نجاح القاري لصحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط}

          ░58▒ (باب قَوْلِ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} [الأنبياء:47]) ولمَّا كان آخر الأمور الَّتي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخِفَّتها، جعله البخاريُّ ⌂ آخر تراجم كتابه، فبدأ بحديث: ((الأعمال بالنِّيَّات)) [خ¦1]، وذلك في الدُّنيا، وختم باب الأعمال بوزن يوم القيامة إشارة إلى أنَّه إنَّما يتقبَّل منها ما كان بالنِّيَّة الخالصة لله تعالى، فقال: ((باب قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ})) أي: العدل، وهو منصوبٌ على أنَّه نعتٌ للموازين، وعلى هذا فَلِمَ أفرد؟
          وأُجيب: بأنَّه في الأصل مصدر، والمصدر يوحَّد، أو على أنَّه على حذف مضاف؛ أي: ذوات القسط، قاله الزَّجَّاج. وقال الطَّبري: وجُعِل (1) وهو مفرد من نعت الموازين وهو جمعٌ؛ لأنَّه كقولك: عدلٌ ورضا. وقيل: هو مفعولٌ لأجله؛ أي: لأجل القسط، وفي رواية أبي ذرٍّ: <{لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء:47]>، وسقط في رواية غيره.
          والموازين: جمع ميزان، وأصله: موزان، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسارِ ما قبلها؛ أي: تضع الموازين العادلات، وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السُّنة به، وبالإفراد، فجوَّز بعضهم لمَّا أشكل عليه الجمع في الآية أن يكون ثمَّة موازين للعامل الواحد يزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ واحدٌ من أعماله، قال الشَّاعر:
مَلِكٌ تَقُومُ الْحَادِثَاتُ لِأَجْلِهِ                     فَلِكُلِّ حَادِثَةٍ لَهَا مِيزَان
          والَّذي عليه الأكثرون: أنَّه ميزانٌ واحدٌ عبَّر عنه / بلفظ الجمع باعتبار تعدُّد الأعمال والأشخاص. ويدلُّ على تعدد الأعمال: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [المؤمنون:103]، ويحتمل أن يكون الجمع للتَّفخيم كقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، وإنَّما هو رسولٌ واحدٌ، ثمَّ اللام في قوله: {لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء:47] يحتمل أن تكون للتعليل، ولكن على حذف المضاف؛ أي: لحساب يوم القيامة. وقيل: هي بمعنى «في»، كذا جزم به ابن قتيبة، واختاره ابنُ مالك، وهو رأي الكوفيين، ومنه عندهم: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف:187]. وقيل: التَّوقيت، وبمعنى: «عند» كقولك: جئتك لخمسٍ خلون من الشَّهر، وقول النَّابغة:
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا                     لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ
          قال أهل السُّنَّة: إنَّه جسمٌ محسوسٌ ذو لسانٍ وكفَّتين.
          (وَأَنَّ) بفتح الهمزة وتكسر (أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ) بالإفراد، وفي رواية القابسي: <وأقوالهم> (تُوْزَنُ) بميزانٍ له لسانٌ وكفتان، خلافاً للمعتزلة المنكرين لذلك، إلَّا أنَّ منهم من أحاله عقلاً، ومنهم من جوَّزه، ولم يحكم بثبوته كالعلَّاف وابن المعتز. واحتجُّوا بأنَّ الأعمال أعراضٌ، وقد عُدِمت فلا يمكن إعادتها، وإن أمكنَ إعادتها يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها، فلا توصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، والقرآن يردُّ عليه، قال الله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف:8] أي: وزن الأعمال يومئذٍ الحقُّ {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:8].
          سلَّمنا أنَّ الأعراض لا تُوصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، لكن لمَّا ورد الدَّليل على ثبوت الميزان والوزن، كالحساب والصِّراط وجب علينا اعتقاده، وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعضٍ، فنكلُ علمه إلى الله تعالى، ولا نشتغلُ بتأويله. وهم قالوا: إنَّه عبارةٌ عن العدل، فخالفوا الكتاب والسُّنَّة، والعُمدة في إثباته عند أهل الحقِّ أنَّه مُمْكِنٌ في نفسه؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعه محالٌ لذاته مع إخبار الصَّادق عنه، فأجمعُ المسلمون عليه قبل ظهورِ المخالف، والله تعالى قادرٌ على أن يعرِّفَ عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأيِّ طريقٍ شاء، إمَّا بأن يجعلَ الأعمال والأقوال أجساماً، أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلِّمين عن ابن عبَّاسٍ ☻ : أنَّ الله يقلب الأعراض أجساماً فيزنها، أو يوزن صحفها.
          [ويؤيد هذا حديث البطاقة المروي في الترمذي، وخال حسن غريب، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه] والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص ☻ : أنَّ رسول الله صلعم قال: ((إنَّ الله يستخلصُ رجلاً من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشرُ عليه تسعةً وتسعين سجلاً، كلُّ سجل مثل مدى البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ فقال: لا يا رب، فيقول الله تعالى: بلى إن لك / عندنا حسنةً، فإنَّه لا ظلمَ عليك، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيقال: فإنَّك لا تُظلمُ، فتوضع السِّجلَّات في كفَّةٍ، والبطاقة في كفَّةٍ، فطاشت السِّجلَّات وثقلت البطاقة، فلا يثقلُ مع اسم الله شيءٌ)). وقال ابن ماجه: بدل قوله: ((إنَّ الله يستخلصُ رجلاً من أمَّتي)): ((يُصاح رجلٌ من أمَّتي)).
          وقال محمَّد بن يحيى: البطاقة: الرُّقعة، وهذا يدلُّ على الميزان الحقيقي، وأنَّ الموزون صحفَ الأعمال، ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كُتب فيها، وخفَّتها بقلَّته، فلا إشكالَ، وقد أخرج أبو داود والتِّرمذي، وصحَّحه ابن حبَّان، عن أبي الدَّرداء عن النَّبي صلعم قال: ((ما يُوضع في الميزان يوم القيامة أثقلُ من خلق حسن)). وفي حديث جابر ☺ رفعه: ((توضعُ الموازين يوم القيامة فتوزنُ الحسنات والسَّيِّئات، فمن رجحت حسناته على سيِّئاته مثقال حبَّةٍ دخل الجنَّة، ومن رجحت سيِّئاته على حسناته مثقال حبَّةٍ دخل النَّار، قيل: فمن استوت حسناته وسيئاته، قال: أولئك أصحابُ الأعراف)). أخرجه خيثمة في «فوائده». وعند ابن المبارك في «الزهد» عن ابن مسعود ☺ نحوه موقوفاً.
          وأخرج أبو القاسم اللَّالكائي في كتاب «السنة» عن حذيفة ☺ موقوفاً: «إنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ◙». وعند البيهقي عن أنس ☺ مرفوعاً قال: ((ملك الموت يوكَّل بالميزان))، وقيل: إنَّه ميزانٌ كميزان الشعر، وفائدته: إظهار العدل، والمبالغة في الإنصاف، ولو جاز حمله على ذلك؛ لجاز حمل الصِّراط على الدِّين الحقِّ، والجنَّة والنَّار على ما يَرِدُ على الأرواحِ دون الأجساد من الأحزان والأفراح.
          وهذا كلُّهُ فاسدٌ؛ لأنَّه ردٌّ لِمَا جاء به الصَّادق على ما لا يخفى. فإن قيل: أهل القيامة إمَّا أن يكونوا عالمين بكونه تعالى عادلاً غير ظالمٍ أو لا، فإن علموا ذلك كان مجرَّد حكمه كافياً، فلا فائدة في وضع الميزان وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصَّحائف، فلا فائدة في وضعها أصلاً.
          فالجواب: أنَّهم عالمون بعدله تعالى، وإنَّما فعل ذلك؛ لإقامة الحجَّة عليهم، وبياناً لكونه لا يَظلمُ مثقال ذرَّةٍ، وإظهاراً لعظمة قدرته في أنَّ كلَّ كفَّةٍ طباق السَّماوات والأرض ترجح بمثقال الحبَّة من الخردلِ وتخفُّ.
          وأيضاً فإنَّه سبحانه وتعالى لا يُسأل عمَّا يفعلُ، وقد رُوي عن سلمان ☺: أنَّه قال: فإن أنكر ذلك منكرٌ جاهلٌ / بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله صلعم عن الميزان، وقال: أولله حاجةٌ إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كلِّ شيءٍ قبل خلقه إيَّاه وبعده في كلِّ حالٍ؟
          قيل له: وِزَان ذلك: إثباته إيَّاه في أمِّ الكتاب، واستنساخه في الكتب من غير حاجةٍ إلى ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يخاف النِّسيان، وهو عالمٌ بكلِّ شيءٍ كل حالٍ ووقت قبل كونه وبعد وجوده، وإنَّما يفعل تعالى ذلك؛ ليكون حجَّةً على خلقه كما قال تعالى في: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:28-29]، فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجَّةً عليهم ولهم إما بالتَّقصير في طاعته والتَّضييع، وإمَّا بالتَّكميل والتَّتميم، وإظهاراً لكرمه وعفوه ومغفرته مع قدرته بعد اطِّلاع كلِّ أحدٍ منَّا على مساوئه ومسامحته له وغفرانه، وإدخاله إيَّاه الجنَّة بعد بفضله.
          هذا وحكى الزَّركشي عن بعضهم أنَّ رجحان الوزن في الآخرة بصعود الرَّاجح عكس الوزن في الدُّنيا. واستدلَّ في ذلك بقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر:10] الآية. وهو غريبٌ مصادمٌ لقوله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف:8] الآية.
          وقد جاء: أنَّ كفَّة الحسنات من نورٍ، والأخرى من ظلام، وأنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش، والنَّار عن يساره، ويُؤتى بالميزان فينصبُ بين يدي الله تعالى ╡، كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنَّة، وكفة السَّيِّئات عن يسار العرش مقابل النَّار، ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»، وأبو القاسم اللَّالكائي في «سننه».
          وفي «الطبراني الصغير» من حديث أبي هريرة ☺ قال: قال رسول الله صلعم : ((يقول الله أي: يوم القيامة: يا آدم قد جعلتك حَكَماً بيني وبين ذريَّتك، قم عند الميزان فانظر ما يرفعُ إليك من أعمالهم، فمن رَجَحَ منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّةٍ، فله الجنَّة، حتَّى تعلم أنِّي لا أُدخل منهم النَّار إلَّا ظالماً)) الحديث. قال الطَّبراني: لا يُروى هذا الحديث عن أبي هريرة ☺ بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الأعلى، وعند الحاكم عن سلمان ☺ مرفوعاً: ((يوضع الميزان يوم القيامة، فلو آوى فيه السَّماوات والأرض لَوُضِعَت، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناكَ حقَّ عبادتك)).
          وعند صاحب «الفردوس» وابنه أبي منصور الدَّيلمي: عن عائشة ♦ / مرفوعاً: ((خلق الله ╡ كفَّتي الميزان مثل أو ملء السَّماوات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربَّنا من تزن بهذا؟ قال: أزِن به من شئت من خلقي)). وقيل: سأل داود ◙ ربَّه ╡ أن يُريه الميزان، فلمَّا رآه أغمي عليه من هوله، ثمَّ أفاق، فقال: ((إلهي من يقدر على ملء كفَّة هذا الميزان حسنات؟ فقال الله تعالى: يا داود! إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرةٍ واحدةٍ. يا داود! املأها بكلمة: لا إله إلا الله)).
          هذا ثمَّ إنَّ ظاهر قول البخاري: ((وإنَّ أعمال بني آدم وقولهم يوزن)) التَّعميم، وليس كذلك، بل خصَّ منهم من يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وهم السبعون ألفاً، كما في البخاري؛ فإنَّهم لا يرفع لهم ميزانٌ، ولا يأخذون صحفاً، وإنَّما هي براءةٌ مكتوبةٌ، كما قال الغزالي.
          وكذلك من الكفَّار من لا ذنبَ له إلَّا الكفر فقط، ولم يعمل حسنةً، فإنَّه يقع في النَّار بغير حسابٍ ولا ميزان، ومن المؤمنين من لا سيِّئة له، وله حسنات كثيرة زائدةٍ على محضِّ الإيمان، كما في قصَّة السَّبعين ألفاً، ومن شاء الله أن يلحقَه بهم، وهم الَّذين يمرُّون على الصِّراط كالبرق والرِّيح وكأجاويد الخيل، ومن عدا هذين من الكفَّار والمؤمنين محاسبون، وتعرض أعمالهم على الموازين.
          ويدلُّ على محاسبة الكفَّار، ووزن أعمالهم: قوله تعالى في سورة المؤمنين: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [المؤمنون:102-103] إلى قوله: {أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105].
          ونقل القرطبي عن بعض العلماء أنَّه قال: الكافرُ لا ثواب له، وعمله مقابلٌ بالعذاب، فلا حسنةَ له توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النَّار. واستدلَّ بقوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} [الكهف:105]. وبحديث أبي هريرة ☺ في «الصحيح» [خ¦4729] مرفوعاً في الكافر: ((إنَّه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ، واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} [الكهف:105])).
          وتُعُقِّب: بأنَّه مجازٌ عن حقارة قدرهِ، ولا يلزم منه عدم الوزن.
          وحكى القرطبي في صفة وزن عمل الكافر وجهين:
          أحدهما: أنَّ كفره يوضع في الكفَّة، ولا يجد حسنةً يضعها في الأخرى، فتطيشُ الَّتي لا شيءَ فيها. قال: وهذا ظاهر الآية؛ لأنَّه وصف الميزان بالخفَّة لا الموزون.
          ثانيهما: أنَّه قد يقعُ منه العتق والبرُّ والصِّلة، وسائر أنواع الخير الماليَّة ممَّا لو فعلها المسلم لكانت له حسناتٌ، فمن كانت له [حسنات] جُمعت ووُضِعت، غير أنَّ الكفر إذا قابلها رجح بها. قال الحافظ العسقلاني: ويحتمل أن يُجازى بها عمَّا يقعُ منه من ظلم العباد مثلاً، فإن استوت عذِّب بكفره، أو خُفِّفت عنه، كما في قصَّة أبي طالب. /
          (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء:182] (الْقُسْطَاسُ) بضم القاف وكسرها (الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) أي: بلغة أهل الرُّوم. وصله الفريابي في «تفسيره» عن سفيان الثَّوري عن رجلٍ عن مجاهدٍ، وعن ورقاء عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء:182] قال هو العدل بالرُّوميَّة، وقال الطَّبري: معنى قوله: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ}: بالميزان. وقال ابن دُريد مثله، وزاد: وهو روميٌّ عُرِّب. ويقال: قسطار _بالراء آخره بدل السين_. وقال صاحب «المشارق» القسطاس: أعدل الموازين، وهو بكسر القاف وضمها، وقُرئ بهما في المشهور.
          ففيه وقوع المُعرَّب في القرآن، وأما قوله تعالى: {قُرْآَناً عَرَبِيّاً}، فلا ينافيه ألفاظٌ نادرةٌ؛ إذ هو من توافق اللُّغتين؛ لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً} [يوسف:2] كذا قيل. وليس بشيءٍ؛ لأنَّ المعنى أنَّه عربيُّ الأسلوب والنُّظم. ولو سلّمنا فباعتبار الأعمِّ الأغلب، ولم يشترط في الكلام العربي أن تكون كلُّ كلمةٍ منه عربيَّة، ولا يجوز اشتمال القرآن على كلمةٍ غير فصيحةٍ، وقيل: يجوز.
          وردَّه المولى سعد الدِّين التَّفتازاني: بأنَّ ذلك يقودُ إلى نسبة الجهلِ، أو العجز إلى الله، تعالى الله عن ذلك. واعترضه البَّوني أحدُ تلامذة الشَّيخ: بأنَّه يجوز أن يختارَ الله تعالى غير الفصيح مع القدرة على الفصيح؛ لحكمة هي إمَّا أنَّ دَلالته على المراد أوضحُ أو غير ذلك ممَّا لا يعلمه إلَّا هو، فلا يلزم شيءٌ من العجز والجهل. قال: وعرضته على الشَّيخ فاستحسنه.
          (وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ) واعترضه الإسماعيلي: بأنَّ مصدر المقسط: الإقساط؛ لأنَّه رباعيٌّ. وأُجيب: بأنَّ المراد المصدر المحذوف الزَّوائد نظراً إلى أصله، فهو مصدرُ مصدره؛ إذ لا خفاء أنَّ المصدر الجاري على فعله هو الإقساط، قاله في «اللامع» و«المصابيح»، وكذا قال الكرماني.
          (وَهْوَ) أي: المُقْسِط (الْعَادِلُ) يقال: أقسط: إذا عدل، وقَسَطَ: إذا جار، ويرجعان إلى معنى متقارب؛ لأنَّه يقال: عدل عن كذا: إذا مال عنه، وكذلك قسط؛ أي: عدل عن الحقِّ، وأقسط كأنَّه لزم العدل.
          وحكى الزَّجَّاج: أنَّ الثُّلاثي يُستَعمل كالرُّباعي. وقيل: إنَّ الهمزة في «أقسط» للسَّلب والإزالة؛ أي: أزال الجور، وبذلك جزم صاحب «النهاية». قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9]. وقال النَّبي صلعم : ((المقسطون على منابر من نورٍ))، والحديث صحيحٌ أخرجه مسلمٌ في «الصحيح». وفي «الصحيح» عن أبي هريرة ☺ في ذكر عيسى ابن مريم ♂: ((ينزلُ حكماً مقسطاً)) [خ¦2222] أي: عادلاً. وفي الأسماء الحسنى: «المقسط». قال الحَليميُّ: هو المعطي عباده القسطَ، وهو العدل.
          وذكر ابنُ القطَّاع: أنَّ قسط من الأضداد، فينحلُّ الإشكال. وقال الحافظُ العسقلاني: فإن قيل: المزيد لا بدَّ أن يكون من جنس المجرَّد. قلت: إمَّا أن يكون من القسِط _بالكسر_ وهو العدل، وإمَّا أن يكون بالفتح / الَّذي هو بمعنى الجور، فتكون الهمزة للسَّلب والإزالة.
          وقال الرَّاغب: القسط: النَّصيب بالعدل كالنِّصف والنصفة، والقَسَط بالفتح: أن يأخذَ قسط غيره، وذلك جورٌ، والإقساط: أن يعطيَ غيره قسطه، وهو الإنصافُ، ولذلك قالوا: قَسَطَ: إذا جار، وأقسط: إذا عدل.
          (وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهْوَ الْجَائِرُ) قال تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن:15]. ومن الغريب ما حُكِيَ: أنَّ الحجَّاج لمَّا أحضر سعيد بن جبير قال: ما تقول فيَّ؟ قال: قاسطٌ عادلٌ، فأعجب الحاضرين، فقال لهم الحجَّاج: ويلكم لم تفهموا، جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن:15]، وقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1].


[1] أي القسط.