نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {تعرج الملائكة والروح إليه}

          ░23▒ (بابُ) سقط الباب في رواية غير أبي ذرٍّ (قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ} [المعارج:4]) أي: تصعدُ الملائكة في المعارج التي جعلها الله لهم وخصَّ الروح بعد العموم لفضله وشرفهِ، واختُلف فيه فقيل جبريل ◙، وقيل: مَلَك عظيمٌ تقوم الملائكة صفاً، ويقومُ هو وحده صفاً، قال ╡: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً} [النبأ:38].
          وقيل: هو خلقٌ كخلق بني آدم لهم أيد وأرجل، هم حفظةُ على الملائكة كما أنَّ الملائكة حفظة علينا أو أرواح المؤمنين عند الموت، وقيل: هو خلقٌ من خلق الله تعالى لا ينزل ملك إلَّا معه اثنان منهم، وعن ابن عبَّاس ☻ أنَّه مَلَكٌ له أحد عشر ألف جناح وألف وجه يسبِّح الله إلى يوم القيامة.
          (إِلَيْهِ) أي: إلى عرشه، أو إلى المكان الذي هو محلُّهم وهو في السَّماء لأنها محلُّ بركتهِ وكرامته فقد تقرَّر أنَّ الله تعالى ليس بجسم فلا يحتاجُ إلى مكان يستقرُّ فيه فقد كان ولا مكان ولا زمان، وإنما أضافَ المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيههِ عن المكان.
          والمعارج جمع معرج، كالمصاعد جمع مصعد، والعروجُ الارتقاء، يقال: عرَج _بفتح الراء_ يعرُج _بضمها_ عروجاً ومعرجاً، والمعرج: المصعد والطَّريق الذي تعرَّج فيه الملائكة إلى السَّماء.
          والمعراج: شِبْه سلَّم أو درج تعرج فيه الأرواح إذا قُبضت وحيث تصعدُ أعمالُ بني آدم. وقال ابنُ دريد: هو الذي يُعاينه المريض عند الموت فيشخص فيما زعم أهلُ التفسير، ويقال: إنَّه بالغٌ في الحسن بحيث أنَّ النَّفس إذا رأته لا يتمالك أن تخرجَ. وقال الفرَّاء: «ذو المعارج» من نعت الله وصفَ بذلك نفسه؛ لأنَّ الملائكة تعرجُ إليه. وقيل: معنى قوله: {ذي المعارج} [المعارج:4] أي: الفواضل العاليَّة.
          (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر:10]) أي: إلى محلِّ القبول والرِّضا، وكل ما اتَّصف بالقبولِ وُصِف بالرفعة والصُّعود، وصعودُ الكلم إليه لا يقتضِي كونه في جهة إذا الباري سبحانه وتعالى لا تحويه جهة إذ كان موجوداً ولا جهة، وَوَصْفُ الكلم بالصُّعود إليه مجازٌ؛ لأنَّ الكلم عرض والعرض لا يصحُّ أن ينقل.
          (وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصر بن عمران الضُّبعي البصري (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ☻ / (بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ، مَبْعَثُ النَّبِيِّ صلعم فَقَالَ لأَخِيهِ) أُنيس _بضم الهمزة_ مصغراً (اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ) قوله: «اعلم» من العلم، «لي» أي: لأجلي أو من الإعلام؛ أي: أخبرني بخبرِ هذا الرجل الذي بمكَّة يدَّعي النُّبوة وهذا التَّعليق مضى موصولاً في «باب إسلام أبي ذرٍّ» [خ¦3861] وموضع الترجمة منه قوله: ((من السماء)).
          (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو: ابنُ جبر: ({الْعَمَلُ الصَّالِحُ} [فاطر:10] يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ) وهذا التَّعليق وصله الفريابي من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس ☻ في تفسيرها «الكلم الطيب» ذكرُ الله و«العمل الصالح» أداء فرائض الله، فمن ذكر الله ولم يؤدِّ فرائضَهُ رُدَّ كلامه، وقال الفرَّاء: معناه أنَّ العمل الصَّالح يرفعُ الكلام الطِّيب إذا كان معه عمل صالح، وقال البيهقيُّ: صعودُ الكلام الطَّيب عبارة عن القبولِ والعمل الصَّالح الصَّدقة الطِّيبة.
          (يُقَالُ) معنى: ({ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج:4]) هو (الْمَلاَئِكَةُ) العارجات (تَعْرُجُ إِلَيْهِ) أي: إلى الله، وفي رواية غير أبي ذر: <إلى الله> وفي قوله: «إلى الله» ما تقدَّم من السَّلف من التَّفويض ومن الخلف من التَّأويل، وقال ابن بطَّال: غرضُ البخاري من ذكر القطعتين من الآيتين الرَّد على الجهمية المجسِّمة في تعلقهم بمثل هذه الظَّواهر، والله أعلم بالسرائر.