نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء}

          ░29▒ (باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40]) أي: فهو يكون، وقد وقع في كثير من النُّسخ: <إنَّما أمرنا لشيء> والقرآن: {إنما قولنا لشيء}، وكذا وقع على الصَّواب في رواية أبي ذرٍّ، وعليه شَرَحَ ابن التِّين، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «{أن نقول له كن فيكون}»، ومعنى الآية؛ أي: إذا أردنا أن نخرجه من العدم إلى الوجود أن نقول له: كن فيكون، قال سيبويه: فهو يكون.
          وقال الأخفش: هو معطوف على «نقول»، وحينئذٍ يكون منصوباً وقد قرئ بهما، والحاصل: معناه إذا أردنا وجود شيءٍ فليس إلا أن نقولَ له أُحْدُثْ فهو يحدث بلا توقُّف، قيل: وهو عبارة عن سرعة الإيجاد، وأنَّ مراده لا يمتنع عليه، وأن وجوده عند إرادته غير متوقِّف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثمة، والمعنى أنَّ إيجادَ كل مقدور على الله تعالى بهذه السُّهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعضِ المقدورات.
          فإن قلت: قوله: {كنْ} إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محالٌ، وإن كان خطاباً مع الموجود كان أمراً بتحصيل الحاصل، وهو محالٌ أيضاً.
          أُجيب: بأنَّ هذا تمثيل وخطاب مع الخلق بما يعقلون، وليس هو خطابُ المعدوم؛ لأنَّ ما أراد فهو كائنٌ على كلِّ حال، وعلى ما أراده من الإسراعِ كما مرَّ، ولو أراد خلق الدُّنيا والآخرة بما فيهما من السَّموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن خاطب العباد بما يعقلون.
          ثمَّ إنَّ غرض البخاري من هذا الباب الرَّد على المعتزلة في قولهم: إنَّ أمر الله الذي هو كلامه مخلوق، وإنَّ وصفه تعالى نفسه بالأمر وبالقول في هذه الآية اتِّساع كما في قولهم: امتلأ الحوضٌ ومال الحائط، وهذا الذي قالوه فاسدٌ؛ لأنَّه عدول عن الظَّاهر، وحمل الآية على حقيقتها إثبات كونه تعالى حيًّا، والحيُّ لا يستحيل أن يكون متكلِّماً، فالظَّاهر من غرضه أن الأمرَ هو قوله تعالى للشَّيء: {كن} فيكون بأمره له، وأن أمرهُ وقوله واحد، وأنَّ مقوله {كنْ} وهو غير الخلق لعطفه عليه بالواو في قوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54] فليتدبَّر.