نجاح القاري لصحيح البخاري

قول الله تعالى: {ملك الناس}

          ░6▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وسقط لفظ: «باب» في رواية غير أبي ذرٍّ (مَلِكِ النَّاسِ) فيه وجهان:
          أحدهما: أن يكون راجعاً إلى صفة ذاته وهي القدرة؛ لأنَّ المَلِك بمعنى القدرة.
          والآخر: أن يكون راجعاً إلى صفةِ فعل وذلك بمعنى القهر والصَّرف لهم عمَّا يريدونه إلى ما يريده. فقال البيهقيُّ: المَلِك والمالك هو الخاصُّ المَلك، ومعناه في حقِّ الله تعالى القادرُ على الإيجاد وهي صفةٌ يستحقها لذاتهِ. وقال الرَّاغب: المَلِك: المتَّصف بالأمر والنَّهي، وذلك يختصُّ بالنَّاطقين، ولهذا قال {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس:2] ولم يقل ملك الأشياء. قال: وأمَّا قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] فتقديره: الملك في يوم الدِّين؛ لقوله: {لمن الملك اليوم } [غافر:16]انتهى.
          ويحتمل أن يكون خصَّ النَّاس بالذكر في قوله: {مَلِكِ النَّاسِ} لأنَّ المخلوقات جماد ونامٍ، والنَّامي صامت وناطق، والنَّاطق متكلِّمٌ وغير متكلِّمٍ فأشرفُ الجميع المتكلِّم وهم ثلاثةٌ: الإنس، والجنُّ، والملائكة، وما عداهم جائز دخوله تحت قبضتهم وتصرُّفهم، وإذا كان المراد بالنَّاس في الآية المتكلِّم، فمن مَلَكُوه في مُلْك من مَلَكهم، فكان في حكم ما لو قال: مَلِكِ كلِّ شيءٍ مع التَّنويه بذكر الأشرف. وقيل: الملك معناه ذو الملك، وهو إذا كان عبارةً عن التَّصرُّف في الأشياء بالحقِّ والإبداع والأمانة والإحياء كان من أسماء الأفعال كالخالق.
          وعن بعض المحقِّقين: المَلِك الحقُّ هو الغنيُّ المطلق في ذاته وصفاته عن كلِّ ما سواه، ويحتاج إليه كلُّ ما سواه إمَّا بواسطةٍ، أو بغير واسطةٍ، فهو بتقديره متفرِّد وبتدبيره متوحِّدٌ ليس لأمره مردٌّ ولا لحكمه ردُّ، أمَّا العبد فإنَّه محتاجٌ في الوجود إلى الغير والاحتياج ممَّا ينافي المُلْك فلا يمكن أن يكون له ملك مطلق، والملك مختصٌّ عرفاً بمن يسوس ذوي العقول ويدبِّر أمورهم فلذلك يقال: مَلِك النَّاس، ولا يقال: ملك الأشياء.
          ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعرفَ بأنَّه هو المستغني على الإطلاق عن كلِّ شيءٍ وما عداه مفتقرٌ إليه في وجودهِ وبقائه مسخَّرٌ لحكمه وقضائه، فيستغني / عن النَّاس رأساً ولا يرجو ولا يخاف إلَّا إيَّاه ويتخلَّق به بالاستغناء عن الغير.
          وفي «الكشاف»: فإن قلت: هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرَّةً واحدةً؟ قلت: لأنَّ عطف البيان للبيان، فكان مظنَّةً للإظهار، فلهذا كرَّر لفظ «النَّاس» لأنَّ عطف البيان يحتاجُ إلى مزيدٍ الإظهار، ولأنَّ التَّكرير يقتضي مزيد شرفِ المكرَّر، وإنَّ النَّاس أشرفُ المخلوقات.
          وقال الإمام الفخر: وإنَّما بدأ بذكرِ الرَّبِّ وهو اسمٌ لمن قام بتدبيرهِ وإصلاحه من أوائلِ نعمه إلى أن ربَّاه وأعطاه العقلَ، فحينئذٍ عرف بالدَّليل أنَّه عبدٌ مملوكٌ وهو مالكٌ فثنَّى بذكرِ الملك، ولمَّا علم أنَّ العبادة لازمةً له، وعرف أنَّه معبودٌ مستحقٌّ لتلك العبادة [عرَّفه بأنه إله]، فلذا ختم به، وقال: إله النَّاس.
          (فِيهِ) أي: في هذا الباب (ابْنُ عُمَرَ) أي: حديثه (عَنِ النَّبِيِّ صلعم ) وقد وصله في «باب قوله قول الله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75]» الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر باباً بلفظ: ((إنَّ الله يقبضُ يوم القيامة الأرض، وتكون السَّماوات بيمينه ثمَّ يقول: أنا الملك)) [خ¦7412].