نجاح القاري لصحيح البخاري

قول الله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء}

          ░31▒ (بابٌ) بالتنوين (فِي) ذكر (المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ) قال الرَّاغب: المشيئة عند الأكثر كالإرادةِ سواء. وقال الكرماني: وللإرادة تعريفاتٌ مثل: اعتقاد النَّفع في الفعل أو تركه، والأصحُّ أنَّها صفةٌ مخصِّصة لأحدِ طرفي المقدور بالوقوعِ، والمشيئة تُرادفها، / وقيل: هي الإرادةُ المتعلِّقة بأحد الطَّرفين.
          وفي «التوضيح»: معنى الباب إثباتُ المشيئة والإرادة لله تعالى وأنَّ مشيئته وإرادته ورحمته وغضبه وسخطه وكراهته كلُّ ذلك بمعنى واحدٍ أسماء مترادفة وهي كلُّها راجعة إلى معنى الإرادة، كما يسمَّى الشَّيء الواحد بأسماء كثيرة، وإرادته تعالى صفةٌ من صفات ذاته خلافاً لمن يقول من المعتزلة إنَّها مخلوقةٌ من أوصافِ أفعاله، ولا فرقَ بين المشيئة والإرادة إلَّا عند الكرامية حيث جعلوا المشيئة صفةً واحدةً أزلية تتناولُ ما شاءَ الله بها من حيث يَحْدُث.
          والإرادة حادثةٌ متعددة بتعدُّد المرادات، ويدلُّ لأهل السُّنة قوله تعالى: ({وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30]) روى البيهقي عن ربيع بن سليمان عن الإمام الشَّافعي قال: المشيئة: إرادة الله، وقد أعلم الله تعالى خلقه أنَّ المشيئة له دونهم، فقال: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} فليست للخلق مشيئة إلَّا أن يشاءَ الله. انتهى.
          وقد دلَّت الآية على أنَّه تعالى خالق أفعال العباد، وأنَّهم لا يفعلون إلَّا ما يشاء، وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [البقرة:253] ثمَّ أكَّد ذلك بقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة:253] فدلَّ على أنَّه فعل اقتتالهم الواقع منهم لكونه مريداً له، وإذا كان هو الفاعلُ لاقتتالهم فهو المريد لمشيئتهم والفاعل، فثبت بذلك أنَّ كسبَ العباد إنَّما هو بمشيئةِ الله وإرادته، ولو لم يُرِدْ وقوعه ما وقع منهم.
          وقسم بعضهم الإرادة على قسمين: إرادة أمرٍ وتشريع، وإرادة قضاءٍ وتقدير، فالأولى تتعلَّق بالطَّاعة والمعصية سواء وقعت أم لا.
          والثَّانية شاملةٌ لجميع الكائنات محيطة بجميعِ الحادثات طاعة ومعصية، وإلى الأولى الإشارة بقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] وإلى الثَّاني بقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام:125].
          (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وفي نسخة: <وقوله> وهو بالجرِّ عطفاً على قوله: «في المشيئة والإرادة» ({تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران:26]) وقوله تعالى: ({وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً. إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23-24]) وقوله تعالى: ({إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]) يخلق فعل الاهتداء فيمن يشاء فدلَّت هذه الآيات على إثبات الإرادة والمشيئة لله تعالى وأنَّ العباد لا يريدون شيئاً إلَّا وقد سبقت إرادة الله تعالى وأنَّه الخالق لأعمالهم طاعة ومعصية. فإن قيل: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] على أنَّه لا يريد المعصية.
          فالجواب: أنَّه ليس هذا / على العموم، وإنَّما هو خاصٌّ فيمن ذَكَر، وهو من كان مريضاً أو على سفرٍ ممَّن لا يُطيق، وهذا من المؤمنين المفترض عليهم الصِّيام، فالمعنى: يريد الله بكم اليسر الَّذي هو التَّخيير بين صومكم وإفطاركم، ولا يريد بكم العسر الَّذي هو إلزامكم الصَّوم، وكذلك تأويل قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7] هو على الخصوص في المؤمنين الَّذين أراد منهم الإيمان فكان ما أراده من ذلك، ولم يُرِد منهم الكفر فلم يكن.
          (قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) هو: ابنُ حزن القرشي المخزومي، وكان سعيد خَتَنَ أبي هريرة على ابنته وأعلمُ النَّاس بحديثه (عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب، وهو شهد بيعة الرضوان [و] سمع النَّبي صلعم (نَزَلَتْ) {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص:56] (فِي أَبِي طَالِبٍ) وقد أجمع المفسِّرون على أنَّها نزلت فيه كما قاله الزَّجاج، وهذا التَّعليق وصله في «تفسير سورة القَصص» [خ¦4772] وفيه: «وكان النَّبي صلعم حريصاً على إسلام أبي طالب».
          ({يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]) وقد تمسَّك المعتزلة بهذه الآية على أنَّه تعالى لا يريد المعصية. وأجيب: بأنَّ معنى إرادةُ اليسر: التَّخييرُ بين الصَّوم في السَّفر ومع المرض والإفطار بشرطه، وإرادةِ العسر المنفية الإلزامُ بالصوم في السَّفر في جميع الحالات، فالإلزام هو الَّذي لا يقع لأنَّه لا يريده وقد مرَّ آنفاً، وقد تكرَّر ذكر الإرادة في القرآن، واتَّفق أهل السُّنة على أنَّه لا يقع إلَّا ما يريده الله تعالى، وأنَّه مريدٌ لجميع الكائنات.
          وقالت المعتزلة: لا يريد الشَّر لأنَّه لو أراده لطلبه، وشنَّعوا على أنَّه يَلزَمُهم أن يقولوا: إنَّ الفحشاء مرادة لله وينبغي أن ينزَّه عنها. وأجاب أهل السُّنة: بأنَّ الله تعالى قد يريد الشَّر ولا يرضاه لِيُعاقب عليه، ولثبوت أنَّه خلق الجنَّة والنَّار وخلق لكلٍّ أهلاً، وألزموا المعتزلة بأنَّهم جعلوا أنَّه يقع في ملكه ما لا يريد.
          ويقال: إنَّ بعض أئمَّة السُّنة أُحضِر للمناظرة مع بعض أئمَّة المعتزلة، فلمَّا جلسَ المعتزلي قال: سبحان من تنزَّه عن الفحشاء، فقال السُّني: سبحان من لا يقع في ملكه إلَّا ما يريد وما يشاء، فقال المعتزلي: أيشاء ربُّنا أن يُعصى؟ فقال السُّنيُّ: أفيعصى ربُّنا قهراً؟ فقال المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليَّ بالرَّدى أحسن إليَّ أو أساء؟ فقال: إن منعك ما هو لك فقد أساءَ، وإن منعك ما هو له فإنَّه يختصُّ برحمته من يشاء، فانقطع.