-
المقدمة
-
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
كتاب الإيمان
-
كتاب العلم
-
كتاب الوضوء
-
كتاب الغسل
-
كتاب الحيض
-
كتاب التيمم
-
كتاب الصلاة
-
أبواب سترة المصلي
-
كتاب مواقيت الصلاة
-
كتاب الأذان
-
أبواب الجماعة والإمامة
-
كتاب الجمعة
-
أبواب صلاة الخوف
-
كتاب العيدين
-
كتاب الوتر
-
كتاب الاستسقاء
-
كتاب الكسوف
-
أبواب سجود القرآن
-
أبواب تقصير الصلاة
-
أبواب التهجد
-
كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
-
أبواب العمل في الصلاة
-
أبواب السهو
-
كتاب الجنائز
-
كتاب الزكاة
-
أبواب صدقة الفطر
-
كتاب الحج
-
أبواب العمرة
-
أبواب المحصر
-
كتاب جزاء الصيد
-
أبواب فضائل المدينة
-
كتاب الصوم
-
كتاب صلاة التراويح
-
أبواب الاعتكاف
-
كتاب البيوع
-
كتاب السلم
-
كتاب الشفعة
-
كتاب الإجارة
-
كتاب الحوالة
-
كتاب الكفالة
-
كتاب الوكالة
-
كتاب المزارعة
-
كتاب المساقاة
-
كتاب الاستقراض
-
كتاب الخصومات
-
كتاب في اللقطة
-
كتاب المظالم
-
كتاب الشركة
-
كتاب الرهن
-
كتاب العتق
-
كتاب المكاتب
-
كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها
-
كتاب الشهادات
-
كتاب الصلح
-
كتاب الشروط
-
كتاب الوصايا
-
كتاب الجهاد والسير
-
كتاب فرض الخمس
-
كتاب الجزية والموادعة
-
كتاب بدء الخلق
-
كتاب أحاديث الأنبياء
-
كتاب المناقب
-
كتاب فضائل الصحابة
-
كتاب مناقب الأنصار
-
كتاب المغازي
-
كتاب التفسير
-
كتاب فضائل القرآن
-
كتاب النكاح
-
كتاب الطلاق
-
كتاب النفقات
-
كتاب الأطعمة
-
كتاب العقيقة
-
كتاب الذبائح والصيد
-
كتاب الأضاحي
-
كتاب الأشربة
-
كتاب المرضى
-
كتاب الطب
-
كتاب اللباس
-
كتاب الأدب
-
كتاب الاستئذان
-
كتاب الدعوات
-
كتاب الرقاق
-
كتاب القدر
-
كتاب الأيمان والنذور
-
باب كفارات الأيمان
-
كتاب الفرائض
-
كتاب الحدود
-
كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة
-
كتاب الديات
-
كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم
-
كتاب الإكراه
-
كتاب الحيل
-
كتاب التعبير
-
كتاب الفتن
-
كتاب الأحكام
-
كتاب التمني
-
كتاب أخبار الآحاد
-
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
-
كتاب التوحيد
-
باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى
-
باب قول الله تبارك وتعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}
-
باب قول الله تعالى: أنا {الرزاق ذو القوة المتين}
-
قول الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا}
-
قول الله تعالى: {السلام المؤمن}
-
قول الله تعالى: {ملك الناس}
-
قول الله تعالى: {وهو العزيز الحكيم}
-
قول الله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق}
-
قول الله تعالى: {وكان الله سميعًا بصيرًا}
-
باب قول الله تعالى: {قل هو القادر}
-
مقلب القلوب
-
إن لله مائة اسم إلا واحدًا
-
السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها
-
باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله
-
قول الله تعالى: {ويحذركم الله نفسه}
-
قول الله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}
-
قول الله تعالى: {ولتصنع على عيني}
-
{هو الله الخالق البارئ المصور}
-
قول الله تعالى: {لما خلقت بيدي}
-
قول النبي: «لا شخص أغير من الله»
-
{قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}
-
باب: {وكان عرشه على الماء}
-
باب قول الله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه}
-
قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة}
-
باب ما جاء في قول الله تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين}
-
قول الله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا}
-
ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق
-
باب:{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين}
-
باب قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء}
-
قول الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي}
-
قول الله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء}
-
باب قول الله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}
-
باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة
-
باب قول الله تعالى: {أنزله بعلمه والملائكة يشهدون}
-
باب قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}
-
باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم
-
باب قوله: {وكلم الله موسى تكليمًا}
-
باب كلام الرب مع أهل الجنة
-
باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء والتضرع
-
باب قول الله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا}
-
باب قول الله تعالى {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم}
-
باب قول الله تعالى: {كل يوم هو في شأن}
-
باب قول الله تعالى: {لا تحرك به لسانك}
-
باب قول الله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به}
-
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رجل أتاه الله القرآن
-
باب قول الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}
-
باب قول الله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها}
-
باب: وسمى النبي الصلاة عملًا
-
باب قول الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعًا}
-
باب ذكر النبي وروايته عن ربه
-
باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها
-
باب قول النبي: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة»
-
باب قول الله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}
-
باب قول الله تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر}
-
باب قول الله تعالى: {بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ}
-
باب قول الله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}
-
باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم
-
باب قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط}
-
باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى
░56▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ}) أي: أتعبدون من الأصنام ما تنحتونها وتجعلونها بأيديكُم {والله خلقكم} ({وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96]) أي: وخلق الَّذي تعملونه على حذف الضَّمير، ورجَّح كونها (1) موصولةً بمعنى الَّذي بما قبلها، وهو قوله تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات:95] توبيخاً لهم على عبادة ما عملوه بأيديهم من الأصنام، ويحتمل أن تكون مصدريَّة؛ أي: عملكم، وهو التَّصوير والنَّحت كعمل الصَّائغ السِّوار، فجوهرها بخلق الله، وتصوير أشكالها وإن كان من عملهم فبخلقه تعالى أقدارهم على ذلك، وهو الَّذي اختاره سيبويه؛ لاستغنائها عن الحذف والإضمار، وقيل: إنَّها استفهاميَّة منصوبة المحلِّ بقوله: {تعملون} استفهامُ توبيخٍ وتحقيرٍ لشأنها. وقيل: نكرةٌ موصوفةٌ حكمها [حكم] الموصوف. وقيل: نافيةٌ؛ أي: إنَّ العملَ في الحقيقة ليس لكم، فأنتم لا تعلمون ذلك، لكنَّ الله خالقه، وذهب أكثرُ أهل السُّنَّة إلى أنَّها مصدريَّة.
وقالت المعتزلةُ: إنَّها موصولةٌ محاولةً لمعتقدهم الفاسد، وقالوا: التَّقدير: أتعبدون حجارةً تنحتونها، والله خلقكم وخلق تلك الحجارة التي تعملونها.
قال السُّهيلي في «نتائج الفكر»: ولا يصحُّ ذلك من جهة النَّحو؛ إذ «ما» لا تكون مع الفعل الخاصِّ إلَّا مصدرية، فعلى هذا؛ فالآية تردُّ مذهبهم وتُفسد قولهم، والنَّظم على قول أهل السُّنَّة أبدع. فإن قيل: قد تقول: عملتُ الصَّحفة، وصنعت الجفنة، وكذا يصحُّ عملتُ الصَّنم.
قلنا: لا يتعيَّن ذلك إلَّا بالصُّورة التي هي التَّأليف والتَّركيب، وهي الفعلُ الَّذي هو الأحداث دون الجواهر بالاتِّفاق، ولأنَّ الآيةَ وردت في إثبات استحقاقِ الخالق العبادة؛ لانفرادهِ بالخلق، وإقامة الحجَّة على من يَعبُد ما لا يخلق وهم يخلقون، فقال: أتعبدون ما لا يخلق، وتدعون عبادة من خلقكُم وخلق أعمالكم التي تعملون.
ولو كان كما زعموا لَـمَا قامت الحجَّة من هذا الكلام؛ لأنَّه لو جعلهم خالقين لأعمالهم وهو خالقُ الأجناس؛ لشركهم معه في الخلق، تعالى الله عن إفكهم.
وقال البيهقي في كتاب «الاعتقاد»: قال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر:62]، فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشَّرِّ. وقال تعالى: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد:16].
فنفى أن يكون خالقٌ غيره، ونفى أن يكون شيء / سواه غير مخلوقٍ، فلو كانت الأفعال غير مخلوقةٍ له؛ لكان خالقَ بعضِ شيءٍ، وهو بخلاف الآية.
ومن المعلوم: أنَّ الأفعال أكثر من الأعيان، فلو كان الله خالقُ الأعيان، والنَّاس خالقي الأفعال؛ لكان مخلوقات النَّاس أكثر من مخلوقات الله، تعالى الله عن ذلك. وقال الشَّمس الأصبهاني في «تفسيره» قوله: {وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96]؛ أي: عملكم، وفيها دليلٌ على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى، وأنَّها مكتسبةٌ للعباد حيث أثبت لهم عملاً، فأبطلت هذه الآية مذهب القدريَّة والجبريَّة معاً.
وقد رجَّح بعض العلماء كونها مصدريَّةً؛ لأنَّهم لم يعبدوا الأصنام إلَّا لعملهم، لا لجرم الصَّنم، وإلَّا لكانوا يعبدونه قبل النَّحت، فكأنَّهم عبدوا العمل، فأَنكر عليهم عبادة الأصنام النُّحوت (2) التي لم تنفك عن عمل المخلوق.
وقال الشَّيخ تقي الدِّين بن تيميَّة: سلمنا أنَّها موصولةٌ، لكنَّا لا نسلِّم أنَّ للمعتزلة فيها حجَّة؛ لأنَّ قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ} [الصافات:96] يدخل فيه ذاتهم وصفاتهم.
وعلى هذا إذا كان خلقكُم وخلق الَّذي تعملونه إن كان المراد خلقه لها قبل النَّحت؛ لزم أن يكون المعمول غير المخلوق، وهو المرادُ، فثبت أنَّ المراد خَلْقُه لها قبل النَّحت وبعده، وأنَّ الله خلقها بما فيها من التَّصوير والنَّحت، فثبت أنَّه خالقُ ما تولَّد من فعلهم، ففي الآيةِ دليلٌ على أنَّه تعالى خلق أفعالهم القائمة بهم، وخلق ما تولَّد عنها.
وقال الحافظ عمَّاد الدين ابن كثير: كلُّ من قولَيْ المصدر والموصول متلازمٌ، والأظهرُ: ترجيحُ المصدريَّة؛ لِمَا رواه البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» من حديث حذيفة ☺ مرفوعاً: ((إنَّ الله يصنعُ كلَّ صانعٍ وصنعته)). وأقوال الأئمَّة في هذه المسألة كثيرةٌ.
والحاصل: أنَّ العمل يكون مسنداً إلى العبد من حيث إنَّ له قدرةً عليه، وهو المسمَّى بالكسب، ومسنداً إلى الله تعالى من حيث إنَّ وجوده بتأثيره، فله جهتان: بإحداهما يَنفي الجبر، وبالأخرى يَنفي القدر.
وإسناده إلى الله حقيقة، وإلى العبد عادة، وهي صفة يترتَّب عليها الأمر والنَّهي، والفعل والترك، فكلُّ ما أُسند من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو بالنَّظر إلى تأثير القدرة، ويقال له: الخلق، وما أُسند إلى العبد إنَّما يحصل بتقدير الله تعالى، ويقال له: الكسب، وعليه يقعُ المدح والذَّمُّ، كما يُذمُّ المشوَّه الوجه، ويُحمد الجميل الصُّورة.
وأمَّا الثَّواب والعقاب؛ فهو علامةٌ، والعبد إنما هو ملكُ اللهِ يفعلُ فيه ما يشاء، والله تعالى أعلم.
({إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]) / قال العيني: الظَّاهر: أنَّه سقط منه: ((وقوله تعالى)).
قال الكرمانيُّ: التقدير: خلقنا كلَّ شيءٍ بقدرٍ، فيستفادُ منه: أن يكون الله خالقُ كلِّ شيءٍ. قيل: والمعنى: خلقنا كلَّ شيءٍ مقدَّراً مرتَّباً على مقتضى الحكمة، أو مقدَّراً مكتوباً في اللَّوح المحفوظ، معلوماً قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه، و{كلَّ شيءٍ} منصوبٌ على الاشتغال، كما قدَّره الكرماني. وقرأ أبو السِّماك: بالرفع، ورجَّح الناسُ: النصبَ، بل أوجبَه ابنُ الحاجب حذراً من لبس المفسَّر بالصِّفة؛ لأنَّ الرَّفع يُوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السُّنَّة، وذلك لأنَّه إذا رُفِع كان مبتدأ، و«خلقناه» صفة لـ«كل»، أو شيءٍ، و«بقدر» خبره.
وحينئذٍ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمِّله، فيلزم أن يكون الشَّيء الَّذي ليس مخلوقاً لله لا بقدر.
وقال أبو البقاء: وإنَّما كان النَّصب أولى؛ لدَلالته على عمومِ الخلق، والرفُع لا يدلُّ على عمومهِ، بل يفيد أنَّ كلَّ شيءٍ مخلوقٌ فهو بقدر. انتهى.
وإنَّما دلَّ النَّصب في «كلٍّ» على عمومهِ؛ لأنَّ التَّقدير: إنَّا خلقنا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدرٍ، «فخلقناه» تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لـ:«كل»، وإذا حذفته وأظهرت الأوَّل صار التقدير: إنا خلقنا كلَّ شيء بقدرٍ، فهذا لفظ عام يعمُّ جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون «خلقناه» صفة لـ«شيءٍ»؛ لأنَّ الصِّفة والصلة لا تعملان فيما قبل الموصوف ولا الموصول، ولا تكونان تفسيراً لِمَا يَعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبقَ «خلقناه» صفة لم يبقَ إلَّا تأكيد وتفسير للمضمر المناسب الناصب، وذلك يدلُّ على العموم.
وقد نازع الرضيُّ ابنَ الحاجب في قوله السَّابق، فقال: المعنى في الآية: لا يتفاوت بجعل الفعل خبراً أو صفة، وذلك لأنَّ مرادَ الله تعالى «بكلِّ شيءٍ» كلُّ مخلوقٍ، نصبت «كل» أو رفعته، سواء جعلت «خلقناه» صفة «كلٍّ» مع الرفع، أو خبراً عنه، وذلك أنَّ قوله: خلقنا كلَّ شيءٍ بقدر لا تريدُ به خلقنا كلَّ ما يقع عليه اسم شيء؛ لأنَّه تعالى لم يخلق الممكنات الغير المتناهية، ويقعُ على كلِّ واحدٍ منها اسم شيءٍ، فكلُّ شيءٍ في هذه الآية ليس كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:284]؛ لأنَّ معناه: أنَّه قادرٌ على كلِّ ممكنٍ غير متناهٍ.
فإذا تقرَّر هذا قلنا: إنَّ معنى «كلَّ شيءٍ خلقناه بقدر» على أنَّ «خلقناه» هو الخبر كلُّ مخلوقٍ مخلوقٌ بقدر، وعلى أنَّ «خلقناه» صفة كلِّ شيءٍ مخلوق كائنٍ بقدر، والمعنيان واحدٌ؛ إذ لفظ «كلِّ شيءٍ» في الآية مختصٌّ بالمخلوقات، سواءٌ كان «خلقناه» صفة له أو خبراً، وليس مع التَّقدير الأوَّل أعمَّ منه مع التَّقدير الثَّاني، كما في مثالنا.
(وَيُقَالُ) بضم أوله (لِلْمُصَوِّرِينَ) / يوم القيامة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني: <ويقول> أي: الله أو الملَك بأمره تعالى: (أَحْيُوا) بفتح الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ) أسند الخلق إليهم على سبيلِ الاستهزاء والتَّعجيز والتَّشبيه في الصُّورة فقط. وقال ابن بطَّال: إنَّما نسبَ خلقها إليهم تقريعاً لهم؛ لمضاهاتهم اللهَ تعالى في خلقه، فبكتَهُم بأن قال: إذا شابهتُم بما صوَّرتُم مخلوقات الله تعالى، فأحيوهَا كما أحيا هو ╡ ما خلقَ.
وقال الكرمانيُّ: أسندَ الخلق إليهم صريحاً، وهو خلافُ التَّرجمة، لكن المراد كسبُهم، فأطلقَ لفظ الخلق عليه استهزاء، أو على أنَّ معنى «خلقتُم» صوَّرتم تشبيهاً بالخلق، أو أطلق بناء على زعمهم.
({إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف:54]) أي: في ستَّة أوقاتٍ، أو مقدار ستَّة أيام، فإنَّ اليوم المتعارف زمان طلوع الشَّمس إلى غروبها، ولم يكن حينئذٍ، وفي خلق الأشياء تدريجاً مع القدرة على إيجادها دفعة دليلٌ على الاختيار، واعتبارٌ للنظَّار، وحثٌّ على التَّأنِّي في الأمور.
({ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]) الاستواء: افتعالٌ من السَّواء، والسَّواء: يكون بمعنى العدل والوسط، وبمعنى الإقبال، كما نقله الهروي عن الفرَّاء، وتبعه ابن عرفة. وبمعنى الاستيلاء، وأنكره ابن الأعرابي، وقال: العرب لا تقول: استولى إلَّا لمن له مصادر. وفيما قاله نظرٌ؛ فإنَّ الاستيلاء من الولي، وهو القرب، أو من الولاية، وكلاهما لا يفتقرُ في إطلاقه لمصادر(3) . وبمعنى اعتدل، وبمعنى علا، وإذا عُلم هذا؛ فينزَّل ذلك على الاستواء المناسب للباري تعالى على الوجه اللَّائق به.
وقد ثبت: أنَّ الإمام مالك سئل كيف استوى؟ فقال: كيف غير معقولٍ، والاستواء غير مجهولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعة.
فقوله: «كيف غير معقول»؛ أي: «كيف» من صفات الحوادث، وكلُّ ما كان من صفات الحوادث، فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل، فيُجزَمُ بنفيه عن الله تعالى.
وقوله: «والاستواء غير مجهولٍ»؛ أي: أنَّه معلومُ المعنى عند أهل اللُّغة، والإيمان به على الوجه اللَّائق به تعالى واجبٌ؛ لأنَّه من الإيمان به تعالى وبكتبه.
و«السُّؤال عنه بدعةٌ»: أي: حادثٌ؛ لأنَّ الصَّحابة ♥ كانوا عالمين بمعناه اللائق بحسب اللُّغة، فلم يحتاجوا للسُّؤال عنه، فلمَّا جاء من لم يُحطْ بأوضاع لغتهم، ولا له نورٌ كنورهم يهديه لنور صفات الله تعالى شرع يسأل عن ذلك، فكان سؤاله سبباً لاشتباهه على النَّاس، وتعيَّن على العلماء حينئذٍ أن يهملوا البيان.
وقد مرَّ أن استوى: افتعل، وأصله: العدل، / وحقيقة الاستواء المنسوب لله تعالى في كتابه بمعنى اعتدل؛ أي: قام بالعدل، وأصله من قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} إلى قوله: {قَائِماً بِالْقِسْطِ} [آل عمران:18]. والعدل: هو استواؤه، ويرجع معناه: إلى أنَّه أعطى بقوته كلَّ شيءٍ خَلْقه موزوناً بحكمته البالغة في التَّعريف لخلقه بوحدانيَّته، ولذلك قرنه بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18].
والاستواء المذكور في القرآن استواءان: سماويٌّ وعرشيٌّ، فالأوَّل معدَّى «بإلى»، قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت:11]. والثَّاني «بعلى»؛ لأنَّه تعالى قام بالقسط متعرِّفاً بوحدانيَّته في عالَمَين، عالم الخلق، وعالم الأمر وهو عالم التَّدبير، فكان استواؤه على العرش للتَّدبير بعد انتهاء عالم الخلق.
وبهذا يفهم سرَّ الاستواء العرشي المعدَّى «بعلى»؛ لأنَّ التَّدبير للأمر لابدَّ فيه من استعلاءٍ واستيلاءٍ، والعرشُ جسم كسائر الأجسام، سُمِّي به لارتفاعه، أو للتَّشبيه بسرير الملك؛ لأنَّ الأمور والتَّدابير تنزل منه.
({يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف:54]) يغطِّيه، ولم يذكر عكسه للعلم به ({يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}) يَعْقُبه سريعاً كالطالب له لا يَفْصِلُ بينهما بشيءٍ، والحثيث: فعيل من الحثِّ، وهو صفةُ مصدر محذوف، أو حال من الفاعل، أو المفعول بمعنى محثوثاً ({وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}) أي: بقضائه وتصريفه، ونصبها بالعطف على «السَّماوات»، ونصب «مسخرات» على الحال ({أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]) فإنَّه الموُجِد والمتصرِّف، فيخصُّ به قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16].
({تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54]) تعالى بالوحدانيَّة في الألوهيَّة، وتعظَّم بالتفرُّد في الرُّبوبيَّة، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}... إلى آخر الآية»، وقال بعد قوله: {وَالْأَرْضِ}: <إلى: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}>.
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (بَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ) أي: فرَّق بينهما (بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]) حيث عطف أحدهما على الآخر، وهذا الأثرُ وصله ابنُ أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» من طريق بشَّار بن موسى، قال: ((كنَّا عند سفيان بن عُيينة فقال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54])) فالخلق هو المخلوقات، والأمرُ هو الكلام، فالأوَّل حادثٌ، والثَّاني قديمٌ.
وقال الرَّاغب: الأمر: لفظٌ عامٌّ للأفعال والأقوال كلِّها، ومنه قوله ╡: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود:123]، ويقال للإبداع: أمرٌ نحو قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54].
وقيل: المراد بالخلقِ في الآية: الدُّنيا وما فيها، وبالأمر: الآخرة / وما فيها كقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل:1]. وفي قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54] أنَّ لا خلق لغيره تعالى حيث حصرَ على ذاته تعالى بتقديم الخبر على المبتدأ.
(وَسَمَّى النَّبِيُّ صلعم الإِيمَانَ عَمَلاً، قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغفاري ☺، وقد وصله البخاريُّ في «العتق» [خ¦2518] (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) ☺، وقد وصله في «الإيمان» [خ¦26] و«الحج» [خ¦1519].
(سُئِلَ النَّبِيُّ صلعم : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَالَ) تعالى: ({جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]) أي: من الطَّاعات. وقال الكرماني: أي: من الإيمان وسائر الطَّاعات. قال العيني: أدخل الإيمان لأجل مذهبهِ، فسمَّى الإيمان: عملاً.
(وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ) ربيعة (لِلنَّبِيِّ صلعم ) وقد وصله البخاريُّ بعدُ [خ¦7556] (مُرْنَا بِجُمَلٍ) أي: أمورٌ كليَّةٌ مجملةٌ (مِنَ الأَمْرِ، إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ) أي: بتصديق النَّبي صلعم فيما عُلِم مجيئه به ضرورة (وَالشَّهَادَةِ) بالوحدانيَّة لله ╡ (وَإِقَامِ الصَّلاَةِ) المفروضة (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المكتوبة (فَجَعَلَ) صلعم (ذَلِكَ كُلَّهُ) ومن جملته الإيمان (عَمَلاً).
[1] أي كون «ما» في قوله تعالى: {وما تعملون}.
[2] في الإرشاد فأنكر عليهم عبادة المنحوت الذي لم ينفك...
[3] في هامش الأصل: في نسخة: مضاد. وهذا موافق للمثبت في إرشاد الساري.
