نجاح القاري لصحيح البخاري

{قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}

          ░21▒ (باب: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئاً) كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ والقابسي، وسقط: «باب» في رواية غيرهما من رواية الفربري، وسقطت التَّرجمة من رواية النَّسفي، وذكر قوله: <{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} [الأنعام:19]> وحديث سهل بن سعد [خ¦7417] بعد أَثَرَيْ أبي العالية ومجاهد في تفسير {استوى على العرش} [الأعراف:54]. ووقع عند الأَصيلي وكريمة: <{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} [الأنعام:19] سمَّى الله نفسه شيئاً {قُلِ اللَّهُ}>.
          وقوله: {قُلْ} أي: قل يا محمد {أَيُّ شَيْءٍ} كلمة {أي} استفهامية مبتدأ و{أَكْبَرُ} خبره و{شَهَادَةً} تمييز، وكلمة {أي} يراد بها بعض ما تُضاف إليه، فإذا كانت استفهاماً كان جوابها مسمَّى باسم ما أُضيفت إليه، وقوله: {قُلِ اللَّهُ} جواب {أي}؛ أي: اللهُ أكبر شهادةً، فاللهُ مبتدأ والخبر محذوف فيكون دليلاً على أنَّه يجوز إطلاق اسم الشَّيء على الله تعالى، ولفظ «شيء» أعمُّ العام لوقوعه على كلِّ ما يصلح أن يُخبر عنه، أو لأنَّه اسمٌ للموجود ولا يُطلق على المعدوم، والله تعالى هو الموجود فيكون شيئاً، ولذا نقول: الله تعالى شيءٌ لا كالأشياء، وقال الزَّمخشري: أيُّ شيءٍ؛ أي: شهيد أكبر شهادة، فوضع «شيئاً» مقام «شهيداً» ليبالغ بالتَّعميم، ويقال إنَّ قريشاً أتوا النَّبي صلعم بمكَّة، فقالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدِّقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك / اليهود والنصارى، فزعموا أنَّه ليس لك عندهم ذكر ولا صفةٌ فأرنا مَنْ يشهد لك أنَّك رسول الله، فأنزل الله هذه الآية: {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام:19]. على ما أقول.
          وقوله: فسمَّى الله تعالى نفسه شيئاً؛ يعني: إثباتاً للوجود ونفياً للعدم وتكذيباً للزَّنادقة والدَّهريَّة.
          (وَسَمَّى النَّبِيُّ صلعم الْقُرْآنَ شَيْئاً) أشار به إلى الحديث الَّذي أورده من حديث سهل بن سعد، وفيه: ((أمعك شيءٌ من القرآن)) وقد مضى في «النكاح» [خ¦5087] (وَهْوَ) أي: القرآن (صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ) تعالى؛ أي: من صفات ذاته، وكلُّ صفةٍ تسمَّى شيئاً بمعنى أنَّها موجودٌ.
          (وَقَالَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص:88]) الاستدلال بقوله: {إلا وجهه} فإنَّه مستثنى متَّصل فيجب اندراجه في المستثنى منه وهو الرَّاجح، والشَّيء يساوق الوجود لغة وعرفاً، ويدلُّ على أنَّ لفظ شيء يُطلق على الله ╡، وقيل: إنَّ الاستثناء منقطعٌ والتَّقدير: لكن هو سبحانه لا يهلك.