-
المقدمة
-
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
كتاب الإيمان
-
كتاب العلم
-
كتاب الوضوء
-
كتاب الغسل
-
كتاب الحيض
-
كتاب التيمم
-
كتاب الصلاة
-
أبواب سترة المصلي
-
كتاب مواقيت الصلاة
-
كتاب الأذان
-
أبواب الجماعة والإمامة
-
كتاب الجمعة
-
أبواب صلاة الخوف
-
كتاب العيدين
-
كتاب الوتر
-
كتاب الاستسقاء
-
كتاب الكسوف
-
أبواب سجود القرآن
-
أبواب تقصير الصلاة
-
أبواب التهجد
-
كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
-
أبواب العمل في الصلاة
-
أبواب السهو
-
كتاب الجنائز
-
كتاب الزكاة
-
أبواب صدقة الفطر
-
كتاب الحج
-
أبواب العمرة
-
أبواب المحصر
-
كتاب جزاء الصيد
-
أبواب فضائل المدينة
-
كتاب الصوم
-
كتاب صلاة التراويح
-
أبواب الاعتكاف
-
كتاب البيوع
-
كتاب السلم
-
كتاب الشفعة
-
كتاب الإجارة
-
كتاب الحوالة
-
كتاب الكفالة
-
كتاب الوكالة
-
كتاب المزارعة
-
كتاب المساقاة
-
كتاب الاستقراض
-
كتاب الخصومات
-
كتاب في اللقطة
-
كتاب المظالم
-
كتاب الشركة
-
كتاب الرهن
-
كتاب العتق
-
كتاب المكاتب
-
كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
-
كتاب الشهادات
-
كتاب الصلح
-
كتاب الشروط
-
كتاب الوصايا
-
كتاب الجهاد والسير
-
كتاب فرض الخمس
-
كتاب الجزية والموادعة
-
كتاب بدء الخلق
-
كتاب أحاديث الأنبياء
-
كتاب المناقب
-
كتاب فضائل الصحابة
-
كتاب مناقب الأنصار
-
كتاب المغازي
-
كتاب التفسير
-
كتاب فضائل القرآن
-
كتاب النكاح
-
كتاب الطلاق
-
كتاب النفقات
-
كتاب الأطعمة
-
كتاب العقيقة
-
كتاب الذبائح والصيد
-
كتاب الأضاحي
-
كتاب الأشربة
-
كتاب المرضى
-
كتاب الطب
-
كتاب اللباس
-
كتاب الأدب
-
كتاب الاستئذان
-
كتاب الدعوات
-
كتاب الرقاق
-
كتاب القدر
-
كتاب الأيمان والنذور
-
باب كفارات الأيمان
-
كتاب الفرائض
-
كتاب الحدود
-
كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة
-
كتاب الديات
-
كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم
-
كتاب الإكراه
-
كتاب الحيل
-
كتاب التعبير
-
كتاب الفتن
-
كتاب الأحكام
-
كتاب التمني
-
كتاب أخبار الآحاد
-
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
-
كتاب التوحيد
-
باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى
-
باب قول الله تبارك وتعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}
-
باب قول الله تعالى: أنا {الرزاق ذو القوة المتين}
-
قول الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا}
-
قول الله تعالى: {السلام المؤمن}
-
قول الله تعالى: {ملك الناس}
-
قول الله تعالى: {وهو العزيز الحكيم}
-
قول الله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق}
-
قول الله تعالى: {وكان الله سميعًا بصيرًا}
-
باب قول الله تعالى: {قل هو القادر}
-
مقلب القلوب
-
إن لله مائة اسم إلا واحدًا
-
السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها
-
باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله
-
قول الله تعالى: {ويحذركم الله نفسه}
-
قول الله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}
-
قول الله تعالى: {ولتصنع على عيني}
-
{هو الله الخالق البارئ المصور}
-
قول الله تعالى: {لما خلقت بيدي}
-
قول النبي: «لا شخص أغير من الله»
-
{قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}
-
باب: {وكان عرشه على الماء}
-
باب قول الله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه}
-
قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة}
-
باب ما جاء في قول الله تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين}
-
قول الله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا}
-
ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق
-
باب:{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين}
-
باب قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء}
-
قول الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي}
-
قول الله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء}
-
باب قول الله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}
-
باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة
-
باب قول الله تعالى: {أنزله بعلمه والملائكة يشهدون}
-
باب قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}
-
باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم
-
باب قوله: {وكلم الله موسى تكليمًا}
-
باب كلام الرب مع أهل الجنة
-
باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء والتضرع
-
باب قول الله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا}
-
باب قول الله تعالى {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم}
-
باب قول الله تعالى: {كل يوم هو في شأن}
-
باب قول الله تعالى: {لا تحرك به لسانك}
-
باب قول الله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به}
-
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رجل أتاه الله القرآن
-
باب قول الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}
-
باب قول الله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها}
-
باب: وسمى النبي الصلاة عملًا
-
باب قول الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعًا}
-
باب ذكر النبي وروايته عن ربه
-
باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها
-
باب قول النبي: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة»
-
باب قول الله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}
-
باب قول الله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر}
-
باب قول الله تعالى: {بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ}
-
باب قول الله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}
-
باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم
-
باب قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط}
-
باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى
░22▒ (باب) قوله تعالى: ({وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود:7]) أي: فوقه؛ أي: ما كان تحته خلق قبل خُلِق السَّماوات والأرض إلا الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السَّماوات والأرض.
وروى الحافظ محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب «صفة العرش» عن بعض السَّلف: أنَّ العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بُعْدُ ما بين قطريه ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة. /
وفي «المدارك»: إنَّ الله خلقَ ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماء، ثمَّ خلق ريحاً فأقرَّ الماء على متنه، ثمَّ وضع عرشه على الماء، وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبار لأهل الأفكار، وفي ذكر هذه القطعة من الآية تنبيهٌ على فائدة، وهي دفعُ توهُّم من قال: إنَّ العرش لم يزل مع الله تعالى مستدلِّين من قوله في الحديث: ((كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء)) وهذا مذهب باطلٌ، ولا يدلُّ قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود:7] أنَّه حالٌّ عليه، وإنَّما أخبر عن العرش خاصَّة أنَّه على الماء، ولم يُخبر عن نفسه أنَّه جعله للحلول تعالى الله عن ذلك؛ لأنه لم يكن له حاجة إليه، وإنَّما جعله ليتعبَّد به ملائكته كتعبُّد خلقه بالبيت الحرام، ولم يسمِّه بيته بمعنى أنَّه يسكنه، وإنَّما سماه بيته؛ لأنه هو الخالق له والمالك، وكذا العرش سمَّاه عرشه، لأنَّه مالكه، والله تعالى ليس لأوَّليته حدٌّ ولا منتهى، وقد كان في أوليته وحده ولا عرش معه.
({وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة:129]) روى ابن مردويه في «تفسيره» مرفوعاً: ((إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع عند الكرسي كحلقة مُلقاة بأرض فلاة، وإن فضلَ العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحَلْقة))، وفي ذكر هذه القطعة فائدة أيضاً وهي دفع توهُّم من قال: إنَّ العرش هو الخالق الصَّانع، وقوله: {رَبُّ الْعَرْشِ} يبطل هذا القول الفاسد؛ لأنه يدلُّ على أنَّه مربوبٌ مخلوق، والمخلوق كيف يكون خالقاً.
وقد اتَّفقت أقاويل أهل التَّفسير أنَّ العرش هو السَّرير، وأنَّه جسم ذو قوائم بدليل قوله صلعم : ((فإذا موسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش)) [خ¦2412]، وهذا صفة المخلوق لدَلالة قيام الحدث به من التَّأليف وغيره، وجاء عن عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» عن مَعمر، عن قتادة: ((عرشه من ياقوتة حمراء))، وقد تقدَّم.
(قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ) هو: رُفَيعُ بن مِهران الرِّياحي، سمع ابن عبَّاس ☻ ، وقال الكرماني: أبو العالية _بالمهملة والتحتانية_ كنية لتابعيَّين بصريَين راويَين عن ابن عبَّاس: أحدهما رُفَيع مصغَّر ضدُّ الخفض، واسم الآخر زياد بالتحتانية الخفيفة. انتهى. ولم يعيِّن أيُّهما قال في قوله تعالى:
({اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ارْتَفَعَ {فَسَوَّاهُنَّ} [البقرة:29]) أي: (خَلَقَهُنَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ، عن الحمويي والمستملي: <فسوَّى>؛ أي: خلق، وكذلك لم يعيِّن غيره من الشُّراح وأهملوا.
قال العيني: والظَّاهر أنه رُفَيع لشهرته أكثر من زياد، ولكثرة روايته عن ابن عبَّاس، والتَّعليق المذكور وصله الطَّبري عن محمَّد بن أبان: / أخبرنا أبو بكر بن عيَّاش، عن حسين، عن أبي العالية، والمنقول عن أبي العالية بلفظ: {فقضاهن} كما أخرجه الطَّبري من طريق أبي جعفر الرَّاوي عنه في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت:11] قال: ارتفع.
وفي قوله: {فَقَضَاهُنَّ} [فصلت:12] خلقهن، والذي وقع {فسواهنَّ} تغيير، وفي تفسير سوَّى بخلق نظر؛ لأن في التَّسوية قدراً زائداً على الخلق؛ كما في قوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى:2]. كذا قال الحافظ العسقلاني وتبعه العيني.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى ({اسْتَوَى}) على العرش؛ أي: (عَلاَ عَلَى الْعَرْشِ) وصله الفريابي عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيح عنه، قال ابن بطَّال: هذا هو الصَّحيح، وهو المذهب الحقُّ وقول أهل السنَّة؛ لأن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالعليِّ، وقال سبحانه وتعالى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف:190]. وهي صفةٌ من صفات الذَّات، وما قاله مجاهد من أنَّه بمعنى «علا» ارتضاه غيرُ واحد من أئمَّة أهل السنَّة، ودفعوا اعتراض من قال: إنَّ علا بمعنى ارتفع من غير فوق، وقد أبطلتموه لِمَا في ظاهره من الانتقال من سفل إلى علو، وهو محالٌ على الله تعالى فليكن علا كذلك.
ووجه الدَّفع أن الله تعالى وصف نفسه بالعلوِّ، ولم يصف نفسه بالارتفاع، وقالت المعتزلة: معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة؛ كما في قول الشَّاعر:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ
بمعنى قهر وغلب، وردَّ عليهم بأنَّه لا يُقال استولى إلا لمن لم يكن مستولياً ثمَّ استوى، والله ╡ لم يزل مستولياً ولم يزل قاهراً غالباً، وقوله: {ثم استوى} [البقرة:29] يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنه كان مغالباً فيه فاستوى عليه بقهر من غالبه، وهذا منتفٍ عن الله ╡.
وقالت المجسِّمة: معناه استقرَّ وهو فاسدٌ؛ لأن الاستقرار من صفات الأجسام، ويلزم منه الحلول والتَّناهي، وهو محال في حقِّ الله تعالى، واختلف أهل السنَّة فقال بعضُهم: بمعنى ارتفع، مثل قول أبي العالية، وبه قال أبو عبيدة والفرَّاء وغيرهما، وقد تقدَّم ما فيه.
وقال بعضهم: معناه مَلَك وقَدِرَ، وقال بعضهم: معناه علا، مثل قول مجاهد، وقيل: معنى الاستواء التمامُ والفراغ من فعل الشَّيء، ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص:14] فعلى هذا فمعنى استوى على العرش: أتمَّ الخلق، وخصَّ لفظ «العرش» لكونه أعظم المخلوقات، وقيل: إن «على» في قوله: {على العرش} [طه:5] بمعنى إلى، فالمراد على هذا: انتهى إلى العرش؛ أي: فيما يتعلَّق بالعرش؛ لأنه خلق الخلق شيئاً بعد شيءٍ، واختلف أهل السنَّة هل الاستواء صفة ذات أو صفة فعلٍ، فمن قال: معناه علا قال: هي صفةُ ذات، ومن قال غير ذلك قال: هي صفة فعل.
وعند أبي القاسم اللَّالكائي في كتاب «السنَّة» من طريق الحسن البصري عن أمِّه أمِّ سلمة ♦ أنَّها قالت: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحودُ به كفر، ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن أنَّه سُئل كيف استوى على العرش؟ / فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرِّسالة وعلى رسوله البلاغ وعلينا التَّسليم.
وأخرج البيهقي بسندٍ جيِّدٍ عن الأوزاعي، قال: كنَّا والتابعون متوافرون نقول: إنَّ الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنَّة من صفاته. وأخرج الثَّعلبي من وجهٍ آخر عن الأوزاعي أنَّه سُئل عن قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس:3] فقال: هو كما وصف نفسه. وأخرج البيهقي بسندٍ جيِّدٍ عن عبد الله بن وهب، قال: كنَّا عند مالك فدخل رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طـه:5] كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرُّحضاء، ثم رفع رأسه فقال: الرَّحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلَّا صاحب بدعة أخرجوه.
ومن طريق يحيى بن يحيى عن مالك نحو المنقول عن أمِّ سلمة ♦ لكن قال فيه: والإقرار به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعة.
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطَّيالسي قال: كان سفيان الثَّوري وشعبة وحمَّاد بن زيد وحمَّاد بن سلمة وشريك وأبو عَوَانة لا يحددون ولا يُشبِّهون، ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف. قال أبو داود: وهو قولنا. قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرنا.
وأسند اللالكائي عن محمَّد بن الحسن الشَّيباني: اتَّفق الفقهاء كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن، وبالأحاديث التي جاء بها الثِّقات عن رسول الله صلعم في صفة الرَّب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسَّر شيئاً منها وقال بقول جَهْمٍ فقد خرج عمَّا كان عليه النَّبي صلعم وأصحابه، وفارق الجماعة؛ لأنَّه وصف الرَّب بصفة لا شيء.
ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالكاً والثَّوري واللَّيث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصِّفة فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
وأخرج ابن أبي حاتم في «مناقب الشَّافعي» عن يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشَّافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسعُ أحداً ردَّها، ومن خالفَ بعد ثبوت الحجَّة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجَّة فإنه يُعذر بالجهلِ؛ لأن عِلْمَ ذلك لا يُدرك بالعقل ولا الرويَّة والفكر، فنثبتُ هذه الصِّفات وننفي عنها التَّشبيه، كما نفى عن نفسه فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11].
وأسند البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ عن أحمد بن أبي الحَوَاري، عن سفيان بن عيينة قال: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسُّكوت عنه، والآثار عن السَّلف فيه كثيرة، وهذه طريقة الشَّافعي / وأحمد بن حنبل.
وقال التِّرمذي في «الجامع» عقب حديث أبي هريرة ☺ في النُّزول: وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه، كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبهه من الصِّفات، وقال في باب «أفضل الصَّدقة»: قد ثبتت هذه الرِّوايات فنؤمنُ بها ولا نتوهَّم، ولا يقال كيف، كذا جاء عن مالك وابن عُيينة وابن المبارك أنَّهم أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنَّة والجماعة، وأمَّا الجهميَّة فأنكروها، وقالوا: هذا تشبيه، فقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التَّشبيه لو قيل يدٌ كيدٍ، وسَمْعٌ كسمعٍ.
وقال في تفسير المائدة: قال الأئمَّة: نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم الثَّوري ومالك وابن عُيينة وابن المبارك. وقال ابنُ عبد البر: أهل السنَّة مجمعون على الإقرار بهذه الصِّفات الواردة في الكتاب والسنَّة، ولم يُكيِّفوا شيئاً منها، وأمَّا الجهميَّة والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقرَّ بها فهو مشبِّه، فسمَّاهم من أقرَّ بها معطِّلة.
وقال إمامُ الحرمين في «الرسالة النظامية»: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظَّواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصحُّ من السنن، وذهب أئمَّة السَّلف إلى الانكفاف عن التَّأويل وإجراء الظَّواهر على مواردها وتفويضُ معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدةً إتباعُ سلف الأمَّة للدَّليل القاطع أنَّ إجماع الأمة حجَّة، فلو كان تأويل هذه الظَّواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوقَ اهتمامهم بفروع الشَّريعة، وإذا انصرمَ عصر الصَّحابة والتَّابعين على الإضراب عن التَّأويل كان ذلك هو الوجه المتَّبع. انتهى.
وقد تقدَّم النَّقل عن أهل العصر الثَّالث وهم فقهاء الأمصار كالثَّوري والأوزاعي ومالك واللَّيث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمَّة، فكيف لا يوثق بما اتَّفق عليه أهل القرون الثَّلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشَّريعة صلعم .
وقسم بعضهم أقوال النَّاس في هذا الباب إلى ستَّة أقوال: قولان لمن يُجريها على ظاهرها.
أحدهما: من يعتقد أنَّها من جنسِ صفات المخلوقين، وهم المشبِّهة، ويتفرَّع من قولهم عدَّة آراء.
والثَّاني: من ينفي عنها شُبه صفات المخلوقين؛ لأنَّ ذات الله لا تشبه الذَّوات، فصفاته لا تشبه الصِّفات، فإن صفات كلِّ موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته. /
وقولان لمن يُثبت كونها صفة، ولكن لا يجريها على ظاهرها:
أحدهما: يقول لا نؤول شيئاً منها، بل نقول الله أعلم بمراده.
والآخر: يؤول فيقول مثلاً: الاستواء: الاستيلاء، واليد: القدرة ونحو ذلك.
وقولان لمن لم يجزم بأنَّها صفة أحدهما يقول: يجوز أن تكون صفة، وظاهرها غيرُ مراد، ويجوز أن لا تكون صفة.
والآخر يقول: لا يُخاضُ في شيءٍ من هذا، بل يجب الإيمان به؛ لأنه من المتشابه الذي لا يُدرك معناه.
هذا والذي يُوثَق به من الأقوال القول الثَّالث فتذكَّر، وإنَّما أطلنا الكلام في هذا المرام لكونه من مزالقِ الأقدام.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ☻ في تفسير ({الْمَجِيدُ}) من قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج:15] (الْكَرِيمُ) والمجد: النِّهاية في الكرم.
ووجه مناسبته للتَّرجمة من حيث إنَّه لمَّا ذكر العرش ذكر بأنَّ الله وصفه بالمجيد في قوله ╡: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج:15]. وفسَّر {المجيد}: بالكريم.
ووصل هذا ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ☻ ، وقرئ ((ذي العرش)) صفة لربِّك، وقرئ: ({المجيدِ}) بالجر صفة للعرش، وبالرفع على أنَّه صفة لله تعالى، ومجدُ الله عظمته، ومجدُ العرش: علوه وعظمته.
({وَالْوَدُودُ}) أي: الواقع في قوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج:14] (الْحَبِيبُ) في «اللباب»: الودود مبالغةٌ في الودِّ. وقال الزَّمخشري: الودود الفاعل بأهلِ طاعته ما يفعله الودود مِن إعطاءهم ما أرادوا، وقال ابن عبَّاس ☻ : هو المتودِّد لعباده بالمغفرة.
وقال الحافظُ العسقلاني: وقدَّم المصنِّف {المجيد} على {الودود}؛ لأنَّ غرضه تفسير لفظ {المجيد} الواقع في قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج:15] فلمَّا فسَّره استطردَ لتفسير الاسم الذي قبله إشارة إلى أنَّه قرئ مرفوعاً اتِّفاقاً، وذو العرش بالرفع صفة له.
(يُقَالُ: حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ) أي: كان مجيداً على وزن فعيل أُخِذ (مِنْ مَاجِدٍ) و(مَحْمُودٌ) أُخذ (مِنْ حَمِيدٍ) وفي رواية الكشميهني: <من حَمِدَ> بغير ياء فعلاً ماضياً، كذا في الفرع، وقال الحافظ العسقلاني: كذا لهم بغير ياء، وفي رواية غير أبي ذرٍّ عن الكُشميهني: <محمود من حميد>. وأصل هذا قول أبي عبيدة في «المجاز» في قوله: {عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود:73] ؛ أي: محمود ماجد، وقال الكرماني: غرضه منه أنَّ {مجيد} فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، و{حميد} فعيل بمعنى مفعول، فلذلك قال: «مجيد من ماجد، وحميد من محمود»، قال: وفي بعض النُّسخ: <محمود من حميد>، وفي أخرى: / <محمود من حمد> مبنياً للفاعل والمفعول أيضاً، وإنَّما قال: كأنَّه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى: حامد، ومجيد بمعنى: ممجد، وفي الجملة في عبارة البخاري تعقيد. انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني: التَّعقيد هو في قوله: «محمود من حمد»، وقد اختلف الرُّواة فيه، والأولى فيه ما وجد في أصله، وهو كلام أبي عبيدة. انتهى.
وقال العيني: سبحان الله كيف يقول هذا القائل التَّعقيد في قوله: «محمود من حمد»، هو كلام من لم يذق من علم التَّصريف شيئاً، بل لفظ محمود مشتقٌّ من حمد، والتَّعقيد الذي ذكره الكرماني ونسبه إلى البخاري هو قوله: «ومحمود أخذ من حميد»؛ لأنَّ محموداً لم يُؤخذ من حميد، وإنَّما كلاهما أُخِذا من حَمِدَ الماضي. انتهى فافهم.
قال ابن المنُيِّر: جميع ما ذكره البخاري في هذا الباب يشتملُ على ذكر العرش إلا أثر ابن عبَّاس ☻ ، لكنه نبَّه به على لطيفة وهي أنَّ «المجيدِ» في الآية على قراءة الكسر ليس صفة للعرش حتَّى لا يتخيَّل أنَّه قديم، بل هي صفةٌ الله بدليل قراءة الرفع، وبدليل اقترانه بالودود، فيكون الكسر على المجاورة؛ لتجتمع القراءتان على معنى واحدٍ. انتهى.
ويؤيِّد أنها عند البخاري صفة الله تعالى ما أردفه به وهو قوله: يقال: «حميد مجيد... إلى آخره»، ويؤيِّده حديث أبي هريرة ☺ الذي أخرجه الدَّارقطني بلفظ: ((إذا قال العبد بسم الله الرَّحمن الرحيم قال الله تعالى: مجَّدني عبدي)) ذكره ابن التِّين، وقال: ويقال: المجدُ في كلام العرب الشَّرفُ الواسع، فالماجد من له آباء متقدِّمون في الشَّرف، وأمَّا الحسب والكرم فيكونان في الرَّجل، وإن لم يكن له آباء شرفاء، فالمجيد صيغة مبالغة من المجد، وهو الشَّرف القديم.
وقال الرَّاغب: المجد: السِّعة في الكرم والجلالة، وأصله قولهم: مجَّدتِ الإبلُ؛ أي: وقعت في مرعى كثير واسع، وأمجدها الرَّاعي، ووصف القرآن بالمجيد لِمَا يتضمَّن من المكارم الدُّنيوية والأخرويَّة. انتهى.
ومع ذلك كله فلا يمتنع وصف العرش بذلك لجلالتهِ وعظم قدره، كما أشار إليه الرَّاغب، ولذلك وُصِفَ بالكريم في سورة {قد أفلح} [المؤمنون:1]، وأمَّا تفسير الودود بالحبيب، فإنَّه يأتي بمعنى المحبُّ والمحبوب؛ لأنَّ أصل الودِّ: محبَّة الشَّيء.
قال الرَّاغب: الودود يتضمَّن ما دخل في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} [المائدة:54]. والله تعالى أعلم.
