نجاح القاري لصحيح البخاري

مقلب القلوب

          ░11▒ (باب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وفي رواية غير أبي ذرٍّ سقط لفظ: «باب» فما بعده مرفوعٌ، وكذا قوله: «وقول الله»، وعلى ثبوت الباب يُضاف الباب إلى مقلِّب القلوب، وإلى قولِ الله تعالى، قيل: ويجوز قطع الباب عنه، فيكون «مقلِّب» مرفوعاً على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: الله مقلِّب القلوب، ويكون التَّقدير: هذا باب يُذكر فيه الله مقلِّب القلوب، ولا يخفى أنَّه تكلُّفٌ.
          (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) والمعنى أنَّه تعالى مبدِّل الخواطرِ وناقض العزائم، فإنَّ قلوبَ العباد بيدِ قدرته يقلِّبها كيف يشاء. قال الكرماني: فإن قلت: لِمَ لا تحمله على معنى جاعل القلب قلباً فيكون حقيقة؟ قلت: لأنَّ مظان الاستعمال تنبو عنه، ويُستفاد منه أنَّ أعراض القلب كالإرادة ونحوها بخلقِ الله تعالى، وهذا من الصِّفات الفعليَّة ومرجعُه إلى القدرة، والأفئدة، جمع فؤاد وهو القلبُ.
          وقال الرَّاغب: الفؤاد كالقلب لكن يقال له: فؤادٌ إذا اعتبر فيه معنى التَّفأد؛ أي: التَّوقُّد، يقال: فَأَدْتُ اللَّحم: شويته، ومنه: لحمٌ فئيدٌ؛ أي: مشويٌّ، وظاهر هذا أنَّ الفؤادَ غير القلب، ويقال فيه: فواد _بالواو بدل عن الهمزة_ وسمِّي القلب قلباً لكثرة تقلُّبه من حالٍ إلى حالٍ. قال الشَّاعر:
وَمَا سُمِّيَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِأُنْسِهِ                     وَلَا الْقَلْبُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
          وقدَّم ذكر تقليب الأفئدة على الأبصار؛ لأنَّ موضعَ الدَّواعي والصَّوارف في القلب، فإذا حصلت الدَّاعية إلى شيءٍ في القلب انصرف إليه، وإذا حصلت الصَّوارف في القلب انصرف عنه.