نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}

          ░32▒ (باب قَوْلِ اللَّهِ ╡) وفي نسخة: <تعالى> ({وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:23]) أي: أذن الله؛ يعني: إلَّا من وقع الإذن للشَّفيع لأجله، وهي اللام الثَّانية في قولك: أُذِن لزيد لعمرو؛ أي: لأجله ({حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [سبأ:23]) أي: كُشِف الفزع وأُزيل الخوف عن قلوب الشَّافعين والمشفوع لهم بكلمةٍ يتكلَّم بها ربُّ العزَّة في إطلاق الإذن، والتَّفزيعُ: إزالة الفزع، والتَّفعيل يجيء للإزالة والسَّلب، و«حتَّى» غاية لِمَا فُهِم من أنَّ ثمَّة انتظاراً للإذن وتوقفاً وفزعاً من الرَّاجين للشَّفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يُؤذن لهم، كأنَّه قيل: يتربَّصون ويتوقفون مليًّا فزعين حتَّى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم.
          ({قَالُوا}) سأل بعضُهم بعضاً ({مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ}) وقيل: حاصل المعنى حتَّى إذا ذهبَ الفزع قالوا: ماذا قال ربُّكم، فدلَّ ذلك أنَّهم سمعوا قولاً لم يفهموا معناه من أجلِ فزعهم، فقالوا: {ماذا قال ربُّكم} ({قَالُوا}) قال: ({الْحَقَّ}) أي: القول الحق، وهو الإذنُ بالشَّفاعة لمن ارتضى ({وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:23]) والعلو والكبرياء، ليس لملَك ولا نبيٍّ أن يتكلَّم ذلك اليوم إلَّا بإذنه وأن يشفعَ إلَّا لمن ارتضى.
          قال الحافظُ العسقلاني: وأظنُّ البخاري أشار بهذا إلى ترجيح قول من قال: إنَّ الضَّمير في قوله: ((عن قلوبهم)) للملائكة وأن فاعل الشَّفاعة في قوله: ((ولا تنفع الشَّفاعة)) الملائكة بدليل قوله بعد وصف الملائكة: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28] / بخلاف قول من زعم أنَّ الضَّمير للكفَّار المذكورين في قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ} [سبأ:20] كما نقله بعض المفسِّرين، وزعم أنَّ المرادَ بالتَّفزيع حالة مفارقة الحياة، ويكون اتِّباعهم إيَّاه مستصحَباً إلى يوم القيامة على طريق المجاز، والجملة من قوله: {قُلِ ادْعُوا} [سبأ:22] إلى آخره معترضة، وحَمَلَ هذا القائل على هذا الزَّعم أنَّ قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [سبأ:23] غاية لا بدَّ لها من مغيَّا فادَّعى أنَّه ما ذكره.
          وقال بعضُ المفسِّرين من المعتزلة: المراد بالزَّعم: الكفرُ في قوله: {زَعَمْتُمْ} [سبأ:22] أي: تماديتم في الكفر إلى غاية التَّفزيع، ثمَّ تركتُم زعمكُم وقلتم: قال الحق.
          وفيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغيبة، ويفهم من سياق الكلام أنَّ هناك فزعاً ممَّن يرجو الشَّفاعة هل يُؤذن له في الشَّفاعة أو لا؟ فكأنَّه قال: يتربَّصون زماناً فزعين حتَّى إذا كَشِفَ الفزعُ عن الجميع بكلامٍ يقوله الله في إطلاقِ الإذن تَبَاشروا بذلك، وسأل بعضُهم بعضاً: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} [سبأ:23] ؛ أي: القول الحق، وهو الإذن في الشَّفاعة لمن ارتضى.
          قال الحافظُ: وجميع ذلك مخالفٌ لهذا الحديث الصَّحيح والأحاديث كثيرة تُؤيده، والصَّحيح في إعرابها ما قال ابن عطيَّة: وهو أنَّ المغيَّا محذوف، كأنَّه قيل: ولا هم شفعاءُ كما يزعمون بل هم عنده مستسلمون لأمره إلى أن يزولَ الفزع عن قلوبهم، والمراد بهم الملائكة، وهو المطابقُ للأحاديث الواردة في ذلك فهو المعتمد.
          أمَّا اعتراض من تعقَّبه بأنَّهم لم يزالوا منقادين فلا يلزم منه دفع ما تأوَّله، لكنَّ حقَّ العبارة أن يقول: بل هم خاضعون لأمرهِ مرتقبون لِمَا يأتيهم من قِبَله خائفون أن يكون ذلك من أمر السَّاعة إلى أن يَكشِفَ عنهم ذلك بإخبار جبريل بما أمرَ به من إبلاغ الوحي للرُّسل. انتهى.
          ثمَّ إنَّ غرضَ البخاري من ذكر هذه الآية بل من الباب كلِّه إثبات كلام الله القائم بذاتهِ ودليله أنَّه قال: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} [سبأ:23].
          (وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ) وأكَّد ذلك بما حكاهُ عن الملائكة أيضاً قالوا: «الحقّ»، والحقُّ إحدى صفتي الذَّات لا يجوز على الله غيره؛ لأنَّه لا يجوز على كلامهِ الباطل.
          وفيه ردٌّ للمعتزلةِ والخوارج والمرجئة والجهميَّة والنجارية فإنَّهم قالوا: إنَّه متكلَّم يعني: إنَّه خالق للكلام في اللَّوح المحفوظ مثلاً، ومسألةُ الكلام مسألة طويلة، وقد تواترَ القول بأنَّه تعالى متكلمٌ عن الأنبياء ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أربابِ الملل والمذاهب، وإنَّما الخلاف في معنى كلامهِ وقِدَمه وحدوثه فعند أهل الحقِّ أنَّ كلامَه ليس من جنسِ الأصوات والحروف بل صفةٌ أزليَّة قائمة بذاته تعالى منافية للسُّكوت الَّذي هو تركُ / التَّكلم مع القدرةِ عليه، والآفة الَّتي هي عدمُ مطاوعة الآلة إمَّا بحسبِ الفطرة كما في الأخرس أو بحسبِ صفتها وعدم بلوغها حد القوة كما في الطُّفولية، هو تعالى بها آمرٌ ناهٍ مُخبِرٌ وغير ذلك، يدلُّ عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة، فإذا عبَّر عنها بالعربيَّة فقرآن، وبالسَّريانية فإنجيل، وبالعبرانيَّة فتوراة، والاختلاف في العبارات دون المسمَّى، كما إذا ذكر الله بألسنةٍ متعددة ولغات مختلفة.
          والحاصل أنَّه صفةٌ واحدةٌ لا تنقسم ولا تتجزأ وإنَّما تتكثَّر باختلاف التُّعلقات كالعلم والقدرة وسائر الصِّفات فإنَّ كلًّا منها واحدة قديمة وأنَّه غير مخلوق ولا يشبه شيئاً من كلام المخلوقين، والتَّكثر والحدوث إنَّما هو في التُّعلقات والإضافات لِمَا أنَّ ذلك أليقُ بكمال التَّوحيد، ولأنَّه لا دَليل على تكثُّر كلٍّ منها في نفسها، هذا هو ما عليه أهل الحقِّ، وقد خالفه جميع الفرق وزعموا أنَّه لا معنى للكلام إلَّا المنتظم من الحروف المسموعة الدَّالة على المعاني المقصودة، وأنَّ الكلام النَّفسي غير معقولٍ.
          ثمَّ قالت الحنابلة والحشوية: إنَّ تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتُّب بعضِها على البعضِ وكون الحرف الثَّاني من كلِّ كلمة مسبوقاً بالحرف المتقدِّم كانت ثابتةً في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وتقدَّس، وأنَّ المسموعَ من أصوات القراء والمرئي من أسطر الكتاب نفس كلام الله في كلامٍ طويل.
          وتحقيق الكلام بينهم وبين أهل السُّنة يرجع إلى إثبات الكلام النَّفسي ونفيه وإلَّا فأهل السُّنة لا يقولون بقِدَم الألفاظ والحروف وهم لا يقولون بحدوث كلامٍ نفسيٍّ.
          واستدلَّ أهل السنة على قِدَم كلامه تعالى وكونه نفسيًّا لا حسيًّا بأنَّ المتكلِّم من قام به الكلام لا من أوجد الكلام ولو في محلٍّ آخر للقطع بأنَّ موجِدَ الحركة في جسمٍ آخر لا يسمَّى متحركاً، وأنَّ الله تعالى لا يسمَّى بخلق الأصوات مصوتاً.
          وإنَّا إذا سمعنا قائلاً يقول: أنا قائمٌ نسميه متكلِّماً وإن لم نعلم أنَّه الموجِدُ لهذا الكلام، بل وإن علمنا أنَّ موجده هو الله تعالى كما هو رأي أهل الحقِّ، وحينئذٍ فالكلامُ القائم بذات الباري تعالى لا يجوز أن يكون هو الحسِّي؛ أعني المنتظم من الحروف المسموعة؛ لأنَّه حادث ضرورة أنَّ له ابتداء وانتهاء وأنَّ الحرف الثَّاني من كلِّ كلمةٍ مسبوق بالأول ومشروطٌ بانقضائه وأنَّه يمتنع اجتماع أجزائهِ في الوجود وبقاء شيء منها بعد الحصول، والحادث يمتنعُ قيامه بذات الباري تعالى فتعيَّن النَّفسي القديم.
          وقال البيهقيُّ في كتاب «الاعتقاد»: القرآنُ كلام الله، وكلام الله صفةٌ من صفاتِ ذاته، وليس شيئاً من صفات ذاته مخلوقاً ولا مُحْدَثاً ولا حادثاً، قال تعالى: / {الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآَنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن:1-3] فخصَّ القرآن بالتَّعليم؛ لأنَّه كلامه وصفته، وخصَّ الإنسان بالتَّخليق؛ لأنَّه خلقه ومصنوعه، ولولا ذلك لقال: خلق القرآن والإنسان.
          ثمَّ ساق البيهقي حديث نِيَار _بكسر النون وتخفيف التحتانية_ ابن مُكْرَم أنَّ أبا بكرٍ ☺ قرأ عليهم سورة الزُّمر، فقالوا: هذا كلامك، أو كلام صاحبك، قال: ليس كلامي ولا كلام صاحبي، ولكنَّه كلام الله. وأصل هذا الحديث أخرجه التِّرمذي مصحّحاً.
          وعن عليِّ بن أبي طالبٍ ☺: ما حَكَّمتُ مخلوقاً ما حكَّمتُ إلَّا القرآن.
          ومن طريق سفيان بن عيينة سمعت عَمرو بن دينار وغيره من مشيختنا يقولون: القرآنُ كلام الله غير مخلوقٍ، إلى غير ذلك من الآثار، والمحفوظُ عن جمهور السَّلف تركُ الخوض في ذلك والتَّعمق فيه والاقتصار على القول بأنَّ القرآن كلام الله وأنَّه غير مخلوقٍ، ثمَّ السُّكوت عمَّا وراء ذلك، كذا قال الحافظ العَسقلاني.
          ونقل العينيُّ عن بعضهم أنَّ الواجب فيه الوقف، فلا يُقال إنَّه مخلوقٌ أو غير مخلوقٍ، وهذا قول شاذٌّ.
          (وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]) قال ابن بطَّال: أشار بذلك إلى سبب النُّزول؛ لأنَّه جاء أنَّهم لمَّا قالوا: شفعاؤنا عند الله الأصنامُ نزلت، فأعلم الله تعالى أنَّ الَّذين يشفعون عنده من الملائكة والأنبياء ‰ إنَّما يشفعون فيمن يشفعون فيه بعد إذنه لهم في ذلك؛ أي: ليس لأحدٍ أن يشفعَ عنده لأحدٍ إلَّا بإذنه، و«من» وإن كان لفظها استفهاماً، فمعناه النَّفي ولذا دخلت «إلَّا» في قوله: {إلَّا بإذنه} و{عنده} متعلِّقٌ «بيشفع»، أو بمحذوف لكونه حالاً من الضَّمير في «يشفع»؛ أي: مستقرًّا عنده.
          وقوَّى هذا الوجه بأنَّه إذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريبٌ منه فشفاعة غيره أبعد، وهذا بيانٌ لملكوته وكبريائه، وأنَّ أحداً لا يتمالك أن يتكلَّم يوم القيامة إلَّا إذا أُذِن له في الكلام.
          (وَقَالَ مَسْرُوقٌ) هو: ابنُ الأجدع الهَمْداني الوادِعي، وصله البيهقي في «الأسماء والصِّفات» من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صُبيح وهو: أبو الضُّحى عن مسروق (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ☺، أنَّه قال في تفسير الآية المذكورة (إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئاً) في رواية أبي داود وغيره: ((سمع أهل السَّماء للسَّماء صلصلة كجر السِّلسلة على الصَّفا)). وفي رواية / الثَّوري: ((الحديد)) بدل السلسلة، وعند ابن أبي حاتم: ((مثل صوت السلسلة))، وعنده في حديث النَّواس بن سمعان: ((إذا تكلَّم الله بالوحي أَخذتِ السَّماواتُ منه رجفةً أو قال: رعدةً شديدةً من خوف الله تعالى فإذا سمع ذلك أهل السَّماوات صعقوا وخرُّوا لله سُجَّداً)). ووقع في رواية شعبة: ((فيرون أنَّه من أمر السَّاعة فيفزعون)).
          (فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ) بالنون بعد الكاف المخففة، والمراد بالصَّوت: الصَّوت المخلوق لإسماع أهل السَّماوات والأدلَّة ناطقةٌ بتنزيه الباري جلَّ وعلا عن الصَّوت المستلزم للحدوث. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني: <وثبت الصَّوت> بمثلثة فموحدة ففوقية.
          (عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُم) بالكاف (وَنَادَوْا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) لأنَّهم سمعوا قولاً ولم يفهموا معناه كما ينبغي لفزعهم (قَالُوا) قال: (الْحَقَّ) ولفظ البيهقي عن مسروقٍ: ((إنَّ الله ╡ إذا تكلَّم بالوحي سمع أهلُ السَّماء للسَّماء صلصلة كجرِّ السَّلسلة على الصَّفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتَّى يأتيهم جبريل ◙ فإذا جاءهُم جبريل فُزِّعَ عن قلوبهم، قال: يقولون: يا جبريل ماذا قال ربُّكم؟ قال: فيقول: الحق، قال: فينادون الحق الحق)).
          وقال البيهقيُّ: ورواه أحمد بن أبي شريح الرَّازي وعلي بن إشكاب وعلي بن مسلم ثلاثتهم عن أبي معاوية مرفوعاً، أخرجه أبو داود في «السنن» عنهم ولفظه مثله إلَّا أنَّه قال: فيقولون: ماذا قال ربُّك، قال: ورواه شعبة عن الأعمش موقوفاً وجاء عنه مرفوعاً أيضاً.
          (وَيُذْكَرُ) بضم أوله بصيغة التَّمريض، وفي «كتاب العلم» [خ¦3/19-142] بصيغة الجزم (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله الأنصاري ☻ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بضم الهمزة وفتح النون، مصغر أنس؛ أي: ابن سعدٍ الجُهني العقبي الأنصاري حلفاً، وجابر بن عبد الله ☻ كان مكثراً في الحديث، وهو مع كثرة روايته وعلوِّ مرتبته رحل إلى الشَّام وأخذ يسمعه من عبد الله بن أُنيس.
          وفي «التوضيح»: هذا أسنده الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» من حديثه، قال: بلغني حديث عن رجلٍ من أصحاب رسول الله صلعم فابتعت بعيراً فشددتُ عليه رحلي، ثمَّ سرتُ إليه فسرتُ شهراً حتَّى قدمتُ الشَّام فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، فذكره عنه مطولاً.
          (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلعم يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ) ╡ (الْعِبَادَ) يوم القيامة / (فَيُنَادِيهِمْ) أي: يقول؛ ليدلَّ على التَّرجمة كذا قاله الكرماني (بِصَوْتٍ) أي: مخلوق غير قائم بذاته أو يأمر تعالى من ينادي، ففيه مجاز الحذف، وقال البيهقي: الكلام ما ينطقُ به المتكلِّم، وهو مستقر في نفسه، ومنه قول عمر ☺ في حديث السَّقيفة: «وكنت هيَّأت في نفسي كلاماً» فسمَّاه كلاماً قبل التَّكلم به، فإن كان المتكلِّم ذا مخارج سُمِع كلامه ذا حروفٍ وأصوات، وإن كان غير ذي مخارج فهو بخلاف ذلك، والباري تعالى ليس بذي مخارج، فلا يكون كلامه بحروف وأصوات، فإذا فهمه السَّامع تلاه بحروف وأصوات.
          وأمَّا حديث ابن أُنيس فاختلف الحفَّاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه ولم يثبت لفظ الصَّوت في حديثٍ صحيحٍ مرفوع غير حديثه، فإن ثبت رجع إلى حديث ابن مسعودٍ ☺ يعني أنَّ الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتاً، فيحتمل أن يكون صوت السَّماء أو الملَك الآتي بالوحي أو صوت أجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة، أو أنَّ الرَّاوي أراد «فينادي نداء» فعبَّر عنه بقوله: بصوت.
          قال الحافظ العَسقلاني: وهذا يلزم منه أنَّ الله لم يُسْمِع أحداً من ملائكته ولا رسله كلامه، بل ألهمهم إيَّاه، وحاصل الاحتجاج للنَّفي الرُّجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنَّها الَّتي عُهِد أنَّها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه إذ الصَّوتُ قد يكون من غير مخارج، كما أنَّ الرُّؤية قد تكون من غير اتصال أشعةٍ كما تقرَّر. سلمنا لكن نمنع القياس المذكور، وصفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوقين، وإذا ثبت ذكر الصَّوت بهذه الأحاديث الصَّحيحة وجبُ الإيمان به، ثمَّ التَّفويض وإمَّا التَّأويل. انتهى.
          (يَسْمَعُهُ) أي: الصَّوت (مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ) على خرق العادة إذ في سائر الأصوات التَّفاوت ظاهرٌ بين القرب والبعد، وليعلم أنَّ المسموعَ كلامُ الله تعالى، كما أنَّ موسى ◙ كان يسمع من جميع الجهات كذلك، ومقول قوله تعالى هو: (أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ) أي: لا ملك إلَّا أنا، ولا مجازي إلَّا أنا، وهو من حصر المبتدأ في الخبر.
          وقال الحَليمي: وهو مأخوذٌ من قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] وهو المحاسب المجازي لا يضيع عمل عامل، وقال الكرماني: واختار هذا اللَّفظ لأنَّ فيه الإشارة إلى الصِّفات السَّبعة: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسَّمع، والبصر، والكلام، ليمكن المجازاة على الكلِّيات والجزئيات قولاً وفعلاً. وفي مرسل أبي قِلابة: ((البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والدَّيان لا يموت، وكنْ كما شئت كما تدين تدان)) ورجاله ثقاتٌ، أخرجه البيهقي في «الزُّهد».