريِّ من هذه التَّرجمة: أن يبيِّن أنَّ المراد بالتِّلاوة القراءة، وقد فُسِّرت التِّلاوة بالعمل، والعمل من فعل الفاعل، وسيظهرُ الكلام وضوحاً ممَّا سيأتي.
          (وَقَوْلِ النَّبِيِّ صلعم ) بالجر عطفاً على «قول الله تعالى» (أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ) والمقصود من هذا وما بعده: ذكر أنواع من التَّسليم الَّذي هو الغرض من الإرسال والإنزال، وهو التِّلاوة والإيمان به، والعمل به.
          وهذا التَّعليق وصلَه البخاري في آخر الباب موصولاً، لكن بلفظ [خ¦7533]: ((أُوتي))، و((أُوتيتم)). وقد مضى في اللفظ المعلَّق ((أُعطِي)) و((أُعطيتم)) في ((باب: المشيئة والإرادة)) في أوائل ((كتاب التوحيد)) [خ¦7467].
          (وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ) بفتح الراء وكسر الزاي وسكون التحتية وبالنون، بوزن عظيم، هو مسعودُ بن مالك الأسدي التَّابعي الكبير الكوفي، في قوله تعالى: ({يَتْلُونَهُ} [البقرة:121]) أي: {حقَّ تلاوته} [البقرة:121]، كما في رواية أبي ذرٍّ (يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ / حَقَّ عَمَلِهِ) وصله سفيان الثوري في «تفسيره» من رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عنه، عن منصور بن المعتمر عن أبي رَزين، فذكره.
          (يُقَالُ: {يُتْلَى}) أي: (يُقْرَأُ) قاله أبو عبيدة في «المجاز» في قوله تعالى: {أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51] (حَسَنُ التِّلاَوَةِ) أي: (حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ) وكذا يقال: رديء التِّلاوة؛ أي: القراءة، ولا يقال: حسن القرآن، ولا رديء القرآن، وإنَّما يُسنَد إلى العباد القراءةُ، لا القرآن؛ لأنَّ القرآن كلامُ الله، والقراءة فعل العبد. أراد أنَّ معنى التِّلاوة: القرآن، واستدلَّ عليه بأنَّه يقال: حسن التِّلاوة، وحسن القراءة.
          وقوله: ((للقرآن)) يعني: قراءة القرآن، والفرق بينهما: أنَّ التِّلاوة تأتي بمعنى الاتِّباع، وهي تقع بالجسم تارة، وتارةً بالاقتداء في الحكم، وتارةً بالقراءة.
          قال الرَّاغب: التِّلاوة في عرف الشَّرع تختصُّ باتِّباع كتب الله المنزَّلة تارةً بالقراءة، وتارةً بامتثال ما فيها من أمرٍ ونهيٍ، وهي أعمُّ من القراءة، فكلُّ قراءة تلاوة من غير عكسٍ.
          (لاَ يَمَسُّهُ: لا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلاَّ مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلاَ يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلاَّ الْمُوقِنُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: <إلا المؤمن>، أشار بهذا إلى تفسير قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79]، وفسَّر قوله: {لَا يَمَسُّهُ} بقوله: لا يجد طعمه ونفعَه إلَّا من آمن بالقرآن؛ أي: المطهَّرون من الكفر، ولا يحمله بحقِّه إلَّا الموقن بكونه من عند الله المطهَّر من الجهل والشَّكِّ ونحوه، لا الغافل كالحمار مثلاً.
          (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}) ولا يدري ما هي ({بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5]، وَسَمَّى النَّبِيُّ صلعم الإِسْلاَمَ وَالإِيمَانَ) زاد أبو ذرٍّ: <والصلاة> (عَمَلاً) أي: في حديث سؤال جبريل ◙ السابق مراراً [خ¦50] [خ¦4777] قيل: لا فائدة زائدة في قوله: «وسمَّى النَّبي صلعم ... إلى آخره»، ولأنَّه لم يُنكِر أحدٌ كون هذه الأشياء أعمالاً؛ لأنَّ الإسلام والإيمان من أعمال القلب واللِّسان، والصَّلاة من أعمال الجوارح.
          (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ☺: (قَالَ النَّبِيُّ صلعم لِبِلاَلٍ: أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ) بفتح الميم (عَمِلْتَهُ) بكسرها (فِي الإِسْلاَمِ، قَالَ): يا رسول الله (مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي / أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ) طهوراً في ساعة ليلٍ أو نهار (إِلاَّ صَلَّيْتُ) أي: بذلك الطهور <ركعتين>، كما في بعض الروايات. ودخول هذا الحديث هنا من جهة الصَّلاة؛ لأنَّه لا بدَّ فيها من القراءة. وقد مضى الحديث موصولاً في «كتاب التهجد»، في «باب: فضل الطهور الليل والنهار» [خ¦1149].
          (وَسُئِلَ) أي: النَّبي صلعم (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثواباً عند الله (قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الْجِهَادُ) في سبيل الله (ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي: مقبولٌ لا يخالطه شيءٌ ممَّا ينافيه.
          وقد مضى في «الإيمان» موصولاً، في «باب: من قال إنَّ الإيمان هو العمل» [خ¦26]، أخرجه من حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة: ((أنَّ رسول الله صلعم سُئل)).
          ومضى كذلك في «الحج»، في «باب: فضل الحج المبرور» [خ¦1519]، وفيه: ((سُئل أي الأعمال)). وفي الذي في «الإيمان»: ((سئل أيُّ العمل)) [خ¦26] بالإفراد.