نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا}

          ░40▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} [البقرة:22]) غرض البخاريِّ في هذا الباب: إثبات نسبة الأفعال كلِّها إلى الله سواءٌ كانت من المخلوقين خيراً أو شرًّا؛ فهي لله خلقاً، وللعبد كسباً، ولا ينسب شيءٌ من الخلق إلى غير الله تعالى، فيكون شريكاً وندًّا مساوياً له في نسبة الفعل إليه. وقد نبَّه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرِّحة بنفي الأنداد والآلهة المدعوَّة معه، فتضمنت الرَّدَّ على من يزعم أنَّه يخلق أفعاله. والمعنى: اعبدوا الله فلا تجعلوا لله أنداداً؛ لأنَّ أصلَ العبادة وأساسها التَّوحيد، وأن لا يُجعَل لله ندٌ ولا شريك.
          والنِّدُّ _بكسر النون وتشديد الدال_، ويقال له: النَّديد أيضاً، وهو نظيرُ الشَّيء الَّذي يعارضه في أموره، ولا يقال إلَّا للمِثْل المخالف المناوئ. وقيل: نِدُّ الشَّيء مَنْ يشاركه في جوهره، فهو ضرب من المثل، لكن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل نِدٍّ مِثْلٌ من غير عكس.
          وقال الكرماني: التَّرجمة مشعرةٌ بأنَّ المقصود من الباب إثبات نفي الشَّريك عن الله تعالى، فكان المناسب ذكره في أوائل «كتاب التوحيد». وأجاب: بأنَّ المقصود ليس ذلك، بل هو بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى. وفيه: ردُّ على الجهميَّة حيث قالوا: لا قدرة للعبد أصلاً. وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله تعالى فيها إذ المذهب الحقُّ أن لا جَبْر ولا قدر، ولكن أمرٌ بين أمرين؛ / أي: بخلق الله وكسب العبد، وهو قول الأشعريَّة. قيل: لا يخلو أن تكون أفعال العباد بقدرتهِ أم لا؛ إذ لا واسطة بين النَّفي والإثبات، فإن كانت بقدرته فهو القدر الَّذي هو مذهبُ المعتزلة، وإن لم يكن بها فهو الجبر المحضُّ الَّذي هو مذهب الجهميَّة.
          وأُجيب: بأنَّ للعبد قدرةٌ فلا جبر، وبها يُفرَّق بين النَّازل من المنارة والسَّاقط منها، ولكن لا تأثير لها، بل الفعل واقع بقدرة الله، وتأثير قدرته فيه بعد تأثير قدرة العبد عليه، وهذا هو المسمَّى بالكسب، فقيل: القدرة صفةٌ تؤثِّر على وفق الإرادة، فإذا نفيتَ التَّأثير عنها فقد نفيت القدرة؛ لانتفاء الملزوم عند انتفاء لازمهِ.
          وأُجيب: بأنَّ هذا التَّعريف غير جامعٍ لخروج القدرة الحادثة عنه، بل التَّعريف الجامع لها: صفة يترتَّب عليها الفعل أو الترك.
          (وَقَوْلِهِ) جلَّ ذكره ({وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً} [فصلت:9]) شركاء وأشباهاً ({ذَلِكَ}) الَّذي خلق ما سبق ({رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت:9]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع (وَقَوْلِهِ) ╡: ({وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} [الفرقان:68]) أي: لا يشركون ({وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}) من الأنبياء ‰ ({لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}) وَحَّد «أشركتَ»، والموحى إليهم جماعة؛ لأنَّ المعنى أُوحي إليك: لئن أشركت ليحبطنَّ عملك وإلى الَّذين من قبلك مثله. واللام الأولى موطِّئة للقسم المحذوف، والثانية لام الجواب، وهذا الجواب سادٌّ مسدَّ الجوابين؛ أعني: جوابي القسم والشرط. وإنَّما صحَّ هذا الكلام مع علمه تعالى بأنَّ رسله لا يشركون؛ لأنَّ الخطاب للنَّبي صلعم ، والمراد به غيره، أو لأنَّه على سبيل الفرض، والمحالات يصحُّ فرضها، والغرض: تشديد الوعيد على من أشرك، وأنَّ للإنسان عملاً يُثاب عليه إذا سَلِم من الشِّرك، ويَبْطُل ثوابه إذا أشرك.
          ({بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ}) ردٌّ لِمَا أَمروه به من عبادة آلهتهم ({وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر:65-66]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله: «{وَلَتَكُونَنَّ} إلى آخره»، في رواية أبي ذرٍّ، وقال: <إلى قوله: {بل اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}>، وفي روايةٍ: <إلى: {الشَّاكِرِينَ}>.
          (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) هو مولى ابن عبَّاس ☻ : ({وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106]) وصله الطبري، عن هنَّاد بن السَّري عن أبي الأحوص عن سِمَاك بن حرب عن عكرمة، فذكروا؛ يعني: إذا سُئلوا عن الله وعن صفته وصفوه بغير صفته، وجعلوا له ولداً وأشركوا به.
          ({وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ}) وفي رواية الأَصيليِّ: <تسألهم>، وفي رواية أبي ذرٍّ: <وقال لئن سألتهم> ({مَنْ خَلَقَهُمْ} [الزخرف:87] وَ{مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:9]) بتشديد النون، وفي رواية / أبي ذرٍّ والأَصيلي: <فيقولونْ> بالتخفيف وزيادة الواو والفاء بدل اللام.
          (فَذَلِكَ) القول (إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ) _تعالى_ من الأصنام ونحوها (وَمَا ذُكِرَ) عطف على مدخول الباب؛ أي: وباب ما ذكر (فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني: <أعمال العباد> (وَأَكْسَابِهِمْ) ويُروى: <واكتسابهم> من باب الافتعال؛ يعني: أنَّ الخلقَ لله والكسبَ للعباد (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}) أي: أحدث كلَّ شيءٍ وحده ({فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2]) أي: فهيَّأه لِمَا يصلح له بلا خللٍ فيه، وهو يدلُّ على أنَّ الله تعالى خلقَ الأعمال من وجهين:
          أحدهما: أنَّ قوله تعالى: {كُلَّ شَيْءٍ} يتناول جميع الأشياء؛ لأنَّ لفظة: ((كل)) إذا أضيف إلى نكرةٍ تقتضي عموم الأفراد، ومن جملتها أفعال العباد.
          وثانيها: أنَّه تعالى نفى الشَّريك، فكأنَّ قائلاً قال: هنا أقوامٌ مُقرِّون بنفي الشُّركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم، ولا شُبْهة فيها لمن يقول: الله شيءٌ، ولا لمن يقول: بخلق القرآن؛ لأنَّ الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله.
          (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: ({مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الحجر:8]) بالنون وبنصب «الملائكة»؛ أي: (بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ) فهو استشهادٌ لكون نزول الملائكة بخلق الله تعالى، وبالتاء المفتوحة والرفع؛ لكون نزولهم بكسبهم، وصله الفريابي، عن ورقاء عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد ({لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزاب:8]) أي: (الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ) بكسر اللام والدال المشددتين فيهما (مِنَ الرُّسُلِ) أي: الأنبياء المبلِّغين المؤدِّين للرِّسالة عن تبليغهم، والتَّفسير بهم إنَّما هو بقرينة السَّابق عليه، وهو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب:7].
          وهو لبيان الكسب حيث أسند الصِّدق إليهم والميثاق، وهو أيضاً من قوله مجاهد، وصله الفريابي بالسَّند المذكور.
          ({وَإِنَّا لَهُ لحَافِظُونَ} [الحجر:9]) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت: <لحافظون عندنا>، وهو أيضاً من قول مجاهدٍ، وصله الفريابي بالسَّند المذكور ({وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر:33]) هو (الْقُرْآنُ {وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر:33]) هو (الْمُؤْمِنُ، يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وصله الطَّبري من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: {الذي جاء بالصدق وصدق به} هم أهل القرآن يجيئون يوم القيامة يقولون: هذا الَّذي أعطيتمونا عملنا بما فيه. وعن عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس ☻ : {الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر:33] رسولُ الله صلعم بلا إله إلا الله.
          وعن عليِّ بن أبي طالبٍ ☺: / {الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} محمَّدٌ صلعم ، والَّذي {صَدَّقَ بِهِ} أبو بكر ☺.
          وهو أيضاً للكسب إذا أُضيف التَّصديقُ إلى المؤمن لاسيما وأضافَ العمل أيضاً إلى نفسه حيث قال: عملتُ. والكسب له جهتان، فأثبتهما بالآيات، وقد اجتمعا في كثيرٍ من الآيات، ومنه قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة:15].