نجاح القاري لصحيح البخاري

قول الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا}

          ░4▒ (باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ} [الجن:26]) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو عالم الغيب / ({فَلاَ يُظْهِرُ}) أي: لا يُطْلع ({عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} [الجن:26]) أي: من خلقه {إلَّا من ارتضى من رسولٍ} [الجن:27]؛ أي: إلَّا رسولاً قد ارتضاهُ، واختارهُ بعلمِ بعضِ الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلعه على غيبهِ ما شاء، و{من رسول} بيان لـ{من ارتضى} [الجن:27]، وقيل: والمراد من الرَّسول إمَّا جميع الرَّسل أو جبريل ◙؛ لأنَّه المبلِّغ لهم.
          واختلف في المراد بالغيب فقيل: هو على عمومه، وقيل: ما يتعلَّق بالوحي خاصَّةً، وقيل: ما يتعلَّق بعلم السَّاعة وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ علم السَّاعة ممَّا استأثرَ الله بعلمه إلَّا إن ذهبَ قائل ذلك إلى أنَّ الاستثناء منقطعٌ. وفي الآية ردٌّ على المنجِّمين، وعلى كلِّ من يدَّعي أنَّه يطَّلع على ما سيكون من حياةٍ أو موتٍ أو غير ذلك؛ لأنَّه يُكذِّب القرآن.
          قال الزَّمخشري في «الكشاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات؛ لأنَّ الَّذين يضافُ إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب. انتهى.
          وأُجيب: بأنَّ قوله: {على غيبه} [الجن:26] لفظ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقالَ: إنَّ الله لا يُظهر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحداً إلَّا الرُّسل، فيُحمل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: {أقريبٌ أم بعيدٌ ما توعدون} [الأنبياء:109].
          وتُعُقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل لم يُظهَروا على ذلك أيضاً. وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول بالمَلَك، والإظهار بما يكون من غير وسطٍ، وكرامات الأولياء على المغيبات بما تكون تلقِّياً عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء.
          وقال الطِّيبي: الأقرب تخصيصُ الاطِّلاع بالضعف والخفاء، فإنَّ إطلاعَ الله الأنبياءَ ╫ على الغيب أمكنُ وأقوى من إطِّلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: {على غيبه} [الجن:26] فضمَّن {يظهر} [الجن:26] معنى يُطْلِع؛ أي: فلا يُظهر الله على غيبه إظهاراً تامًّا وكشفاً جليًّا إلَّا لـمن ارتضى من رسولٍ، فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطْلِع النَّبي على الغيب يُوحي إليه أو يُرسِل إليه المَلَك.
          وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات أو اللَّمحات أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء.
          (وَ) قوله تعالى: ({إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان:34]) أي: وقت قيامها، روي عن مجاهدٍ أنَّ رجلاً يقال له: الوارث بن عَمرو بن جارية من أهل البادية أتى النَّبي صلعم فسأله عن السَّاعة ووقتها، وقال: إنَّ أرضنا أجدبتْ فمتى ينزلُ الغيث، وتركت امرأتي / حُبْلَى، فمتى تلد ذكراً أو أنثى، وقد علمتُ أين ولدتُ؟ فبأيِّ أرضٍ أموتُ، وقد علمت ما علمت اليوم، فماذا أعمل غداً، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
          (وَ) قوله تعالى: ({أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء:166]) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مَصالح العباد، وهذه الآيةُ من الحججِ القاطعة في إثباتِ العلم لله تعالى، وحرَّفه صاحبُ الاعتزال نصرةً لمذهبه فقال: أنزله ملتبساً بعلمهِ الخاص وهو تأليفُه على نظمٍ وأسلوب يعجز عنه كلُّ بليغٍ، ورُدَّ عليه بأنَّ نظمَ العبارات ليس هو نفسُ العلم القديم بل دالٌّ عليه، والآية صريحةٌ في إثبات العلم له تعالى.
          (وَ) قوله تعالى: ({وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر:11]) هو في موضع الحال؛ أي: إلَّا معلومةً له، وفي هذه الآية أيضاً إثبات العلم له تعالى (وَ) قوله تعالى: ({إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} [فصلت:47]) أي: علم قيامها يُردُّ إليه؛ أي: يجب على المسؤول أن يقول: الله يعلم ذلك، أي: لا يعلم متى وقت قيامها غيره تعالى.
          (قَالَ يَحْيَى) هو: ابن زيادٍ الفرَّاء النَّحوي المشهور، ذكر ذلك في كتاب «معاني القرآن» له، وقال الكرماني: يحيى قيل: هو: ابنُ زياد بن عبد الله بن منظور الذُّهلي وهو الَّذي نقل عنه البخاري من كتابه «معاني القرآن». وقال العيني: هو الفرَّاء بعينه ولكن قوله الذُّهلي غلطٌ؛ لأنَّ الفرَّاء ديلميٌّ كوفيٌّ مولى بني أسد، وقيل: مولى بني منقر، والظَّاهر أنَّ هذا من النَّاسخ، ومات الفرَّاء في سنة سبع ومائتين في طريق مكة وعمره ثلاث وستون سنة، وإنَّما قيل له الفرَّاء ولم يكن يعمل الفِراء ولا يبيعها بل كان يفري الكلام، ومنظور _بالظاء المعجمة_.
          ({الظَّاهِرُ} [الحديد:3] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، وَ{الْبَاطِنُ} [الحديد:3] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) ويروى: <الباطن بكلِّ شيءٍ علماً> يعني: العالم بظواهر الأشياء وبواطنها، وقيل: الظَّاهر الجليُّ وجوده بآياته الباهرةِ في أرضه وسمائه، والباطن المحتجب كُنْهُ ذاته عن نظرِ العقل بحُجُبِ كبريائه. وقيل: الظَّاهر بالقدرة وبالباطنِ عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقترابٍ والباطن بلا احتجابٍ.
          قال الشَّيخ أبو حامد: اعلم أنَّه إنَّما خفيَ مع ظهوره لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونهِ ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمتهِ والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر لقوم فلذلك وَحَّدُه والباطنُ عن قوم فلذلك جحدوه، وهذا تفسيرٌ لقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد:3].