نجاح القاري لصحيح البخاري

قول الله تعالى: {السلام المؤمن}

          ░5▒ (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ} [الحشر:23]) كذا في رواية الجميع، وزاد ابن بطال: {المهيمن} [الحشر:23 / وقال: غرضه بهذا إثبات أسماءٍ من أسماء الله تعالى، وكأنَّه أرادَ بهذا القدر الإشارة إلى الآيات الثَّلاث المذكورة في آخر سورة الحشر. وقال الطِّيبي: «السَّلام» مصدر نُعت به، والمعنى: ذو السَّلامة من كلِّ آفةٍ ونقيصةٍ؛ أي: الَّذي سلمت ذاته عن الحدوث والعيب وصفاته عن النَّقص وأفعاله عن الشَّرِّ المحض، وهو من أسماء التَّنزيه.
          وفي الحديث الصَّحيح إنَّه اسمٌ من أسماء الله تعالى [خ¦831]، وقد أطلقَ على التَّحيَّة الواقعة بين المؤمنين، وقيل: السَّلام في حقِّه تعالى الذي سلم المؤمنون من عقوبته، واختلف في تأويل قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس:25]. فقيل: الجنَّة لأنَّه لا آفَّة فيها ولا كدرَ، فالسَّلام على هذا والسَّلامة كاللَّذاذ واللَّذاذة.
          وقال قتادة: اللهُ السَّلامُ وداره الجنَّة، قيل: وعلى تقدير كونه اسماً من أسماء الله تعالى، فالفرق بينه وبين القدُّوس أن يدلَّ على براءة الشَّيء من نقصٍ تقتضيه ذاته، فإنَّ القدُّوس طهارة الشَّيء في نفسه، والسَّلام يدلُّ على نزاهته عن نقصٍ يعتريهِ لعروض آفةٍ أو صدور فعل، وقيل: معنى السَّلام: مالِكُ تسليم العباد من المخاوف والمهالك، فيرجعُ إلى القدرة فيكون من صفات الذَّات. وقيل: ذو السَّلام على المؤمنين في الجنان، كما قال تعالى: {سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58]. فيكون مرجعه إلى الكلامِ القديم.
          ووظيفة العارف أن يتخلَّق به بحيث يسلم قلبه عن الحقدِ والحسد وإرادة الشَّرِّ وقصدِ الخيانةِ، وجوارحه عن ارتكابِ المحظورات واقترافِ الآثام سلَّمنا الله من كلِّ ذلك.
          و{المؤمن} [الحشر:23]: قال الطِّيبي: هو في الأصل الَّذي يجعل غيره آمناً، وفي حقِّ الله تعالى على وجهين:
          أحدهما: أن يكون صفة ذاتٍ وهو أن يكون متضمِّناً لكلام الله تعالى الَّذي هو تصديقٌ لنفسه في أخباره، ولرسله في صحَّة دعواهم الرِّسالة بإظهار معجزاته عليهم، أو تصديقُهُ علمُه بأنَّه صادقٌ وأنَّهم صادقون.
          والثَّاني: أن يكون متضمِّناً صفة فعل هي أمانةُ رسله وأوليائه المؤمنين به من عقابه وأليم عذابه يقال: أمِنَهُ يؤمنه فهو مؤمنٌ، وقيل: خالق الأمنِ، وقيل: واهب الأمن، وقيل: خالق الطُّمأنينية في القلوب، وقيل: مصدِّق المؤمنين ما وعدهم من الثَّواب ومصدقُ الكافرين ما أوعدهُم من العقاب، فافهم.
          وقال مجاهد: المؤمن الَّذي وحَّد نفسه بقوله: شهد الله أنَّه لا إله إلا هو.
          وأمَّا {المهيمن} [الحشر:23]: فهو راجعٌ إلى معنى الحفظ والرِّعاية / وذلك صفة فعلٍ له، وقد روى البيهقي من حديث ابن عبَّاس ☻ في قوله: ((مهيمناً عليه)) قال: مؤتمناً عليه. وفي رواية عليِّ بن أبي طلحة عنه: {المهيمن}: الأمين، والقرآن أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبله، ونقل البيهقيُّ عن الحَليميِّ أنَّ المهيمن معناه الَّذي لا يُنقص الطَّائع من ثوابه شيئاً ولو كثر، ولا يزيدُ العاصي عقاباً على ما يستحقُّه؛ لأنَّه لا يجوزُ عليه الكذب، وقد سمِّي الثَّواب جزاء والعقاب جزاء، وله أن يتفضَّل بزيادة الثَّواب ويعفو عن كثيرٍ من العقاب. وقيل: الرَّقيب على الشَّيء والحافظ له.
          وقال الطِّيبي: {المهيمن}: الرَّقيب البالغ في المراقبة والحفظ، من قولهم: هيمنَ الطَّير: إذا نشرَ جناحه على فرخه صيانة له، وقيل: أصله مؤيمنٌ فقُلبت الهمزة ياء فصار مهيمنٌ، قاله الخطَّابي وابن قُتيبة ومن تبعهما. واعترضَ إمامُ الحرمين، ونقل الإجماع على أنَّ أسماء الله لا تُصغَّر.
          قال العينيُّ: هم ما ادَّعوا أنَّه مصغَّرٌ حتَّى يصحَّ الاعتراضُ عليه، ومهيمنٌ غير مصغَّرٍ لأنَّ وزنه مفيعل، وليس هذا من أوزان التَّصغير وفيه نظرٌ.