نجاح القاري لصحيح البخاري

{هو الله الخالق البارئ المصور}

          ░18▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24]) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وسقط لفظ: «{هو}» في رواية غيره، وفي رواية سقط لفظ: «الباب» وكذا في الفرع. قال الحافظ العسقلاني: كذا للأكثر والتِّلاوة: {هو الله الخالق البارئ}، وثبت كذلك في بعض النُّسخ من رواية كريمة.
          قال الطِّيبي: قيل: إنَّ الألفاظ الثَّلاثة مترادفةٌ، وهو وهمٌ فإنَّ الخالق من الخلق، وأصله: التَّقدير المستقيم ويطلق على الإبداع، وهو إيجاد الشَّيء على غير مثال، كقوله تعالى: {خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الشورى:29]. وعلى التَّكوين كقوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} [النحل:4].
          والبارئ من البرء، وأصله: خلوص الشَّيء عن غيره إمَّا على سبيل التَّفصِّي منه كقولهم: برئ فلانٌ من مرضه، والمديون من دينه، ومنه: استبرأت الجارية، وإمَّا على سبيل الإنشاء، ومنه: ((برأ الله النَّسمة)). وقيل: البارئ: الخالق البريء من التَّفاوت والتَّنافر المخلَّين بالنِّظام.
          والمصوِّر: مبدعُ صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة، فالله خالقُ كلِّ شيءٍ بمعنى أنَّه موجده من أصلٍ ومن غير أصل، وبارئه / بحسب ما اقتضتْه الحكمة من غير تفاوتٍ ولا اختلالٍ، ومصوِّره في صورة يترتَّب عليها خواصُّه ويتمُّ بها كماله، والثَّلاثة من صفات الفعل إلَّا إذا أريدَ بالخالق المقدَّر، فيكون من صفات الذَّات؛ لأنَّ مرجع التَّقدير إلى الإرادة، وعلى هذا فالتَّقدير يقع أوَّلاً ثمَّ الإحداث على الوجه المقدَّر يقعُ ثانياً ثمَّ التَّصوير بالتَّسوية يقع ثالثاً. انتهى.
          وقال الحَليمي: الخالق معناه الَّذي جعل المبدعات أصنافاً، وجعل لكلِّ صنفٍ منها قدراً، والبارئ معناه: الموجدُ لِمَا كان في معلومه، وإليه الإشارة بقوله {من قبل أن نبرأَها} [الحديد:22]. قال: ويحتمل أنَّ المراد به قالبُ الأعيان؛ لأنَّه أبدع الماء والتُّراب والنَّار والهواء لا من شيءٍ، ثمَّ خلق منها الأجسام المختلفة، والمصوِّر معناه المهيئ للأشياء على ما أراده من تشابهٍ وتخالفٍ.
          وقال الرَّاغب: ليس الخلق بمعنى الإبداع إلَّا لله، وإلى ذلك أشار بقوله: {أفمن يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل:17] وأمَّا الَّذي يوجِدُ بالاستحالة فقد وقع لغيره بتقديره سبحانه وتعالى مثل قوله لعيسى ◙: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} [المائدة:110].
          والخلق في حقِّ غير الله يقعُ بمعنى التَّقدير وبمعنى الكذب، والبارئ أخصُّ بوصف الله تعالى، والبريَّة: الخلق. قيل: أصله الهمز فهو من برأ، وقيل: أصله البريُّ، من بريتُ العودَ، وقيل: أصله من البَرَى _بالقصر_ وهو التَّراب، فيحتمل أن يكون معناه: موجد الخلق من البرى؛ أي: من التُّراب.
          والمصوِّر معناه المهيئ قال الله تعالى: {يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران:6] والصَّورة في الأصل ما يتميَّز به الشَّيء عن غيره، ومنه محسوس كصورة الإنسان والفرس، ومنه معقول كالَّذي اختصَّ به الإنسان من العقل والرُّؤية. وإلى كلٍّ منهما الإشارة بقوله تعالى: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف:11]، و{صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر:64]، {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران:6].
          وقال بعضُ أهل التَّحقيق: والخالق هنا المقدِّر والبارئ المنشئ المخترع، وقدَّم ذكر الخالق على البارئ؛ لأنَّ الإرادة مقدَّمة على تأثير القدرة وهو الإحداث على الوجه المقدَّر، ثمَّ التَّصوير فالتَّصوير مرتَّبٌ على الخلق والبرئ وتابعٌ لهما؛ لأنَّ إيجاد الذَّوات مقدَّمٌ على إيجاد الصِّفات، والخلَّاق مبالغةُ خالق، والخلق فعله، والخليقة جماعة المخلوقين، وقد يعبَّر عن المخلوقات بالخلق تجوُّزاً فمن عرف أنَّه الخالق فعليه أن يُنعمَ النَّظر في إتقان خلقهِ لتلوح له دَلائل حكمته في صنعه، فيعلم أنَّه خلقه من ترابٍ ثمَّ من نطفةٍ وركَّب أعضاءه ورتب أجزاءه فقسَّم تلك القطرة فجعل بعضها مخاً، وبعضها / عظماً وبعضها عروقاً وبعضها أنياباً وبعضها شحماً وبعضها لحماً وبعضها جلداً وبعضها شعراً، ثمَّ رتَّب كلَّ عضوٍ على ترتيبٍ يخالف مجاوره ثمَّ مدَّ من تلك القطرة معاني صفات المخلوقين وأسمائهم وأخلاقهم من علم وقدرةٍ وإرادة وحلم وكرمٍ ونحو ذلك وأضداده، فتبارك الله أحسن الخالقين.
          وأمَّا البارئ فقالوا: معناه الخالق، برأ الله الخلق يبرأ برءاً وبراءً؛ أي: خلقهم وقد جاء الرِّوايات بتعدادِ الأسماء، وذُكِرَ الاسمان معاً في العدد فلو كان مفهومهما واحداً لاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر، فلابدَّ من فارق يفرق بينهما وإن تقاربت الأشباه، فالإيجاد والإبداع اسمٌ عامٌّ لما تناوله معنى الإيجاد، ومعنى الإيجاد: إخراج ذات المكونَّ من العدم إلى الوجود، واسم الخلقِ يتناول جميع الموادِّ الظَّاهرة للمصنوعِ الظَّاهر، وهذا حدٌّ خاصٌّ في الخلق، واسم البُرء يتناول إيجادَ البواطن من باطن ما خلق منه ذوات المقادير وهي الأجسامُ، وجعل الذَّوات ذواتاً في الكون محمولةً في الأجسام محجوبةً في الهياكل.
          وأمَّا المصوِّر: فهو مبدعُ صورِ المخلوقات على وجوهٍ يتميَّز بها عن غيرها من تقديرٍ وتخليطٍ واختصاصٍ بشكلٍ ونحو ذلك كما مرَّ أيضاً، فالله خالقُ كلِّ شيءٍ وبارئه ومصوِّره.